تغيير حجم الخط ع ع ع

كانتْ تلك هي المرة الأولى التي أعرفُ فيها كيفَ أقولُ بالتركية: “أنا مصري”.. ثم ما يلبث أحدٌ بعدها أن يسألني عن جنسيتي حتى أبتسم مطمئنّ القلب وأنا أجيبه: “مصري” ؛ فينظر إليَّ نظرةَ مهابةٍ ويقول: “ما شاء الله، جميل، جميل جدا، تشرفتُ بك”.
ليس من باب المبالغةِ ولا التعصب لوطنٍ لفظَنا منه سارقُوه؛ وإنّما مجرد نقلٍ موضوعيٍّ للواقع الذي خارج الإطار، خصوصًا إن كنّا نحن داخل الإطارِ كألوانٍ في لوحةٍ، ينظرُ اللونُ الأبيضٌ إلى الأسود الذي يحدد أطرافَه بكبرياء ويلعنُ الفرشاةَ التي جلبته إلى هنا يومًا، ثم ينظر اللونُ الأصفرُ ربما إلى الأزرقِ متسائلًا في تعالٍ عنْ أنّ الغوامقَ ليس لهم أن يجاوروا الفواتح، ثم ينظر الأحمر إلى الأخضر نظرةَ استحقارٍ لهذا السلامِ المبالَغِ فيه والخيرية الزائدة.

أمامَ اللوحةِ يصطفُّ عشراتُ المتفرّجين، لا يسمعونَ تجاذبَ الألوان ولا سخط بعضهم على بعض، ولا يبصرونَ في اللوحةِ شيئًا إلا بعينِ الجمال. يروْنَ فيها مزيجًا من الصفاتِ التي لم تتسنَّ لغيرها من اللوحات أحادية اللون أو ثنائية الأقطاب؛ وإنما هنا فقط.. استطاعوا أن يروْا جمالَ الكونِ ملخصًا في لوحةٍ ثلاثية الأبعاد متعددة الألوان مترامية الأطراف متناسقة الدرجات.

في أول يومٍ من السنة التحضيرية للدراسة بالجامعة التركية، تعارفنا. صديقي الجديد من مقدونيا يعزّيني أول ما عرف أنني مصريّ! في مَن؟ وكيف؟ في الأستاذ مهدي عاكف! صديقي الغانيّ في مطعم السكنِ يحييني بأبياتٍ شعريةٍ للأستاذ حافظ إبراهيم! جارنا التركيّ الذي كان إمامَ مسجدٍ لثلاثين عامًا، يتعرفُ علينا بعد صلاة الفجرِ، ثمّ وقعت على مسمعه كلمة “مصريّون” كأنّها لحنٌ حَنون، ثم ألقى علينا أبياتًا من الشعر لشاعرٍ مصريٍ لا أذكره، وفي اليومِ التالي أرسلَ إلى شقّتنا ابنتَه بطبقٍ من الحلوى. أسفل المنزل متجرٌ صاحبُه اسمُه بلال، رجلٌ عليه علاماتُ الوقار، نزلتُ لأشتريَ منه شيئًا، حييتُه بالتركيةِ فردّ التحية بالعربية، ابتسمتُ ابتسامةً عريضةً!!”أتعرف العربية؟!”.. أجابني نعَم. سألني عن جنسيتي؛ فقلتُ “مصري”.. ابتهجَ وسلّم عليّ مجددا ولكن بحرارة، ثم أخبرني أنّ أستاذَه الذي علمه العربية والشريعة في سنوات دراسته.. كان مصريًا، ومنذ ذلك اليومُ لم تفارقنا ابتساماته ودعواته كلما مررنا به. في المطعم سألني طالبٌ تركيٌّ عن جنسيتي؛ قلت “مصري” قال: “محمد صلاح!”.
صديقتي القيرغستانية التي تدرس الدراسات العليا في العلوم السياسية، في أول دقيقةٍ لتعارفِنا قالتْ لي بالعربيةِ مجتهِدةً: “مصر جميل” ثم اتفقت معي على أن أعلمها العربية، وسألتني عن معنى اسمها بالعربية وحفظته، كان معناه: روحُ القمر. دعَتني إلى حفل ثقافي لجاليتهم هنا، ذهبتُ إليه ثم أخبرتني أنها تنتظر في المقابل دعوةً إلى مصرَ. في أول ساعةٍ أخبرتني أني “كوميدي” ثم أثناءَ انصرافي أخبرتني أننا أصبحنا أصدقاء، ثم لم تعرّفني مرةً بعدها إلى أحدٍ جديد إلا وقالت قبل اسمي: “صديقي المصري” وهي تبتسم. صديقها يدرس الشريعة هنا بتركيا، يعرفُ العربية بشكلٍ مقبولٍ كمبتدئ.. أوّل ما أخبرته بمصريّتي، قال: “أزهَر”، وكأنّ صدى الصوت أجابني: بل “أزهِر”، ولما طلب منا أستاذُ اللغةِ أن نكتبَ بخيالنا عن صورة طائرةٍ أمامنا في الكتاب؛ حلّق الخيال والتقى بين طالبتين؛ ألبانية وقيرغزية، في أن هذه هي الطائرة التي ستأخذهم إلى مصر. في جامعة الفاتح بإسطنبول قبل أشهر، كان هناك طلابٌ من كردستان يدرسونَ معي بمركز اللغة، جلُّ حديثهم معي عن “الحصري” ويقلدونَه كأنهم هو. صديقي البلقانيّ قرأ كتبًا مترجمةً في بلاده لعمرو خالد. طالبٌ يمنيٌّ في المسجدِ انتظرني بعض الصلاة ليسألني عن جنسيتي ويتعرف عليّ كوافدٍ عربيٍ جديد، أجبتُه: “مصري” وسأدرس الإعلام إن شاء الله، قال: “والله يا أخي إخوتنا المصريون لا يدخلون في أي مجال ولا أي شيء إلا وأثبتوا فيه كفاءتهم وتركوا فيه آثارهم”. في منشورٍ على الـ”فيسبوك” سألتُ لمَ تحبون المصريين؟ أجمعوا على “خفة الدم، نقاء الروح، السعي والاجتهاد، الصبر، الود وروح المساعدة، واللسان العذب، واللهجة الجميلة، وأنهم.. أصحاب فضل”.. ثم انبرى مصريون في التعليقات يقسمونَ لهم على أننا -حاشا لله- لسنا كذلك!! (لا بأس، هذا هو ما أخبرتُ عنه في بداية المقال، اللوحةُ جميلةٌ بعينِ الإنصاف من الخارج، لكننا بالداخل نصرّ على أننا لسنا كذلك)

صحيحٌ أن قلبي ينقبضُ حين يقول لي أحدهم بعد تعارفٍ جيد وصداقةٍ جديدة: “سأذهب معك إلى مصر في الإجازة”، وبداخلي ألفُ صوتٍ يهتفون جميعا: “آه..اذهب أنتَ وأبلغها مني ألف سلام، واحضنها لي ألف حضن، وقبلها عني مليون قُبلة”. أرجو ذلك؛ ولا أستطيعُ يا صديقي للأسف، لأنه “حرامٌ على بلابله الدوحُ، حلالٌ على الطير من كل جنسِ”.

إنّ الله لم يخلق الأوطان عبثًا، وإن النبيّ لم يبكِ قلبُه لفراق مكةَ إلا لأنها وطنه، ولو كان من إندونيسيا واضطر إلى الهجرة إلى مكة لبكى -وهو ذاهبٌ إلى مكة- على فراق إندونيسيا. وإن ارتباطَ القلوبِ بالترابِ كارتباطِ الجسمِ بالروح وارتباطِ السمكةِ بالبحر. ربّما تطحننا أرضُ الوطن بين رحاها، وتطردنا رغم أنفها وأنوفنا، ويصيبنا شوكُها بعد أن يكون قد تمدد في جسمها الحَنونِ ألف ميل، إلا أننا مرتبطونَ بها.

الأجنّة مهما كانت مشوّهةً فإنها ترتاحُ في الأحضانِ بعد التعافي في “الحضّانات”، والطفلُ المريضُ بالتوحّدِ يرى في أمه الألوانَ كلها والمشاعرَ كلها والكلامَ كله، وإن فقد القدرةَ على التعبير. صدقوني.. يرانا الجميعُ بعينٍ لو رأينا بها أنفسَنا لَأدركنا جمالَنا الذي لا يتسنّى للآخرين إلا رؤية مثقال ذرةٍ منه، وإنها والله رغم ما فيها من خبثٍ جثم على صدرها المجروح، إلا أنها ستظلّ في أنظارنا “فيها حاجة حلوة”!

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.