fbpx
Loading

في مملكة ابن سلمان.. الاحتفال بـ”الفالنتين” حلال

بواسطة: | 2018-02-18T12:23:39+02:00 الأحد - 18 فبراير 2018 - 12:23 م|الأوسمة: , , , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

منصور عطية

يبدو أن المجتمع السعودي الذي عُرف على مدار عقود بأنه الأكثر محافظة بين دول الخليج سيواصل تلقي الصدمات التي تضرب قيما ومفاهيم استقرت في وجدانه واعتبرت من أساسيات الشرع، في البلد الذي يفتخر بكونه الوحيد في العالم الذي يطبق الشريعة الإسلامية.

وبينما يحتفل كثيرون في العالم بما يسمى “عيد الحب” أو “الفالنتين”، كانت المملكة بعيدة كل البعد عن مظاهر هذا الاحتفال استنادا إلى فتاوى راسخة من أعلى السلطات الدينية في البلاد، وتطبيقا لتوجهات الحكام، بيد قوية وهي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لكن بعد وصول ولي العهد محمد بن سلمان  لهذا المنصب الرفيع وسيطرته عمليا على عرش السعودية، بات مؤكدا أن الأمور ستتغير كثيرا ليس مجرد توقعات لكن بقرارات وتوجهات على أرض الواقع.

من عيد وثني إلى مناسبة اجتماعية

خلال اليومين الماضيين، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي في المملكة، والتي تعد الفضاء الأكثر تعبيرا عن ميول واتجاهات الرأي العام هناك، جدلا واسعا بالتزامن مع “عيد الحب”.

الجدل سببه داعيان، أولهما “أحمد قاسم الغامدي”، مدير عام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة مكة المكرمة، سابقا، والذي اعتبر أن “يوم الحب” هو “مناسبة اجتماعية لا علاقة لها بالدين، ولذلك يجوز الاحتفال بها دون وجود أي مانع شرعي لذلك”.

وأضاف في لقاء مع فضائية “العربية” المملوكة للحكومة السعودية، أن عيد الحب مثل الاحتفال بـ”يوم الأم أو يوم المعلم أو اليوم الوطني أو يوم ميلاد المرء أو زواجه”، مشيرا إلى أنه من شأنه أن “يعزز تلك الرابطة الإنسانية، وهو أمر إنساني اجتماعي، والتهنئة به لا حرج فيها شرعا”.

وانضم إلى الغامدي “عبد العزيز الموسى” عضو الإدارة العامة للتوجيه والإرشاد بالمسجد الحرام سابقًا، الذي أيد بدوره الاحتفال بعيد الحب، قائلا عبر تغريدة في حسابه على تويتر: “ما اتخذه الناس من الأيام عادة للتعبير عن شعورهم تجاه من يحبون، أو لتبادل الهدايا جائز لأن الأصل في الأشياء الحل والإباحة، لا المنع والحظر”.

“الموسى” واجه حملة انتقادات كبيرة هاجمت رأيه واتهمته بالتفريط في ثوابت الدين، بينما ذهب كثيرون إلى التشكيك في مؤهلاته العلمية وطبيعة عمله السابق.

ومما قاله هؤلاء: “اعتبار البدع التي أتت من الغرب لتغريب هوية المسلمين جائزة! وتسميتها عادة؟ هذا تمييع واستخفاف بعقول المسلمين ولا يؤخذ العلم إلا من الراسخين في العلم عندنا..”.

وكتب آخر: “من الظلم لهذا الشخص سؤاله ومناقشته عن أشياء تتعلق بشرع الله، والهرطقة بالكلام والرأي لا يعني أنه عارف بحكم الدين فيه، أنزلوا الناس منازلهم”.

وعلى الرغم من أن الرأيين السابقين لا يعدان فتوى رسمية، إلا أن إتاحة المجال لهذه الآراء أن تنتشر في المجتمع السعودي في بلد تسجن لمجرد إبداء الرأي، يؤكد بشكل أو بآخر أنها لا تصطدم بتوجهات الحكام إن لم تكن معبرة عنهم.

اللافت أن تلك الفتاوى تتعارض شكلا وموضوعا مع فتاوى سابقة أصدرها المفتي الحالي ورئيس لجنة البحوث والإفتاء عبدالعزيز آل الشيخ وغيره من كبار المشايخ على مدار العقود السابقة.

ففي الفتوى المنسوبة لآل الشيخ والمنشورة على موقع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والمقيدة برقم (21203) حُرم فيها الاحتفال بعيد الحب ووصفته بأنه “عيد وثني نصراني”، كما حرمت المشاركة بأي شكل في الاحتفال بالعيد “من أكل أو أشرب أو بيع أو شراء أو صناعة أو هدية أو مراسلة أو إعلان أو غير ذلك” معتبرة أن “ذلك كله من التعاون على الإثم والعدوان ومعصية الله والرسول”.

 

فتوى ابن عثيمين

وقبل نحو 19 عاما أفتى الشيخ محمد بن صالح العثيمين، عضو هيئة كبار العلماء، بأن عيد الحب “عيد بدعي لا أساس له في الشريعة ويدعو إلى العشق والغرام وإلى اشتغال القلب بمثل هذه الأمور التافهة المخالفة لهدي السلف الصالح رضي الله عنهم”.

سلسلة قرارات تغريبية

اللافت أن التوجه الذي يعبر عنه الجدل بشأن الاحتفال بما يسمى عيد الحب، يأتي متسقا مع سلسلة من القرارات والتوجهات الرسمية التي وصفت بأنها تغريبية ومخالفة لما استقر في وجدان السعوديين عبر عقود، وتصدم مجتمعهم المحافظ.

ففي 26 سبتمبر الماضي أصدر العاهل السعودي أمرًا بمنح المرأة حق قيادة السيارات، بعد حظر استمر لعقود، ومعارضة رسمية وصلت إلى حد الملاحقات القانونية والقضائية لسعوديات دعين في مناسبات مختلفة إلى قيادة السيارة.

لكن ابن سلمان بعدها بأقل من شهر، عبر صراحة عن نيته فيما سبق وما هو قادم في إطار تلك القرارات التي تخص المرأة تحديدا، حيث صرح بأن بلاده بدأت “تعود” إلى “الإسلام المنفتح” على العالم.

وفي سبتمبر أيضا سُمح للنساء بالمشاركة في فعاليات الاحتفال باليوم الوطني للمملكة باستاد الملك فهد الدولي بالرياض، الأمر الذي أثار جدلًا واسعًا بسبب مشاهد الاختلاط الغريبة على المجتمع السعودي.

وفي ديسمبر، وافق مجلس إدارة الهيئة العامة للمرئي والمسموع على إصدار تراخيص للراغبين في فتح دور للعرض السينمائي بالمملكة، بعد حظر قارب الثلاثين عامًا.

وقبلها وبعدها، أقيمت الكثير من الحفلات الغنائية لمشاهير عرب وأجانب في المملكة لأول مرة، ولعل أهمها حفلات الموسيقار العالمي “ياني”، الذي أقام 6 حفلات موسيقية في جدة والظهران، وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن بالرياض.

وفي الشهر نفسه سمحت الهيئة العامة للرياضة بدخول العائلات الملاعب السعودية بداية من مطلع عام 2018.

فتاوى تحت الطلب!

وبقدر ما تنسجم فتاوى عيد الحب مع التوجهات العامة للقيادة الجديدة في السعودية، بقدر ما تعيد إلى الأذهان الجدل المتجدد بشأن الفتاوى المتضاربة والمتعاكسة في الشأن الواحد وفقًا لقرار الحاكم وهوى السلطان.

ولعل تلك الفتاوى المتعلقة بالمرأة حازت النصيب الأكبر من الفتاوى المتضاربة، ولعل المثال الأحدث والأكثر وضوحًا هو قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة، فبعد أن كانت “شرًا”، أصبحت مثالًا لتوخي الملك لما تقرره الشريعة الإسلامية، وهو ما ذهبت إليه الهيئة في تغريدة عبر حسابها على تويتر، تعليقًا على قرار الملك سلمان، الهيئة غرّدت نصًا: “حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الذي يتوخى مصلحة بلاده وشعبه في ضوء ما تقرره الشريعة الإسلامية”.

اللافت أن الأمر السامي يكشف تعارض الفتوى التي استند إليها والصادرة من الهيئة مع فتوى أخرى منشورة على الموقع الرسمي للرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء (التي يرأسها المفتي)، برقم (2932) جاء نصها كالآتي: “لا يجوز للمرأة أن تسوق السيارة في شوارع المدن ولا اختلاطها بالسائقين؛ لما في ذلك من كشف وجهها أو بعضه، وكشف شيء من ذراعيها غالبًا، وذلك من عورتها، ولأن اختلاطها بالرجال الأجانب مظنة الفتن ومثار الفساد”.

وفي 2013، شهدت السعودية حملة قادتها ناشطات دعين لقيادة المرأة للسيارة في 26 أكتوبر، الأمر الذي أسفر عن ملاحقات أمنية تعرضت لها الداعيات للحملة وتوجيهات على جميع المستويات بتضييق الخناق على تلك الدعوات، وبعد أقل من شهر على تلك الدعوة، رأى المفتي العام للمملكة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ أن قرار منع المرأة من قيادة السيارة هو “حماية للمجتمع من الشر”.

وفي سبتمبر 2011 أصدر العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز أمرًا ملكيًا يسمح للمرأة بعضوية مجلس الشورى، والترشح والانتخاب في الانتخابات البلدية، وحينها وصف مفتي المملكة عبدالعزيز آل الشيخ الأوامر بأنها “كلها خير”، قائلًا في تصريحات صحفية: “نحن في بلد الإسلام ونرجو الله أن يثبتنا على الحق ويرزقنا الاستقامة والهدى”.

غير أنه وبالبحث في موقع رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، وُجدت فتوى معاكسة أصدرها “آل الشيخ” نفسه تحت عنوان “مشاركة المرأة في السياسة”، وكانت عبارة عن رد على تساؤل بشأن المطالبات بمشاركة المرأة في الانتخابات ودخول مجلس الشورى.

ومما قاله المفتي في فتواه نصًا: “.. إن مثل هذه المطالبات يجب أن يعاد النظر فيها، هل هي تخدم دين الإسلام؟..”، وقال: “إن الأمر أيها الأخوات.. استمرار لمكائد الأعداء ضد هذه الأمة، لن يألوا جهدًا في إيصال الأذى إلينا، لن يألوا جهدًا في تفريق صفنا وتشتيت كلمتنا، لن يألوا جهداً في إيقاع الفتنة بيننا، وما يروجون له في هذه العصور المتأخرة من حقوق المرأة كل هذا نوع من أنواع الكيد”.


اترك تعليق