لم تعد معركة السودان بالنسبة إلى الإمارات مجرد ملف إقليمي يمكن إدارته عبر دعم حليف عسكري أو الضغط من خلف الكواليس، بل تحولت إلى سباق مع الزمن للحفاظ على آخر أوراق النفوذ في بلد تتغير فيه موازين القوى بسرعة. فالتقدم العسكري الذي يحققه الجيش السوداني في مواجهة ميليـ.ـشيا الدعم السريع، إلى جانب تصاعد الانشقاقات داخل صفوف الأخيرة، يضع المشروع الإماراتي في السودان أمام احتمال خسارة الأداة التي اعتمد عليها لسنوات.

وخلال الأيام الماضية، حقق الجيش السوداني مكاسب ميدانية متتالية في شمال كردفان، واستعاد مناطق وطرقاً استراتيجية تربط الخرطوم بالأبيض، كما نجح في الضغط على خطوط إمداد الدعم السريع المتجهة نحو دارفور. وفي الوقت نفسه، شهدت صفوف ميليشيا الدعم السريع موجة جديدة من الانشقاقات، مع انضمام قادة ومئات المقاتلين إلى الجيش، في وقت جاءت فيه الهجمات الأخيرة التي شنتها الميليشيا بعد سلسلة من الخسائر الميدانية، وليس خلال مرحلة توسع عسكري.
هذه التطورات، وفق قراءة المشهد، تضع محمد بن زايد أمام معادلة شديدة الصعوبة؛ فاستمرار تراجع الدعم السريع بالوتيرة الحالية قد يعني انهيار أحد أهم أدوات النفوذ الإماراتي داخل السودان، ولذلك يبدو أن الهدف لم يعد تحقيق انتصار عسكري كامل للميليشيا، بقدر ما أصبح منع هزيمتها الكاملة قبل أن تفقد قدرتها على فرض نفسها طرفاً في أي تسوية سياسية مقبلة.
معركة الإمارات لمنع سقوط الدعم السريع
فبقاء الدعم السريع مسيطراً على جزء من الأراضي السودانية، مع احتفاظه بقيادته وقواته وقدرته على إدارة مناطق نفوذه، يعني إبقاءه طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي مفاوضات مستقبلية. أما انهياره العسكري الكامل، فيعني فقدان أبوظبي لأداة نفوذ أساسية، ويمنح الجيش السوداني والقوى الإقليمية الداعمة له مساحة أكبر في رسم شكل السودان بعد الحرب.
ومن هنا يمكن فهم التحركات الدبلوماسية المتزامنة مع التصعيد العسكري؛ إذ تشير المعطيات الواردة في النص إلى تحرك إماراتي عبر واشنطن للضغط باتجاه وقف إطلاق النار وتوسيع القيود على تدفق السلاح إلى السودان، إلى جانب الدفع نحو تشديد العقوبات على طرفي الحرب.
لكن المفارقة الأساسية هنا أن وقف الحرب في هذه المرحلة قد لا يعني بالضرورة إنهاء الأزمة، بل يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإعادة تثبيت الدعم السريع كطرف سياسي وعسكري يمتلك الأرض والسلاح والقيادة، بدلاً من السماح بانهياره الكامل على يد الجيش.
«حلف مكة» يغيّر الحسابات
ولا تأتي هذه التحركات بمعزل عن تغير البيئة الإقليمية المحيطة بالإمارات. فبروز ما يُعرف بـ«حلف مكة» بين السعودية وتركيا وباكستان يفتح أمام المنطقة مساراً جديداً من التعاون السياسي والأمني والعسكري، مع بحث آليات مشتركة تشمل المناورات والتعاون في المجالات الدفاعية والمسيّرات والحرب الإلكترونية ونقل التكنولوجيا.
ومع ظهور اهتمام بنغلاديش بالانضمام إلى هذا الترتيب، يزداد القلق الإماراتي من احتمال تحوله من تفاهم محدود إلى شبكة أمنية إقليمية أوسع.
والأهم من ذلك هو احتمال توسع هذه المنظومة لتشمل مصر، وهو ما سيغير طبيعة المعادلة بصورة أكبر؛ إذ ستجد الإمارات نفسها أمام شبكة من القوى الإقليمية التي تمتلك مصالح مباشرة في السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي المناطق التي راكمت أبوظبي فيها نفوذاً واسعاً خلال السنوات الماضية.
السودان ليس الهدف الوحيد
ولهذا فإن الصراع على السودان يتجاوز مسألة من ينتصر في الحرب الحالية. فبالنسبة إلى الإمارات، يرتبط مستقبل نفوذها في السودان بموقعها الأوسع في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وبقدرتها على الحفاظ على حضورها داخل ترتيبات المنطقة الجديدة.
أما بالنسبة إلى خصومها الإقليميين، فإن تراجع النفوذ الإماراتي في السودان قد يعني فتح المجال أمام إعادة ترتيب موازين القوى في منطقة تمتد من القاهرة والرياض إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا.
ومن هنا تبدو معركة بن زايد الحالية أقرب إلى معركة لمنع الخسارة أكثر من كونها محاولة لتحقيق انتصار للدعم السريع؛ فالمطلوب ليس بالضرورة أن يصل حميدتي إلى حكم السودان، وإنما أن يبقى الدعم السريع قوياً بما يكفي لمنع تجاوزه في أي تسوية سياسية مقبلة.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي تفرضه التطورات الحالية لا يتعلق فقط بمصير الدعم السريع، بل بمن سيمتلك القدرة على التأثير في شكل السودان بعد الحرب: هل يُحسم مستقبل السودان في ساحات القتال، أم على طاولة التفاوض، ومن سيكون صاحب الكلمة الأقوى عندما تبدأ عملية رسم خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة؟