شهدت العلاقات الإقليمية فصلاً جديداً من فصول التصعيد الدبلوماسي والأمني الذي تمارسه دولة الإمارات، بعد أن أقدمت السلطات في إمارة دبي على إغلاق مستشفى الهلال الأحمر الإيراني بصورة قسرية وعنيفة. وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إيرانية رسمية، فإن الخطوة الإماراتية اللإنسانية لم تقتصر على الجانب الإداري أو القانوني، بل تعدتها إلى طرد المرضى والمراجعين الذين كانوا يتلقون الرعاية الطبية والعلاجية داخل أروقة المستشفى، فضلاً عن تجميد كافة أصوله المالية وحساباته المصرفية، وإخضاع مدير المنشأة الطبية لاستجوابات وتحقيقات أمنية يومية مكثفة، في انتهاك صارخ للمواثيق الدولية التي تحمي المنشآت الصحية والعمل الإغاثي والخدمات الطبية في شتى الظروف.
وكشف رئيس جمعية الهلال الأحمر الإيراني، بير حسين كولي وند، عن كواليس هذا الإجراء التعسفي، مشيراً إلى أن محكمة إماراتية أصدرت أمراً تنفيذياً يقضي بتجميد الحسابات النقدية والمستحقات المالية الكاملة للمستشفى، بالتوازي مع إخلاء الكوادر الطبية والممرضين والعاملين من مساكنهم المخصصة لهم بشكل فوري ومفاجئ. هذا السلوك الإماراتي الذي يفتقر لأدنى معايير المسؤولية الأخلاقية والإنسانية قوبل بإدانة شديدة من الأوساط الطبية والحقوقية، حيث شدد كولي وند على أن الهلال الأحمر لن يقف مكتوف الأيدي، بل سيتابع هذا الملف الحساس في المحافل الدولية والقانونية، وسيسجل شكاوى رسمية ضد أبوظبي حتى نيل الحقوق ومحاسبتها على هذا الخرق الإنساني الفاضح.

استهداف العمل الإنساني وتسييس الخدمات الطبية
يمثل الإغلاق القسري لمستشفى الهلال الأحمر الإيراني في دبي، وطرد المرضى من أسرتهم الطبية، مؤشراً خطيراً على المدى الذي يمكن أن تصل إليه السياسة التطهيرية والإقصائية للإمارات ضد الكيانات الخدمية؛ فالمنشآت الصحية طالما حظيت بحصانة عرفية وقانونية تمنع الزج بها في آتون الخلافات السياسية أو التجاذبات الإقليمية. إلا أن العقلية الأمنية الحاكمة في أبوظبي ضربت بعرض الحائط هذه الثوابت، واختارت تسييس القطاع الصحي بشكل فج، متجاهلة الأضرار البالغة التي قد تلحق بالمرضى الذين انقطعت سبل علاجهم جراء هذا القرار المتعسف.
ويرى مراقبون للشأن الخليجي أن هذا الإجراء اللإنساني يفضح زيف الشعارات البراقة التي تروجها الدولة دولياً حول رعاية حقوق الإنسان والتعايش السلمي؛ فالواقع الميداني يثبت أن المنصات الطبية والإغاثية باتت رهينة للمزاج السياسي والأمني الضيق، وأن قطع الخدمات العلاجية عن المرضى المحتاجين يندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي والتضييق الممنهج الذي تعتمده الإمارات لفرض إرادتها السياسية، وتصفية الحسابات الإقليمية على حساب الفئات الضعيفة والمستضعفة.
حملة ممنهجة لتصفية الكيانات التعليمية والثقافية
لم يكن استهداف المستشفى الإيراني حدثاً معزولاً أو إجراءً إدارياً عابراً، بل جاء كجزء من حملة قمعية أوسع شنتها السلطات الإماراتية لتصفية وإغلاق الوجود المؤسسي والمدني الإيراني في البلاد؛ حيث طالت قرارات الإغلاق التعسفية كيانات حيوية أخرى في دبي، برز منها “النادي الإيراني” الذي يمثل ملتقى ثقافياً واجتماعياً، بالإضافة إلى خمس مدارس إيرانية كاملة كانت تقدم خدماتها التعليمية لآلاف الطلاب من أبناء الجالية.
هذا التجريف المنظم للمؤسسات التعليمية والثقافية والصحية يعكس حالة من الهستيريا السياسية والرغبة في محاصرة أي نشاط غير خاضع للإملاءات التوجيهية المباشرة لأبوظبي؛ فإغلاق خمس مدارس وتشريد طلابها تعليمياً، بالتزامن مع طرد الكوادر الطبية من مساكنهم، يعري الوجه الحقيقي لإمارات القمع والسيطرة، ويظهر كيف تتحول القوانين والأحكام القضائية المحلية إلى أدوات لخدمة الأجندات الأمنية وتبرير الانتهاكات الصارخة ضد حقوق المدنيين والجاليات المقيمة.
التبعات القانونية والدولية للقرارات الإماراتية التعسفية
تفتح الخطوة الإماراتية بقطع الخدمات الطبية وتجميد مستحقات الهلال الأحمر الباب أمام ملاحقات قانونية ودبلوماسية واسعة على الساحة الدولية؛ إذ تعتزم الجمعيات الإنسانية والحقوقية ملاحقة أبوظبي أمام منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، باعتبار أن السلوك الإماراتي يشكل سابقة خطيرة تهدد أمن واستقرار البعثات الطبية والإنسانية في منطقة الخليج والشرق الأوسط بأسره.
وفي المحصلة، فإن الإغلاق القسري للمستشفى الإيراني بطرد المرضى وتشريد الكوادر الطبية يضع النظام الإماراتي في مواجهة مباشرة مع مبادئ القانون الدولي الإنساني؛ وبات واضحاً للرأي العام الدولي أن النفوذ المالي والسياسي لأبوظبي يسخر بالدرجة الأولى لتمرير سياسات تخلو من الإنسانية، وتعتمد على إلحاق الأذى بالمرضى والطلاب والمدنيين لخدمة مشاريع وصراعات لا ناقة للمجتمع المدني فيها ولا جمل، مما يضع مصداقية الإمارات وصورتها الدولية في مهب الريح.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين