تغيير حجم الخط ع ع ع

 

مع إطالة أمد الحرب الروسية التي بدأت في 24 فبراير 2022، أعلنت وزارة الدفاع في كييف أن مرتزقة فاغنر الروس في العالم بدأوا يعودون للمشاركة فيها.

كما أن اللواء الانقلابي في ليبيا خليفة حفتر ورئيس النظام السوري بشار الأسد يرسلان مرتزقة لرد الجميل إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يساندهما.

وزارة الدفاع “البنتاغون” وصحف أميركية ومصادر ليبية أكدت في 8 مارس 2022 أنه بدأ بالفعل نقل مرتزقة فاغنر الذين كانوا في ليبيا عبر رحلات لسلاح الجو الروسي إلى الحدود مع أوكرانيا للمشاركة بالحرب.

وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو، كشف في 11 مارس 2022 أن 16 ألف متطوع من الشرق الأوسط طلبوا من الحكومة السماح لهم بالوصول إلى أوكرانيا للمشاركة في القتال.

كما قام مصدر كبير بالمعارضة السورية في تصريح صحفي بتأكيد تدفق مرتزقة الأسد على أوكرانيا، وأيضا تحدثت صحف بريطانية عن إطلاق حملة تجنيد بين السوريين للقتال مع قوات روسيا مقابل مبالغ تصل إلى ألف وألفي دولار.

روسيا اعترفت ضمنا بوصول مرتزقة من سوريا ولبنان وليبيا والسودان وزعم المحلل السياسي الروسي أندريه أنتيكوف في حديث مع قناة الجزيرة في 20 مارس 2022 أن بلاده لا تدفع لهم أموالا لأنهم متطوعون.

تزامن هذا مع أنباء عن اهتزاز اتفاق وقف إطلاق النار في شرق سوريا ومحاولة معارضي الأسد للاستفادة من حرب أوكرانيا للضغط على روسيا لتغيير المعادلة هناك، بحسب المصدر السوري.

ومنذ مارس 2020 تخضع محافظة إدلب شمال غربي سوريا، لاتفاق لوقف إطلاق النار بعد اتفاق الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان على إقامة ممر أمني وتسيير دوريات مشتركة.

وتخضع مناطق واسعة شمال سوريا تطال محافظات إدلب وحلب والرقة والحسكة لسيطرة القوات التركية والمعارضة السورية المتحالفة بعد عمليات عسكرية شنتها تركيا منذ عام 2016، لحماية السوريين من مجازر قوات الأسد.

 

وكلاء حرب

تعتمد روسيا في هجومها على أوكرانيا على وكلاء حروبها في ليبيا وسوريا وصربيا وغيرها، فهم مرتزقة جندتهم من دول تربط قادتها علاقات وثيقة بالرئيس الروسي.

أبرز هؤلاء مرتزقة النظام السوري الذين نقلت صحيفة الغارديان البريطانية في 18 مارس 2022 عن مسؤولي استخبارات أوروبيين أن جيش الأسد “أطلق حملة تجنيد لهم للقتال مع القوات الروسية”. 

أكدت الغارديان أن هؤلاء المرتزقة السوريين مجندون حديثا برواتب 15 دولارا في الشهر، ووُعدوا برواتب تتراوح قيمتها بين 600 و3000 دولار، وقبلوا للخروج من حالة الفقر المدقع المشاركة في الحرب.

بينما يؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، ومقره بريطانيا، أن راتبا شهريا قدره 1000 يورو عرض على المرتزقة، إلى جانب تعويض 7000 يورو للجرحى و15000 يورو تُدفع لعائلات المقتولين. 

أول هؤلاء المرتزقة السوريين، قوة متقدمة قوامها 150 جنديا، وصلت إلى روسيا 18 مارس 2022. وتعتقد المخابرات العسكرية الأوكرانية أنهم طليعة ما يمكن أن يكون “أكبر قوة مرتزقة مدعومة من دولة”، بحسب الغارديان.

صحف سورية زعمت أنه جرى فتح مكاتب للتسجيل في 14 مركز تجنيد في حلب ودمشق ودير الزور وحمص وحماة، وكذلك الرقة، التي كانت قبل أقل من خمس سنوات في قلب الحرب ضد تنظيم الدولة.

وقال مسؤولان إقليميان كبيران لهما علاقات وثيقة مع النظام السوري، وثلاثة مصادر مقربة من قوات الأسد لوكالة رويترز البريطانية 20 مارس 2022 إن روسيا تسعى إلى الاستفادة من السوريين ذوي الخبرة القتالية في أوكرانيا. 

ويقول مسؤولون أوكرانيون إن مرتزقة سوريا سيطيرون من قاعدة حميميم في رحلات نقل عسكرية يومية، وسينضم إليها فلسطينيون وقوات جبهة الدفاع الوطني وحزب البعث وبعض أعضاء المليشيات الشيعية التي قاتلت في دمشق تحت رعاية إيران.

رئيس حركة العمل الوطني من أجل سوريا أحمد رمضان، الذي أكد مشاركة نظام الأسد رسميا في الغزو الروسي لأوكرانيا، أوضح أن اجتماعات عقدت بين ضباط روس ومن نظام الأسد يوم 11 مارس 2022 لهذا الغرض.

أكد أن بشار الأسد حضر بنفسه أحد هذه الاجتماعات ومعه سهيل الحسن، الذي يرأس الفرقة 25 المدعومة من روسيا.

وشاركهم اللواء يوسف عجيب الممثل الشخصي للأيد ويرأس جهاز الأمن، والعميد مفيد الغضة الضابط الرفيع في القصر الجمهوري.

وبين أن كلا من اللواء يوسف عجيب والعميد مفيد الغضة وسهيل الحسن توجهوا إلى موسكو في 19 مارس لهذا الغرض، وهدف الزيارة كان ترتيب نقل آلاف العناصر من النظام السوري إلى أوكرانيا.

وأكد أنه جرى الاتفاق على إرسال عناصر من الحرس الجمهوري والقوات الخاصة والفرقة الرابعة إلى أوكرانيا للانضمام للقوات الروسية.

 

مرتزقة حفتر

في الحالة الليبية، تدخلت موسكو لدعم الانقلابي خليفة حفتر خلال الحرب الأهلية منذ عام 2014، وقدمت شحنات كبيرة من الأسلحة إلى مليشياته، كما شاركت مرتزقة فاغنر المقربة من الكرملين في تدريبها وحمل السلاح إلى جانبها. 

ولا تزال روسيا تلعب دورا محوريا في تأجيج الاقتتال في ليبيا، بتدخلها في عملية التحضير للانتخابات الرئاسية المرتقبة.

لذلك لم يكن مستغربا تأكيد وزارة الدفاع الأوكرانية، في 20 مارس أن حفتر، تعهد خلال زيارته لموسكو بإرسال متطوعين ليبيين إلى أوكرانيا للقتال لصالح روسيا.

وتوقعت الوزارة أن تنظم شركة “فاغنر” الروسية عملية نقل المتطوعين الليبيين عبر طائرات لسلاح الجو الروسي، حيث يتواجد الآلاف من مقاتليها في ليبيا بدعوى أنهم مستشارون عسكريون في شرق البلاد منذ عام 2019.

وقد أكد رئيس لجنة الأمن القومي بالأعلى للدولة بلقاسم دبرز لقناة “فبراير” الليبية 20 مارس 2022 أن تصريحات وزارة الدفاع الأوكرانية حول تعهد حفتر بتجنيد متطوعين للقتال مع الروس “لا تخلو من الحقيقة”.

لكن، مقابل موقف حفتر، أعلنت كل القوى والحكومة الليبية إدانتها لغزو روسيا أوكرانيا.

رئيس الوزراء الجديد الذي عينه برلمان طبرق فتحي باشاغا، ندد عبر سلسلة تغريدات بالهجوم الروسي على أوكرانيا ووصفه بأنه “انتهاك واضح للقانون الدولي وسيادة أوكرانيا الديمقراطية”، وذلك رغم إعلان روسيا دعمها له.

وأدانت الحكومة الرسمية برئاسة عبد الحميد الدبيبة العدوان الروسي، وغردت وزيرة الخارجية نجلاء منجوش في 24 فبراير 2022 قائلة: “ليبيا تدين بشدة الهجوم العسكري الروسي الذي شن على أوكرانيا” ودعت إلى وقف التصعيد.

وتعترض المباحثات بين الأطراف الليبية والإقليمية والدولية لإيجاد حل لأزمة ليبيا عوائق أهمها وجود المقاتلين الأجانب، وفي حالة التخلص من العناصر الأجنبية سيكون أمر التوصل لاتفاق سياسي أكثر واقعية.

ويرى مراقبون ليبيون أن انخراط روسيا في أوكرانيا وصراعها مع الغرب، قد يدفع موسكو لدعم الحل السلمي في ليبيا.

دعم هذا تقرير لموقع “أفريكان انتليجانس” المتخصص في الشؤون الأمنية، والذي أكد في 9 فبراير 2022، أي قبل بدء الهجوم على أوكرانيا بنحو أسبوعين، أن روسيا “تعمل على بناء جسور جديدة مع ليبيا”.

أشار إلى أن روسيا تتجه إلى اتخاذ مجموعة من الخطوات لإعادة تعزيز العلاقات مع طرابلس، خاصة بعد أن وُجهت إليها انتقادات كبيرة بشأن دعمها للانقلابي حفتر، والدور الذي لعبته مرتزقة “فاغنر” التابعة لها.

 

تحولات قادمة

مراقبون توقعوا أن تتأثر خريطة الصراع في ليبيا وسوريا بما يجرى في أوكرانيا، وأن تؤثر الحرب وتوابعها ونتائجها هناك على ما يجرى في دمشق وطرابلس.

وترى نورين شودري فينك، كبيرة مستشاري السياسات في مجال مكافحة الإرهاب في بعثة بريطانيا لدى الأمم المتحدة أن الدول التي دعمتها موسكو بمرتزقة فاغنر والمستشارين الروس، هم أبرز من يدعمون روسيا في أوكرانيا.

أوضحت، في تحليل نشر على شبكة سي إن إن في 16 مارس 2022 أن منهم دولا عربية مثل سوريا وليبيا، وإفريقية، مثل إفريقيا الوسطى، وموزمبيق ومالي.

رئيس حركة العمل الوطني من أجل سوريا أحمد رمضان، يرى أن ورطة روسيا في أوكرانيا ستعود بالفائدة على السوريين وغيرهم، لأن ما يجرى في كييف والصراع الدولي الحالي له امتدادات على دمشق والشرق الأوسط.

وأكد في تصريح صحفي أن روسيا تعاني من “مرحلة انكشاف إستراتيجي” و”ستدفع ثمنها في سوريا ومناطق أخرى”، وأن على العرب “الاستعداد لتحولات كبرى في الإقليم والعالم وأن نكون فاعلين”.

وأوضح أن نظام بشار يجد نفسه في أزمة لها تداعيات خطيرة، بعد أن أوقعت روسيا وهي حاضنة له، نفسها في صراعات وعزلة سياسية واقتصادية.

وأكد أن “بوتين يسير بقدميه نحو كارثة مدمرة له ولبلده، والفرج ينتظر شعوبا عانت طويلا من جرائمه”.

وشدد على أن أمام بوتين خيارين: الهزيمة أو مواجهة كارثة تطيح به وتعيد روسيا عقودا إلى الوراء، مبينا أن “جيشه يتخبط، وما لحق به من خسائر يحتاج لعقود (من أجل إصلاحه)، وصراع القيادات يطفو للسطح”.

وأوضح أيضًا أن “ثمة ظرفا سياسيا عالميا يتيح للقضية السورية أن تستعيد اهتماما دوليا بها”، لكنه يؤكد أن ذلك يقتضي وضع مطالب محددة من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.

من ذلك، دعم طلب المعارضة، الحصول على مقعد سوريا في الأمم المتحدة، وتطبيق القرار 2254 وخاصة بند هيئة الحكم الانتقالية كاملة الصلاحيات، وتفعيل “قانون قيصر”، وإصدار عقوبات شاملة على نظام الأسد كالتي فُرضت على روسيا.

يطالب أيضا بوقف أي تطبيع مع الأسد وطرده من المنظمات الدولية، وتفعيل آلية المساءلة والمحاسبة على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وملاحقة مرتكبيها، وفتح ملف المعتقلين والإفراج عنهم.

وينبه رمضان إلى أن بشار الأسد يدرك التداعيات بسبب حرب أوكرانيا على حكمه.

يؤكد هذا أيضا جوليان بارنز ديسي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية، الذي يرى أن النزاع المسلح سيؤدي إلى “ترسيخ” الاختلاف في المواقف الدولية.

ومن ثم “تراجع فرص تحقيق أي تقدم يضمن الاستقرار السياسي في دول مثل سوريا وليبيا”.

أوضح لموقع “بي بي سي” البريطاني في 24 فبراير 2022 أن التوتر بين روسيا والغرب حول أوكرانيا، سيؤدي إلى زيادة “الاستقطاب في العلاقات الدولية، وتسميم أي إمكانية للتعاون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة”.

ملفات مثل سوريا وليبيا ستؤدي الحرب في أوكرانيا لتصاعد الخلاف حولها بحسب “بارنز ديسي”.

لذا قدم إلى المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا “غير بيدرسون” مقترحات جديدة لحل الأزمة مع المعارضة وما أسماه “تنازلات”.

 

ضغوط غربية 

وحول تأثير الحرب في أوكرانيا على ليبيا، يؤكد الصحفي المتخصص في الشأن الليبي علاء فاروق أنها ستجبر روسيا على تقليص اهتمامها، ما قد يعطي الليبيين فرصة لحل مشكلاتهم داخليا وربما التوافق على موعد الانتخابات منتصف العام 2022.

وأوضح أن خروج المرتزقة الروس سيؤدي إلى تخفيف الاحتقان نسبيا، وتقليص تهديدات حفتر بالانقلاب على العملية السياسية، ويجعله أضعف عسكريا، خاصة أن دول الجوار التي تحركه باتت أكثر انشغالا أيضا بتداعيات أوكرانيا.

وكان الممثلون عن الدول العربية والغربية، ومبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا ووزارة الخارجية الأميركية أصدروا بيانا مشتركا في 3 مارس 2022 عن آخر تطورات القضية السورية زادوا من الضغوط فيه على نظام الأسد.

إذ انتقدوا استمرار معاناة الشعب السوري، وأكدوا أنه “أمر غير مقبول ويجب أن ينتهي” وأشادوا بالذكرى الـ 11 للانتفاضة السورية السلمية في 15 مارس.

ودعوا إلى تحقيق نتائج ملموسة في الجولة السابعة للجنة الدستورية السورية التي بدأت في 21 مارس 2022، للاتفاق على دستور جديد للخروج من الصراع المستمر منذ 2011.

وأكدوا أن دولهم “ستواصل الضغط من أجل مساءلة النظام عن أخطر الجرائم التي ارتكبت في سوريا، ومنها استخدام الأسلحة الكيماوية، وكذلك الضغط لإطلاق سراح المعتقلين”.

وحضر الاجتماع ممثلون عن كل من جامعة الدول العربية، ومصر، والاتحاد الأوروبي، وفرنسا، وألمانيا، والعراق، والأردن، والنرويج، وقطر، والسعودية، وتركيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة إلى جانب المبعوث الأممي.

وضمن الضغط على الأسد، نشرت السفارة الأميركية في دمشق، تغريدة عبر حسابها الرسمي على تويتر قالت فيها، إن “مارس سيكون شهر المحاسبة، والإفلات من العقاب سينتهي في سوريا”.

واعتبرت السفارة في التغريدة مطلع مارس 2022، أن بشار الأسد، ارتكب خلال الـ 11 عاما الماضية جرائم ضد السوريين، بتعذيبهم، وأنها ستسلط الضوء على “كيفية متابعة السوريين والمجتمع الدولي المساءلة عن هذه الجرائم”.

وفي أكتوبر 2021 انتهت الجولة السادسة من المحادثات بشأن دستور جديد لسوريا بين 15 ممثلا عن كل من حكومة الأسد، والمعارضة والمجتمع المدني، من دون التوصل إلى أي اتفاق حول كيفية المضي قدما.

لكن المبعوث الأممي “بيدرسن” قال إن رئيسي وفدي الحكومة، أحمد الكزبري والمعارضة، هادي البحرة، توصلا في 20 مارس 2022 إلى آلية متطورة لإيجاد قواسم مشتركة خلال اليوم الأخير من المحادثات التي انتهت في 25 من ذات الشهر.

وأُنشئت اللجنة الدستورية السورية في سبتمبر 2019 بغرض التوصل لدستور سوري جديد، وركزت الجولة السابعة الأخيرة من المحادثات على أربعة مبادئ هي: أساسيات الحكم وهوية الدولة ورموزها وهيكلية السلطات العامة ووظائفها.