تجاوزت الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي يعيشها اليمن حدود التدهور المالي التقليدي، لتتحول إلى واقع قاهر يعيد تشكيل الحياة اليومية للمواطنين ويجبرهم على تغيير سلوكياتهم الاستهلاكية الأساسية؛ حيث باتت ملايين الأسر عاجزة عن تأمين احتياجاتها الغذائية اليومية إلا بكميات محدودة للغاية وبنظام التجزئة الدقيقة. هذا الانهيار غير المسبوق في القدرة الشرائية وقيمة العملة المحلية ليس وليد الصدفة أو نتاج شح الموارد الطبيعية، بل هو محصلة مباشرة لإستراتيجية تفتيت ممنهجة تقودها وتدعمها دولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن من خلال تمويل وتسليح ميليشيات وتشكيلات مسلحة موازية خارج إطار الدولة، مما أدى إلى تعطيل المنشآت الإيرادية، وتقسيم البلاد إلى كانتونات معزولة، وضرب ركائز الاقتصاد الوطني في مقتل.

وتشير التحليلات البنيوية للمشهد اليمني إلى أن سياسة تعميق الانقسام النقدي والمؤسسي التي غذتها أبوظبي عبر أذرعها المحلية ساهمت بشكل مباشر في فقدان السيطرة على السياسة المالية، مما انعكس على شكل موجات تضخم غير مسيطر عليها يدفع ثمنها المواطن البسيط؛ فالبلد الذي كان يعتمد على التكافل المجتمعي والأنشطة التجارية المستقرة، تحول في ظل مشاريع الهيمنة والتمزيق إلى بيئة طاردة للاستثمار ومستهلكة للمساعدات الإغاثية الشحيحة، حيث باتت المواد الأساسية كالدقيق والأرز تباع بأوزان ومقادير متناهية الصغر لتتناسب مع دخل الفرد المنعدم.

تمويل الفوضى وتسليح الميليشيات الانفصالية والموازية

يعد الدعم المالي والعسكري السخي الذي تقدمه دولة الإمارات للميليشيات والكيانات المسلحة في المحافظات الجنوبية والشرقية والسواحل الغربية لليمن، المحرك الأساسي لحالة عدم الاستقرار البنيوي التي تضرب البلاد؛ إذ ركزت أبوظبي على إنشاء وتدريب جيوش وتشكيلات مناطقية تدين لها بالولاء الكامل وتعمل بمعزل عن وزارة الدفاع والداخلية اليمنية، مما ساهم في تقويض سلطة الحكومة الشرعية ومنعها من بسط نفوذها وتفعيل مؤسساتها القانونية والاقتصادية.

هذا التدخل العسكري المباشر وغير المباشر لم يهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة أو تحقيق الاستقرار الإقليمي، بل تمحور حول صناعة واقع أمني ممزق تسيطر فيه القوة المسلحة على مقدرات المدن والموانئ. إن وجود هذه الكيانات الموازية خلق بيئة من الجبايات غير القانونية، والاتاوات المفروضة على حركة البضائع والناقلات بين المحافظات، مما أضاف كلفاً مالية باهظة على السلع الغذائية والاستهلاكية تترجم في نهاية المطاف على شكل ارتفاعات جنونية في الأسعار يتحملها المستهلك النهائي الذي يعاني أصلاً من انقطاع الرواتب وانعدام فرص العمل.

السيطرة الإستراتيجية على الموانئ وتعطيل المنشآت الحيوية

تتلاقى السياسات الإماراتية في اليمن عند هدف رئيسي يكمن في السيطرة على الجغرافيا البحرية والإستراتيجية للبلاد، ولا سيما الموانئ والمنافذ الحيوية والجزر مثل عدن، والمخا، وسقطرى، ومنشأة بلحاف لإنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال؛ حيث فرضت أبوظبي وأذرعها المحلية حصاراً غير معلن على هذه المنشآت الإيرادية الضخمة وعطلت تشغيلها لسنوات طويلة، مما حرم الخزينة العامة للدولة من مليارات الدولارات التي كان يمكن أن تسهم في دعم استقرار العملة الوطنية وتوفير غطاء نقدي يمنع الانهيار المستمر للريال اليمني.

إن منع اليمن من تصدير ثرواته السيادية من غاز ونفط، وتحويل بعض الموانئ والقواعد العسكرية إلى مناطق نفوذ مغلقة، يمثل طعنة مسددة للاقتصاد الوطني؛ فهذا التعطيل المتعمد جفف مصادر النقد الأجنبي وأضعف من قدرة البنك المركزي على التدخل لحماية القيمة الشرائية للمواطنين. ونتيجة لهذه السياسة، وجد التجار والشركات المستوردة أنفسهم مضطرين لتغطية اعتماداتهم المالية عبر السوق السوداء والمضاربة، مما أدى إلى قفزات تضخمية متلاحقة قضت على الطبقة الوسطى وحولت السلع الأساسية إلى كماليات تفوق قدرة الغالبية العظمى من السكان.

الانقسام النقدي الكارثي وصناعة التضخم

أسفرت مشاريع التمزيق السياسي والجغرافي التي رعتها الإمارات عن نشوء واقع اقتصادي ونقدي مشوه، تمثل في وجود بئتين ماليتين وسعرين مختلفين للعملة المحلية بين مناطق السيطرة المختلفة؛ هذا الانقسام النقدي الحاد شل الحركة التجارية البينية وعقد من عمليات تحويل الأموال والمستحقات بين المحافظات اليمنية، حيث وصلت عمولات التحويل الداخلي إلى مستويات قياسية تلتهم النصف أو أكثر من قيمة المبالغ المحولة، وهو ما انعكس بشكل مباشر وكارثي على أسعار المواد الغذائية والطبية.

وفي ظل هذا التشتت المؤسسي وغياب السياسة الاقتصادية الموحدة، بات المواطن اليمني ضحية لتجاذبات وصراعات مالية يديرها قادة الميليشيات المستفيدون من اقتصاد الحرب؛ إن الارتفاع المستمر في أسعار السلع وتدهور سعر الصرف في المحافظات التي تسيطر عليها التشكيلات المدعومة إماراتياً يعري السردية التي تحاول تصوير هذه المناطق بوصفها نموذجاً للاستقرار والازدهار، ويكشف أن الهدف الحقيقي هو إبقاء اليمن غارقاً في مستنقع الأزمات المعيشية المستدامة لسهولة تمرير المخططات الإقليمية الرامية لتقسيم البلاد وتجريدها من سيادتها.

نظام التجزئة القسري ومؤشرات المجاعة الصامتة

تظهر التحولات العميقة في سلوك البيع والشراء لدى المواطنين اليمنيين، ولا سيما لجوء التجار إلى بيع السلع الأساسية مثل الدقيق والأرز والزيوت بأحجام ومقادير صغيرة جداً (التجزئة اليومية)، حجم الكارثة الإنسانية والاجتماعية التي خلفتها الحرب وسياسات الإفقار؛ فالأسر اليمنية التي كانت تشتري مخزونها الغذائي بالشهر أو الفصل، أصبحت اليوم تكتفي بشراء ما يسد رمقها لعدة ساعات فقط، بناءً على ما يتوفر لها من دخل يومي شحيح وغير مستقر.

هذه الظاهرة، التي توصف اقتصادياً بأنها آلية دفاعية أخيرة للبقاء على قيد الحياة، تؤكد أن المجتمع اليمني بات يعيش مجاعة صامتة وواسعة النطاق؛ فالقدرة الشرائية لم تعد قادرة على مجاراة الغلاء المتصاعد نتيجة انهيار العملة وكلفة النقل الباهظة بين المدن المحاصرة بالميليشيات. هذا الإنهاك المعيشي اليومي يفرغ الإنسان اليمني من طاقته وقدرته على التفكير في المستقبل أو المطالبة بحقوقه السياسية والسيادية، وهو ما يخدم تماماً مصالح القوى الإقليمية التوسعية التي ترى في إضعاف وتجويع الشعوب وسيلة مثلى لإحكام السيطرة عليها وإدارتها بالحاجة والخوف.

غياب الرادع الدولي ومسؤولية الحفاظ على كيان الدولة

تستمر دولة الإمارات في تنفيذ هذه السياسات التدميرية وتعميق الانقسام البنيوي في اليمن مستفيدة من صمت دولي مطبق وتواطؤ من قبل المؤسسات والأمم المتحدة التي تكتفي برصد الأرقام الإنسانية المفزعة دون الإشارة الصريحة إلى الأسباب السياسية والعسكرية والجهات الإقليمية التي تقف وراء هندسة هذا الانهيار؛ فالبيانات الأممية تركز على معالجة النتائج وتوزيع المساعدات الإغاثية المحدودة، متجاهلة تماماً الضغط من أجل فتح المنشآت الحيوية وتمكين الدولة من تصدير ثرواتها ودمج المؤسسات النقدية وتفكيك الميليشيات الموازية.

وفي المحصلة، فإن تراجع القدرة الشرائية وسحق الاقتصاد المعيشي لليمنيين يمثلان الوجه الآخر لمشروع التمزيق والتفتيت الجغرافي والسياسي الذي تقوده الإمارات عبر أذرعها المسلحة؛ إن استعادة الاستقرار الاقتصادي والقدرة الشرائية للمواطن اليمني لا يمكن أن تتحقق عبر الحلول الترقيعية أو القروض والمساعدات المؤقتة، بل تتطلب بالضرورة إنهاء التواجد الأجنبي التوسعي، وتفكيك كافة التشكيلات العسكرية الموازية، وإعادة السيطرة الكاملة للحكومة الشرعية الموحدة على كافة الموانئ والمنشآت النفطية والغازية لضمان استقلال القرار الوطني وحماية دماء وقوت الشعب اليمني.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين