تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – فتحي عباس

قرار مفاجئ ويحمل دلالات عديدة اتخذه التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكي، بشأن تشكيل قوة أمنية حدودية في سوريا خلال الفترة المقبلة.

قرار التحالف بالتأكيد يعمّق من الأزمة التي تشهدها بسوريا، في إطار صراع النفوذ والقوة هناك، بين القوى الإقليمية والدولية خلال السنوات الماضية.

القرار الجديد يحاول بشدة تثبيت الخريطة الفصائلية للوضع القائم في سوريا خلال الفترة المقبلة، إلى حد توصيف البعض القرار بأنه “تكريس التقسيم”.

وتشهد سوريا خلافات شديدة بين القوى الكبرى والإقليمية حول مصير الرئيس الحالي بشار الأسد، خاصة مع تعثر المفاوضات الخاصة بالحل السياسي للأزمة التي اندلعت منذ 2011.

 

تمهيد هام

قبل التطرق إلى قرار التحالف الدولي لمواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية”، يجب الإشارة أولا إلى الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع الأوضاع الميدانية.

الاستراتيجية الأمريكية في التدخل العسكري ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” اعتمدت في الأساس على القصف الجوي لأهداف التنظيم واغتيال قياداته البارزة، بشكل يمكن أن يحدث خلل كبير داخلي.

ولكن هذه الاستراتيجية عسكريا لا يمكن أن تكون حاسمة في مواجهة “الدولة الإسلامية”، ولذلك كان لا بد من قوات على الأرض للقضاء على التنظيم تماما؟.

ولجأت أمريكا إلى الاعتماد على مجموعات كردية في العراق وسوريا لتكون بمثابة ذراعها لمواجهة عناصر التنظيم، ودعمها عسكريا.

الأساس لدى التحالف الدولي وليس أمريكا وحدها، هو عدم الدفع بقوات من التحالف على الأرض إلا في أضيق الحدود لتقديم الدعم العملياتي لناحية التدريب أو رسم الخطط العسكرية، خوفا من تكرار تجارب مريرة خاضتها أمريكا في أفغانستان والعراق إبان الغزو في 2003.

راهنت أمريكا على الأكراد سواء في العراق أو سوريا، ووافقت على بيع عتاد عسكري لقوات البيشمركة الكردية في العراق بقيمة 295.6 مليون دولار.

 

وقالت وزارة الدفاع الأمريكية، إن وزارة الخارجية وافقت على بيع عتاد عسكري للعراق لصالح وحدات المدفعية والمشاة التابعة للبيشمركة الكردية.

أما في سوريا، فأقدمت أمريكا تشكيل قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، المكون الأساسي فيها الأكراد، ودعمت العمليات الميدانية بقصف جوي لعناصر “الدولة الإسلاميةفي الرقة، حتى طرد تلك العناصر إلى منطقة دير الزور.

قرار أمريكي

يجب التأكيد على أن قرار التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب، صادر عن الولايات المتحدة الأمريكية في الأساس، ليس فقط لأنها تتزعم هذا التحالف الذي تأسس بالأساس لمواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في العراق وسوريا، ولكن أيضا لدعم حلفائها من الأكراد.

وأخيرا، كشف التحالف الدولي أنه يعمل بالتعاون مع الفصائل المسلحة المنضوية تحت لوائه في سوريا على تشكيل قوة أمنية جديدة لنشرها على الحدود السورية مع تركيا والعراق وشرقي الفرات.

وأوضح التحالف، أن هذه القوة ستضم 30 ألف مقاتل وستخضع لقيادة “قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل “وحدات حماية الشعب” الكردية هيكلها العسكري وحاربت تنظيم “داعش” بدعم كبير من البنتاجون.

 

وقال البيان: “في الوقت الحالي هناك حوالي 230 شخصا يجري تدريبهم في المرحلة الأولى، لكن الهدف النهائي يكمن في تشكيل قوة تضمن نحو 30 ألف شخص”.

القرار الأمريكي المفاجئ، يفتح باب التساؤل حول الهدف من تشكيل هذه القوة التي ستنتشر على الحدود مع العراق وتركيا وشرق الفرات.

الغريب في القرار أنه بالفعل بدأت خطوات فعلية في هذا الإطار، بتدريب بعض الأشخاص كنواة أساسية، أي أن الأمر كان مخططا له منذ فترة وليس وليد اللحظة.

ولم يوضح البيان المكون الرئيسي من هذه القوة الأمنية، بخلاف أنها ستكون تحت قيادة “قسد”، المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية في الأساس.

السؤال الأهم طالما أن “قسد” بتشكيلها الحالي مستمر، لماذا تلجأ أمريكا إلى تشكيل هذه القوة الأمنية؟، ولماذا الآن في هذا التوقيت؟.

الأكثر غرابة هو عدم معرفة تركيا بتشكيل هذه القوة الأمنية، طالما أنها عضو بالتحالف الدولي لمواجهة الإرهاب، بما يعني أن القرار كان شبه منفرد من واشنطن.

غضب تركي

القرار الأمريكي كان له تأثيرات شديدة داخل تركيا، لناحية أن القوة الأمنية الجديدة ستنتشر على الحدود معها، وهو ما يمثل تهديدا صريحا على أمنها القومي، خاصة وأن المسؤول عنها سيكون الأكراد.

وتعتبر تركيا الأكراد في العراق وسوريا تهديدا لأمنها القومي، وتصنفها كجماعات إرهابية لعلاقاتها مع حزب العمال الكردستاني.

وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، إن بلاده أنقرة تحتفظ بحق التدخل ضد المنظمات الإرهابية في الوقت والمكان والشكل الذي تحدده، مشدداً على أن تركيا ستواصل اتخاذ تدابيرها الأمنية لحماية مصالحها القومية.

وأضاف قالن، في بيان له، أنه في الوقت الذي يتوجب على الولايات المتحدة وقف دعمها لتنظيم “ب ي د/ي ب ك”، الذراع السوري لمنظمة “بي كي كي” الإرهابية، بذريعة مكافحة تنظيم “داعش”؛ إلا أن واشنطن اتخذت خطوات مقلقة عبر سعيها لإضفاء الشرعية على هذه المنظمة الإرهابية، وتثبيت أركانها في المنطقة بشكل دائم.

الغضب التركي جاء من منطلق أنها تستعد لمعركة ضد الأكراد في منطقة عفرين وبالتالي فإن القرار الأمريكي يعتبر اصطفافا مع من تعتبره أنقرة “إرهابيين”، إذ استهدفت المدفعية التركية، السبت الماضي، مواقع لـوحدات حماية الشعبالكردية في في ريف حلب شمالي سوريا.

 

وأفادت وكالة “الأناضول” بأن بطاريات المدفعية التركية المتمركزة في منطقتي ريحانلي وقرقخان في ولاية هطاي جنوبي تركيا، وفي منطقة وقف التصعيد في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، قد نفذت 36 رشقة على الأقل، استهدفت فيها مواقع “وحدات حماية الشعب” في باصوفان وجنديريس، وراجو، ودير بلوط.

وبدأت تركيا التجهيز لمعركة عفرين لضرب الأكراد منذ نوفمبر الماضي، وقال حينها وزير الدفاع التركي نور الدين جانيكلي، إن عملية عسكرية تركية ستبدأ قريبا، ذلك عقب تصريحات له بوجود خطر حقيقي في منطقة عفرين السورية ولا بد من إزالته.

مثار الغضب التركي يمكن فهمه من تصدر أمريكا المشهد ودعم الأكراد، وتعقيد الأزمة بإمكانية إمداد أمريكا لهم بأسلحة حديثة وتقديم دعم عسكري لهم، كما أن الخطوة ستكون أكثر ترسيخا للتعاون بين الجانبين.

كما أن الإعلان الأمريكي جاء مباشرة بعد توعد رجب طيب أردوغان بشن حرب بلا هوادة على الأكراد في عفرين خلال الفترة المقبلة، إذا لم يستسلموا.

وقال: “سندمر الجناح الغربي للحزام الإرهابي من خلال عملية إدلب، وعلى الجميع أن يعلموا أنه في حال لم يستسلم الإرهابيون بعفرين فسوف ندمرهم”.

ووجه حديثه لأمريكا، قائلا: “عندما تلبسون إرهابيا زيا عسكريا، وترفعون علم بلادكم على مبنى يتحصن فيه، فهذا لا يغطي الحقيقة، الأسلحة الأمريكية أرسلت إلى المنطقة بواسطة آلاف الشاحنات والطائرات، يباع جزء منها في السوق السوداء، والجزء الآخر يستخدم ضدنا”.

 

لماذا الآن؟

ولكن طالما أن تركيا تستعد لضرب الأكراد في عفرين، لماذا خرجت أمريكا بهذا القرار الآن؟.

أولا: ترغب الولايات المتحدة في وضع موطئ قدم لها بشكل كبير في سوريا، والحيلولة دون تقزيم هذا الوضع من خلال ضرب حلفائها الأكراد في سوريا، من خلال توجيه ضربة عسكرية تركية.

واختارت أمريكا دعم الأكراد لتحقيق مصالحها، دون الاعتبار إلى العلاقات مع تركيا، وظهر هنا أن الأولوية هي التواجد على الساحة السورية بشكل فاعل.

وأمام الرفض الروسي لمشاركة أمريكا في مناطق خفض التوتر بسوريا، التي تشرف عليها تركيا وروسيا وإيران، فإنه لم يعد أمام واشنطن سوى حماية مكتسباتها هناك.

ثانيا: تفكيك التواجد الروسي، وهنا لا يمكن إغفال الرغبة الأمريكي في مواجهة النفوذ الروسي المتزايد في سوريا على مدار السنوات القليلة الماضي، فإن مسألة دعم الأكراد تمثل أهمية قصوى لدى أمريكا، باعتبارها الجهة التي يمكن دعمها لتكون بمثابة ذراع لها، لعدم وجود روابط أو طمأنة للتنسيق مع الفصائل المسلحة الأخرى لأن أغلبها محسوب على التيار الإسلامي.

وقال رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما الروسي، فلاديمير شامانوف، إن تشكيل واشنطن قوة أمنية حدودية في سوريا، يتعارض بشكل مباشر مع المصالح الروسية في سوريا.

وأضاف شامانوف: “سنتخذ بالتعاون مع شركائنا الإجراءات ذات الشأن لإرساء الاستقرار في سوريا”.

ثالثا: ضغط على تركيا، أمريكا بهذه الخطوة، تحاول الضغط على أنقرة لعدم المضي قدما في حربها على الأكراد في تلك المنطقة، إذ تحاول واشنطن وضع إطار شبه رسمي أو شرعي للقوات الكردية، بدعم منها بشكل مباشر، بما يعقد من الأزمة ويجعل من الهجوم التركي على الأكراد خصومه مع أمريكا، وبالتالي قد تتريث أنقرة في استمرار الهجمات.

استعدادات تركيا للتدخل ضد الأكراد كان من مدخل فرض أنقرة لخفض التوتر في الشمال السوري بناء على اتفاق مؤتمر أستانة، إذ اتفقت القوات التركية مع هيئة تحرير الشام –أحد أكبر الفصائل السورية-، على دخول إدلب بدعوى مواجهة الأكراد، والتمركز في مناطق على الحدود مع الأكراد هناك.