تغيير حجم الخط ع ع ع

 

تسببت سيطرة حركة “طالبان” على مقاليد الحكم في أفغانستان بشكل سريع، وانهيار القوات الأفغانية، في صدمة لدوائر الحكم في أوروبا وأمريكا. ويبدو أن هذه الصدمة سيكون لها ما بعدها على السياسات الأوروبية والأمريكية تجاه الخارج، كما أن أثرها بدأ في الظهور على العلاقات البينية بين دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.

هذه الصدمة بدت أولًا في التصريحات الأمريكية التي تلت سيطرة طالبان على الحكم مباشرة. فقبل أن تسيطر الحركة على العاصمة الأفغانية كابل، أتت التصريحات الأمريكية بنبرة الواثق من قدراته وقدرات حلفائه. 

حيث أجاب الرئيس الأمريكي، جو بايدن، قبل أسابيع من سيطرة طالبان على الحكم، عن سؤال كان نصه: “هل بات استيلاء حركة طالبان على أفغانستان أمرًا حتميًا؟”، قائلًا: “لا، ليس كذلك، لأن القوات الأفغانية تقدر بـ300 ألف جندي مجهزين جيدًا، ومجهزين بقدر تجهيز أي جيش في العالم وقوات جوية.. وجود نحو 75 ألفًا من عناصر طالبان لا يجعل الأمر حتمي..”.

وفي سؤال آخر كان نصه: “توقعت الاستخبارات الأمريكية أن الحكومة الأفغانية ستنهار”، رد بايدن قائلًا: “هذا ليس صحيحًا، لم يتوصلوا (الاستخبارات) إلى هذه النتيجة.. توحدت قيادات الحكومة الأفغانية من الواضح أن لهم القدرة على إبقاء الحكومة تحت السيطرة..”. 

 

أفغانستان مقبرة الغزاة

وفي سؤال قارن أفغانستان بفيتنام، رد بايدن قائلًا: “لا على الإطلاق، لا يوجد أي تشابه ما حدث هو اقتحام كتائب كاملة لأبواب سفارتنا، 6 كتائب إن لم أكن مخطئًا، طالبان لا تشبه الجيش الفيتنامي الشمالي لا يوجد وجه شبه بينهما إطلاقًا فيما يتعلق بالقدرات، لن يحدث أي ظرف إجلاء مواطنين من سطح السفارة الأمريكية في أفغانستان..”.

وبدت علامات الصدمة على بايدن نفسه، بعد دخول طالبان القصر الرئاسي، وفرار الرئيس الأفغاني، أشرف غني. حيث صرح بايدن إن “الوضع في أفغانستان انهار بأسرع مما كنا نتوقعه، لكننا لا يمكن أن نقاتل في حرب مع قوات أفغانية ليست مستعدة للمشاركة فيها”. وأضاف “ما نراه الآن يثبت أن ما من قوة عسكرية يمكنها تغيير مجرى الأحداث في أفغانستان المعروفة بأنها مقبرة الغزاة، لكن الصين وروسيا تريدان من الولايات المتحدة أن تستمر في إنفاق مواردها في قتال لا يتوقف”. 

وألقى بايدن باللائمة على الأفغانيين أنفسهم، حيث قال إن بلاده أنفقت أكثر من تريليون دولار في أفغانستان، وجهزت الجيش الأفغاني، ووفرت له كل ما يحتاجه، لكن جنوده هربوا أمام مقاتلي طالبان، مشددًا على أن الحكومة الأفغانية رفضت نصيحته بضرورة المصالحة مع طالبان، وأن الرئيس غني أصر على أن القوات الأفغانية ستحارب، وأنه كان مخطئًا بشكل واضح.

 

التعهد بـ”استخلاص العبر” من الحرب

علاوة على ذلك، تعهد كل من وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، ورئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال مارك ميلي، في تصريحات للصحفيين، باستخلاص العبر من حرب أفغانستان. وقال ميلي – في أول تصريح علني له بعد عمليات الإجلاء الفوضوية لـ124 ألف مدني من مطار كابول- إنه يشعر مثل كثيرين في الجيش الأميركي بمشاعر مختلطة وأيضًا “بألم وغضب” بعد أن أتمت الولايات المتحدة انسحابًا من أفغانستان شمل عمليات إجلاء كلّفت 13 جنديًا حياتهم. 

وتابع رئيس الأركان، قائلًا: “الألم والغضب اللذان أشعر بهما يأتيان من الأحزان ذاتها التي تشعر بها الأسر المكلومة والجنود الذين كانوا على الأرض”. وأضاف: “ليس لديّ ولا لدى وزير الدفاع أو الرئيس أو أي شخص آخر كلمات يمكنها أن تعيد من فقدناهم”.

ومن الواضح أن صدمة الهزيمة ليست أمريكية فقط، بل هي أوروبية كذلك. حيث قال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، في حديث له لقناة “فرنسا2″، إن اضطرار الولايات المتحدة لمغادرة أفغانستان بسرعة “كان ضربة كبيرة للغرب ولها، وسبب ذلك ناجم عن عدم إدراك الوضع هناك جيدًا”. وأضاف الوزير الفرنسي أن سيطرة حركة طالبان على البلاد خلال 15 يومًا بمثابة “مفاجأة”.

 

شقاق قريب بين أمريكا وأوروبا!

لكن ربما الأخطر حاليًا هو بوادر الخلاف العميق بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية داخل دائرة حلف شمال الأطلسي (الناتو) حول آلية اتخاذ القرارات. وقد ظهر ذلك في تصريحات لأكثر من مسؤول أوروبي، حيث قالت ألمانيا -الدولة الأقوى داخل الاتحاد الأوروبي- على لسان وزير خارجيتها، هايكو ماس، إن أوروبا بحاجة إلى التفكير في تعزيز حضورها داخل حلف الناتو.

وأوضح ماس أن القرارات الصادرة داخل حلف الناتو تتخذ من وقت لآخر في العاصمة الأمريكية واشنطن، وأن الاتحاد الأوروبي ليس له رأي تقريبًا في القرارات الصادرة داخل الناتو من واشنطن، مؤكدًا ضرورة إجراء المزيد من المشاورات السياسية قبل الإقدام على إرسال جنود الحلف إلى أي مكان.

وأضاف: “في الحقيقة أن الأمريكيين يفرضون قراراتهم في الكثير من الملفات، ونحن نتبعهم في ذلك، لأننا لسنا في وضع يسمح لنا بتنفيذ مهام دولية صعبة بدون الولايات المتحدة”، مشددًا على أن إمكانية إجراء مهام مماثلة (مهمة الناتو في أفغانستان) تحت قيادة حلف الناتو في المستقبل، يجب أن يناقش داخل الاتحاد الأوروبي.

كذلك، وصف مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، انسحاب قوات الحلف من الأراضي الأفغانية بـ”الفوضوي”، وأن الانسحاب بهذه الطريقة من أفغانستان مثّل “ضربة شديدة للغرب”، مشددًا على ضرورة تشكيل قوة دفاع أوروبية مشتركة للرد السريع. وأضاف المسؤول الأوروبي أن “هناك أحيانًا أحداث تُحفز التاريخ وتُحدث انطلاقة، وأعتقد أن أفغانستان واحدة من هذه الحالات”. وأردف: “نطمح إلى تقديم الخطة للاتحاد خلال الأشهر المقبلة وأحداث أفغانستان عجلت بالأمر، الحاجة لدفاع أوروبي أكثر قوة باتت جلية أكثر من ذي قبل”.

لذلك، فمن المتوقع أن تتم مراجعات ومناقشات داخلية عميقة داخل حلف الناتو، خلال الفترة المقبلة. ومن المؤكد أن أوروبا ستحاول اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه الولايات المتحدة، في هذا الملف.