تغيير حجم الخط ع ع ع

 

تحكم في الفضاء الالكتروني

يعد الأمن السيبراني مجالًا رئيسيًا للتنافس على السياسة الرقمية، لا سيما في المواقف المضطربة وغير المؤكدة. 

ومن أهم البلاد التي يتجلى فيها هذا الأمر هي مصر، حيث شهدت الفترة منذ ثورة يناير 2011 العديد من التغييرات في الحكومة وما تلاها من تعزيز لتعزيز دور الجيش بعد الانقلاب العسكري عام 2013، وفرض قيود صارمة على حرية التعبير، وعنف واسع النطاق من قبل الدولة وأجهزتها ضد الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والجماعات الإسلامية، وما قابل ذلك من توجه مجموعات صغيرة إلى مقابلة عنف الدولة بعنف آخر.

ملخص هذا التقرير هو أن الأمن السيبراني يوفر وسيلة للحكومة المصرية “للتلاعب بعدم اليقين” لصالحها. حيث تستخدم الحكومة سياسات وممارسات وتقنيات الأمن السيبراني لجعل المعارضين أكثر قابلية للتنبؤ مع الاحتفاظ بحرية التصرف أو زيادتها.

 

الأمن السيبراني وعدم اليقين السياسي..

لفهم دور الأمن السيبراني في السياسة المصرية، يجب أولاً أن نفكر بعمق أكبر قليلاً في مسألة “عدم اليقين” في السياسة بشكل عام. 

في الأنظمة الاستبدادية الهجينة مثل مصر، التي تجمع بين ديمقراطية شكلية تتخذها واجهة، وبين سلطة راسخة مستبدة للجيش، من المرجح أن يظل شاغل المنصب في المنصب، حتى لو أن هناك لحظات انتخابية حاسمة (استفتاء، احتجاجات، تغيير دستوري، انتخابات برلمانية، وما إلى ذلك).

ومن الواضح أن هذا هو الحال بالنسبة لـ عبد الفتاح السيسي، الذي تولى السلطة في يونيو 2013، وفي عام 2019 مدد القيود الدستورية على فترات الرئاسة للسماح له بالبقاء في منصبه حتى عام 2030.

لكن هناك دائمًا بعض عدم اليقين، ولذلك يسعى شاغلو المناصب المستبدون إلى المبالغة في إحكام قبضتهم المستمرة على السلطة. 

في مصر، تجلت هذه السياسات من خلال استبعاد جميع المعارضة الجادة، بما في ذلك زملاء السيسي العسكريين السابقين، من انتخابات 2018. كما تؤكد التقارير عن المشاركة المنخفضة للغاية للناخبين. من الممكن القول إن السيسي -في هذه الانتخابات- كان قلقًا بشأن الدعم الشعبي على الرغم من قبضته الشديدة على السياسة المصرية.

عدم اليقين هو أيضًا شيء يمكن السيطرة عليه أو التحكم فيه أو التلاعب من خلاله واستغلاله بشكل أو آخر. 

لقد بحثت بالفعل عدد من الأبحاث والدراسات التكتلات السياسية عبر الإنترنت في مصر بعد عام 2011، وتحديدًا في كيفية قيام النخب وجماعات المعارضة المنظمة على حد سواء بقيادة أو تقليل الخوف وعدم اليقين. 

تسلط هذه السطور الضوء على حالة عدم اليقين السياسي في مصر في الفترات التي تلت ثورة يناير 2011، ما قبل السيسي وبعده. 

لا شك أن مخاوف الأمن السيبراني -في هذا العصر- لا جدال فيها، ولكن من الصعب تحديد المخاطر التي تتغير بسرعة مع التطورات التكنولوجية. 

كذلك من الممكن القول إن سياسات وتقنيات الأمن السيبراني هي مرشح مثالي للاستراتيجيات السياسية التي تهدف إلى التلاعب بعدم اليقين.

 

استراتيجيات السيسي للأمن السيبراني..

خلال ما يمكن أن نسميه “الوضع الثوري” في مصر بعد تنحي حسني مبارك في 11 فبراير 2011، اقتصرت سياسة الدولة المصرية للأمن السيبراني على الاستراتيجية الوطنية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، التي نُشرت لأول مرة في عام 2012 ولكن أعيد إطلاقها لاحقًا في عهد السيسي. 

تم إصدار الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني بعد سنوات، وتحديدًا في ديسمبر 2018. هذه الاستراتيجية الجديدة كرست وكررت العديد من أوجه الغموض في استراتيجية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات السابقة، وسلطت الضوء على التهديدات الغامضة للإرهاب السيبراني والحرب الالكترونية.

وبالرغم من هذا التأخير الظاهري، إلا أن مؤسسات وتشريعات الأمن السيبراني كانت جارية بالفعل على قدم وساق قبل 2018. 

ففي عام 2014، أنشأت الحكومة المصرية المجلس الأعلى للأمن السيبراني، بما في ذلك لجنة مكلفة بمراقبة الفضاء الإلكتروني بحثًا عن أي رأي عام “منحرف” ومحتوى “إرهابي”. 

وسرعان ما حذت القوانين ذات الصلة حذوها. فبعد فترة وجيزة من إعادة انتخاب السيسي، وافق البرلمان المصري على قانون الجرائم الالكترونية الذي تمت إعادة صياغته مرارًا وتكرارًا على مدى السنوات السابقة في أغسطس 2018. 

يحدد هذا القانون بشكل غامض الجرائم الإلكترونية على أنها تشمل الأنشطة التي قد تضر “بأمن المجتمع وتماسكه”. جادلت المنظمات غير الحكومية المصرية -حينها- بأن عدم دقة المصطلحات الرئيسية في عملية الصياغة نتج عن الاستبعاد المتعمد للخبراء القانونيين والفنيين المعنيين، كما أن عدم الدقة يفتح الباب واسعًا أمام الأجهزة الأمنية لسوء استغلال المصطلح. ولم تنشر اللائحة التنفيذية المطبقة لهذا القانون إلا في آب / أغسطس 2020 ولاقت انتقادات مماثلة.

وبالفعل، تم استخدام هذا القانون جنبًا إلى جنب مع الأدوات القانونية القديمة التي تحكم الاحتجاجات وتنظيم وسائل الإعلام والأخبار الكاذبة وحالة الطوارئ الدائمة لقمع النشاط السياسي. وعلى وجه الخصوص، يتضمن قانون تنظيم وسائل الإعلام لعام 2018، أو قانون “فيسبوك”، أحكامًا لحظر أي حساب شعبي على وسائل التواصل الاجتماعي (أكثر من خمسة آلاف متابع) بزعم نشر “أخبار مزيفة”. 

يبدو أن إدخال قوانين الإعلام والإرهاب والجرائم الإلكترونية المترامية الأطراف التي تهدف إلى تجريم أنشطة مماثلة مصممة لزيادة عدم اليقين لدى النشطاء وشخصيات المعارضة حول ما هو مقبول وغير مقبول على الإنترنت، وكذلك تقليل عدم اليقين بالنسبة للحكومة، وهو ما يضمن للحكومة التقاط أي نشاط غير مرغوب فيه بالنسبة لها عبر الإنترنت.

 

مراقبة الانترنت والتلاعب بالنشاط الافتراضي..

خلال ثورة 2011، قام مبارك بعدة محاولات لمنع اتصال المتظاهرين بالانترنت، وكان أشهرها حجب فيسبوك وتويتر أثناء الاحتجاجات الأولى، تلاه إغلاق الانترنت لمدة خمسة أيام.

قامت حكومة السيسي بصقل هذه القدرة إلى حد كبير في السنوات الثماني الماضية. حيث زادت الرقابة على الإنترنت، لا سيما اعتبارًا من عام 2016 فصاعدًا، مما أدى إلى حظر العديد من المنافذ الإخبارية المستقلة، مثل مدى مصر، ومواقع المنظمات غير الحكومية، مثل هيومن رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود. 

في سبتمبر 2019، أظهرت القياسات الفنية أن الحكومة أبطأت وعطلت فيسبوك مؤقتًا، وعرقلت من السماح للأشخاص بمشاركة المواقع والصور أثناء الاحتجاجات، بينما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى غير متوفرة أو متقطعة. ومع ذلك، كانت الرقابة غير منتظمة ولم يتم فرضها بشكل منهجي، مما أثار تساؤلات حول قدرة الحكومة والقدرة التكنولوجية.

يعد الأمن السيبراني أحد المبررات المتكررة والمتداخلة للرقابة، بالإضافة إلى تعزيز مكافحة الإرهاب وتنظيم وسائل الإعلام، ويقال إن المجلس الأعلى للأمن السيبراني يلعب دورًا رئيسيًا في تسهيل الرقابة على الإنترنت.

تقلل الرقابة على الإنترنت من حالة عدم اليقين لدى الحكومة من خلال الحد من فرصة الأفراد لانتقاد الحكومة والانخراط في عمل جماعي عبر الإنترنت، ولكنها تزيد أيضًا من حالة عدم اليقين لدى النشطاء الذين لا يعرفون متى أو لماذا سيتم حظرهم.

بحلول عام 2009، كانت مصر تمتلك بالفعل التكنولوجيا التي سمحت بالوصول إلى شبكات الهاتف على نطاق واسع. عندما اقتحم المتظاهرون مقر أحد أجهزة الأمن المصرية في مارس 2011، اشتهروا باسترجاع العطاءات الخاصة بتقنيات المراقبة المستهدفة والكشف عنها.

وبعد استيلاء السيسي على السلطة في عام 2013، اشترى النظام الجديد المزيد من تقنيات المراقبة، بما في ذلك شركة Nexa Technologies الفرنسية / الإماراتية ، وهي شركة محلية تابعة لشركة Blue Coat الأمريكية، وشركة Hacking Team الإيطالية.

بالإضافة إلى ذلك، تبنت الشركات التي تبيع قدرات المراقبة المستهدفة أوصافًا مثل “الأمن السيبراني الهجومي” للمساعدة في تسويق منتجاتها.

 

الخلاصة..

يفترض معظم المراقبين والممارسين أن الأمن السيبراني يسعى إلى تقليل أو إدارة عدم اليقين والمخاطر. ومع ذلك، فإن تطور سياسات وممارسات وتقنيات “الأمن السيبراني” في مصر يُظهر أنه يمكن أيضًا استخدام الأمن السيبراني للتلاعب بعدم اليقين، ودمج المراقبة والرقابة والغموض القانوني لزيادة عدم اليقين واستغلاله لتحقيق مكاسب سياسية.

 

اقرأ أيضًا: التظاهرات المصرية الداعمة للقضية الفلسطينية.. أين ذهبت؟