أسابيع قليلة تفصلنا على أهم حدث في ذكرى الثورة التونسية التي انطلقت قبل حوالي 11 عاماً، يوم 14 يناير/كانون الثاني ذكرى فرار الحاكم الاستبدادي زين العابدين بن علي إلى المملكة العربية السعودية وإعلان الثوار اكتمال الثورة ورحيلها بسقوط هذا النظام البائد.

اعتباراً من الجمعة، بموجب مرسوم من الرئيس قيس سعيد، سيتم إحياء الحدث في 17 ديسمبر/كانون الأول، وهو اليوم الذي أضرم فيه تاجر الشارع محمد البوعزيزي النار في نفسه احتجاجاً على فساد الدولة والاقتصاد المتعثر، يوم أصبحت فيه التضحية بالنفس حافزًا لانتفاضة تونس والربيع العربي بأسره.

جلبت السنوات الإحدى عشرة اللاحقة بركات متباينة لتونس، في حين أن المكاسب كانت كبيرة، فإن العبء اليومي لارتفاع الأسعار، وتدهور مستويات المعيشة، ودمار الوباء، والشجار بين السياسيين المنفصلين عن الصالح العام، تركت ندوباً دائمة في حياة المواطنين البسطاء.

الاحتفال بالثورة التونسية وفرحة الشعب بها كان منطقياً كونهم النجاح الوحيد للربيع العربي، استمر ذلك لقرابة عقد من الزمان قبل تدخل سعيد الدراماتيكي في الحياة السياسية للبلاد في 25 يوليو/تموز من هذا العام، مما رسخ حكم الرجل الواحد والقضاء على الأفكار الديموقراطية والتعددية في الحكم.

يوم الإثنين، بعد ما يقرب من خمسة أشهر من التكهنات التي أعقبت تصرفات سعيد، بما في ذلك تعيين حكومة رمزية في أكتوبر/تشرين الأول، أعلن الرئيس التونسي أخيراً عن خطته للإصلاح الدستوري، والتزم بإجراء استفتاء في يوليو/تموز للتصويت على دستور جديد، قبل إجراء انتخابات أخرى في هذا اليوم من العام المقبل.

في حين أن الكثير من طاقة الرئيس لا تزال مستثمرة في الإصلاح السياسي، لا يبدو أن أي حلول للمشاكل المالية المزمنة التي تقضم نخاع الحياة اليومية تلوح في الأفق.

في حي الزهروني – على أطراف العاصمة- الذي يقصده العمال، كان ياسين البالغ من العمر 29 عامًا يبحث عن الزجاجات البلاستيكية الفارغة التي يمكنه بيعها لإعادة التدوير… إنه مشهد مألوف في معظم المدن الكبرى في تونس، وتقدر منظمة “انترناشونال أليرت” أن 8000 تونسي يكسبون لقمة العيش بهذه الطريقة.

قال ياسين إنه يحصل على ما بين دينارين وثلاثة دنانير لكل كيس، وأضاف “يمكنني بيع ما يصل إلى خمسة أكياس في اليوم، لقد كنت أفعل هذا منذ وقت طويل، عملت في مجال البناء لبعض الوقت، لكن جمع القمامة وبيعها لأماكن التدوير هي أكثر ما أقوم به “.

عند سؤاله عما يريد، قال ياسين: “وظيفة”.

بدأ التراجع الاقتصادي في تونس قبل وقت طويل من اندلاع الثورة، ومع ذلك، على مر السنين منذ ذلك الحين، ابتعد السياسيون باستمرار عن مواجهة الأسباب الجذرية لهذا التراجع، وفضلوا بدلاً من ذلك التركيز على المشاريع السياسية حيث يكون “الأبطال والأشرار” أكثر وضوحاً… إنه اتجاه لا يظهر أي علامة على النهاية.

المشاكل عميقة، في الوقت الذي تتفاوض فيه الدولة بشأن قرض جديد من صندوق النقد الدولي، تساءلت نقابة العمال العامة علناً عما إذا كان بإمكان الدولة دفع فاتورة رواتب القطاع العام الضخمة.

البطالة، أحد الأسباب الرئيسية للثورة، وفي مناطق مثل الزهروني، وهي مصدر اضطرابات اجتماعية، لا تزال هذه المشكلة قائمة دون أي تقدم.

 في عام 2010، بلغت نسبة البطالة 13٪، اليوم، تبلغ 18٪، خلال العامين الماضيين، أضر فيروس كورونا بالاقتصاد، وقضى على قطاع السياحة وأدى إلى موجة غير مسبوقة من الهجرة.

يقول أمين غالي من مركز الكواكبي للانتقال الديمقراطي: “الناس متعبون… يريدون مدارس أفضل، ووسائل نقل أفضل، ورعاية صحية أفضل. “

بالنسبة لغالي، بينما حصل الرئيس على الكثير من السلطة السياسية للدولة، يظل الإصلاح الاقتصادي بعيد المنال، وأضاف متحدثاً عن قيس سعيد “إنه ليس خبيرًا اقتصاديًا… ليس لديه أفكار ذكية لحل تلك المشكلات… كل جهوده موجهة لتغيير النظام السياسي، أو دفع قضايا الفساد التي يتحدث عنها “.

لا يزال سعيد يحتل مكانة عالية في استطلاعات الرأي في تونس – من المحتمل أن يكون سبب هذا هو رفض الشعب للنخب الحزبية السابقة بقدر ما هو اعتناق لأسلوبه الفريد – ولكن يمكن رؤية أولى بوادر التصدع.

خلال نزاع مرير حول موقع مكب النفايات على وجه التحديد في الأحياء الفقيرة التي دافع عنها سعيد، اضطر الرئيس إلى إرسال قوة شرطة في البلاد للتعامل مع المتظاهرين.

مع اقتراب شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط – أشهر الاحتجاجات التقليدية في تونس – وعدم وجود أي مؤشر على التنمية الاقتصادية، فإن احتمالات المواجهة مع رئيس استقطب كل السلطة السياسية تقريبًا لنفسه كبيرة.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا