تغيير حجم الخط ع ع ع

يبدو أن الحزب الدستوري الحر برئاسة عبير موسي يحاول جر خصومه السياسيين تجاه المواجهات المباشرة، وذلك من خلال نقل الخلافات من المؤسسات السياسية الدستورية نحو الشارع والتعبئة الشعبية، حيث دأب الحزب مؤخرًا على دعوات التحريض والاستقطاب.

وأخيرًا، كان اعتصام الحزب أمام مقر فرع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في العاصمة التونسية واقتحامه وغلقه بالقوة عاملًا هامًا ورئيسًا من عوامل تعميق حجم الاحتقان السياسي بين الأطراف السياسية في البلد، وقد كانت خطابات رئيسة الحزب مؤججًا لاستفزاز خصومها السياسيين، وتحديدًا ائتلاف الكرامة، المدافع الرئيس عن الاتحاد والذي نظم بدوره اعتصامًا مواجهًا “لاعتصام الدستوري الحر”، وكذلك حركة النهضة وأنصارها، إضافة إلى التيارات المتحمسة للثورة والمدافعة عن تجربة التحول الديمقراطي في تونس.

وكان تدخل السلطات الأمنية حائلًا دون اشتباك أنصار الأحزاب والتيارات السياسية المتنافسة التي تواجدت في الشارع، بالرغم من حدوث عدد من الإصابات في صفوف قياديي وبرلمانيي النهضة، ومن أبرز المصابين كان المتحدث الرسمي باسم مجلس شورى النهضة، فتحي العيادي، والذي سقط نتيجة التدافع والاشتباك مع أنصار “الدستوري الحر”.

 

  • تصاعد التحريض على العنف السياسي..

 

ومما يلاحظ من الحالة السياسية التونسية أن منسوب التحريض على العنف السياسي قد تصاعد خلال الأشهر والأسابيع الأخيرة، حيث شرعت الأطراف المختلفة في تأجيج أنصارها ومؤيديها، وهو ما أدى إلى إحداث نوع من الاستقطاب في اتجاهين؛ الاتجاه الأول يقف موقف المدافع عن الثورة وعن تجربة التحول الديمقراطي والذود عن حرية العمل الاجتماعي والسياسي،  بينما الاتجاه الثاني يتركز مشروعه في مناهضة الإسلام السياسي والتجربة الديمقراطية.

ويرى باحثون مراقبون للمشهد السياسي التونسي أن ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين تجاوز حالة الاستقطاب السياسي إلى ما هو أعمق وأكبر وأخطر، حيث تم الدفع بتونس نحو فتنة ومحاولة زج البلاد في أتون حرب شعبوية أهلية، وهو ما قد يؤدي إلى تهديد التجربة الديمقراطية برمتها.

المحلل السياسي شكري بن عيسى يرى أن “الدستوري الحر خطط لواقعة تكون حادة حتى لا نقول دموية، فيما ائتلاف الكرامة كان ساذجاً سياسياً، لأنه تم استدراجه حتى تكون هناك مواجهة ترتقي إلى المواجهة الدموية”، كما اعتبر أن “الدستوري الحر يتغذى من هذه المواجهات الراديكالية العميقة التي ترتقي إلى مستوى العنف”.

Tunisian MPs in dispute over Qatar air transport agreement | MEO

وأشار المحلل السياسي إلى أن “سلامة التراب التونسي ووحدة شعبه هي مسألة مقدسة بالنسبة للتونسيين”، كما لفت إلى أنّ “الاعتصام تجاوز كل الخطوط، وبالتالي كان لزاماً فضه بكل الوسائل، خصوصاً في ظل وجود مخالفات قانونية واضحة وصريحة منها خرق حظر التجول وحصول عنف ومواجهات، والاحتقان الذي تسبّب به، إلى جانب إصدار القضاء إذناً بفض الاعتصام”.

وفي هذا الإطار، يرى محللون أن إغلاق الشارع من قبل قوات الأمن وفض اعتصام الدستوري الحر كان ضروريًا، وأدى إلى نزع فتيل أزمة كبيرة.

 

  • نقل الصراع من البرلمان إلى الشارع..

 

هذه التصرفات السياسية المذكورة عاليه تشير إلى أن الحزب المحسوب على النظام المخلوع يحاول نقل الصراعات والنزاعات السياسية من البرلمان والمؤسسات الدستورية إلى الشارع، وبما أن المشروع السياسي الأساسي للحزب في ممارساته التطبيقية هو مناهضة مشروع ما يسمى بـ “الإسلام السياسي”، وبما أنه لا يستطيع إنفاذ مشروعه من خلال المؤسسات الدستورية والسياسية، نظرًا لضعف تمثيله في البرلمان التونسي (16 نائبًا من إجمالي 217).

وردًا على ممارسات الحزب، عبرت حركة النهضة في بيان رسمي عن “إدانتها الشديدة لما اقترفته رئيسة الحزب الدستوري الحر بحق جمعية قانونية مرخّص لها وتنشط ضمن الضوابط التي حددها مرسوم الجمعيات، وذلك بإغلاق مقرها بالقوة واقتحامه، ونهب محتوياته ومحاصرة العاملين به واحتجازهم، في خرق خطير لكل قوانين البلاد”. 

كما باركت الحركة “تدخل السلطة العمومية لوضع حدّ لهذه التجاوزات والخروقات والجرائم”، منبهةً “إلى خطورة هذه الممارسات على السلم الاجتماعي بالبلاد”، كما حثت النهضة مختلف الأطراف الفاعلة في المشهد إلى “إدانة هذه الممارسات الفاشية والاستبدادية”.

وأعربت الحركة عن تضامنها مع “نواب الشعب وعموم المواطنين الذين تم الاعتداء عليهم أمام مقر الجمعية أثناء تعبيرهم عن رفضهم للممارسات الإجرامية، ومطالبة السلطات بتطبيق القانون”.

ودلالة على عمق الأزمة السياسية التونسية، دعا منصف المرزوقي، الرئيس التونسي الأسبق، على حسابه الرسمي في موقع فيسبوك، إلى حظر حزب عبير موسي، معللًا ذلك بأن الحزب بات يشكل خطرًا على تونس وديمقراطيتها الناشئة، وأضاف المرزوقي بأنه”لا يوجد بلد ديمقراطي ليس فيه قانون يمنع وجود أحزاب متطرفة معادية للديمقراطية، وآخر مثال فرنسا التي قررت حلّ حزب اسمه جيل الهوية”. 

واستكمل الرئيس الأسبق هجومه على الدستوري الحر بقوله: “ما يسمّى بالحزب الحر هو حزب معادٍ للديمقراطية عبر سعيه المتواصل لشلّ عمل البرلمان وعبر خطاب الحقد والكراهية الذي يبثّه لزرع الفتنة بين الشعب الواحد، وعبر تمرّده على القانون كما حدث أخيراً. لذلك يجب حظر هذا الحزب لأنه اليوم أكبر خطر على تونس وديمقراطيتها الناشئة”. 

واستكمل محذرًا من مآلات استمرار المشهد السياسي الحالي بممارساته العبثية، قائلًا: “انظروا للصورة، إنها ليست لشهداء ماضينا، وإنما لشهداء مستقبلنا لا قدّر الله إن استهنّا بخطورة هذا الحزب الفاشي. تذكروا الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب الألماني والإيطالي والإسباني في بداية القرن الماضي، عندما لم ينتبهوا للأفعى التي كانت تتمطى في فرشهم”.

 

  • التجربة الديمقراطية في خطر..

 

باختصار، تصرفات حزب عبير موسي تؤول إلى نقل الخلافات والصراعات من المؤسسات الدستورية المنتخبة إلى الشارع، وهو ما يعني بالتبعية أن الأفراد والجماعات والأحزاب سيحاولون فرض رؤاهم و أجنداتهم بقوة الشارع بدل المؤسسات، وهو ما يسبب استقطابًا حادًا في الشارع، وهو ما يقود إلى هدم التعايش السلمي وتهديد السلم الأهلي، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار التجربة الديمقراطية الناشئة.

ولا شك من أهمية وضرورة أن تلتفت كافة الأحزاب والتيارات السياسية التونسية إلى هذا الخطر الماحق الذي يهدد مصالحهم ووجودهم جميعًا، فضلًا عن تهديد مصلحة البلد والشعب إذا ما تلاشت الديمقراطية، ولا بد أن يضع الساسة والأحزاب مواجهة هذا التهديد كأولوية أولى في أجنداتهم السياسية للمرحلة القادمة.

اقرأ أيضًا: تسريب صوتي: سنستعمل عبير موسى لضرب الغنوشي ثم نتخلص منها