تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة: محمد العربي

تصعيد خطير بتأييد واسع .. هذا ما حدث خلال الساعات الماضية بين المملكة العربية السعودية وكندا على خلفية قيام الرياض بتجميد علاقاتها السياسية والاقتصادية مع أوتاوا، بعد قيام الأخيرة بانتقاد الملف الحقوقي للسعودية وهو ما اعتبرته الرياض تدخلا غير مقبولا في شئونها الداخلية، وقامت بطرد السفير الكندي وسحب السفير السعودي من كندا، مع تعليق للرحلات الجوية والنشاط الاقتصادي بين البلدين.

المتابعين لتطور الأحداث أبدوا تعجبا من هذا التصعيد السعودي خاصة وأن أوتاوا لم تكن الأولي أو الوحيدة التي انتقدت ملف حقوق الإنسان بالرياض، حيث سبقها الاتحاد الأوربي وتلاها الولايات المتحدة، إلا أن الحكومة السعودية لم تتخذ معهم نفس الإجراءات ولم تقم بنفس التصعيد.

علاقات هامشية

من جانبه وصف عضو مجلس الشورى السعودي السابق محمد عبد الله آل زلفة في حوار مطول مع وكالة  سبوتنيك الاثنين 6 اغسطس العلاقات الثنائية بين بلاده وكندا بغير العميقة والتي لا تسمح لكندا بالتعليق على إجراءات داخلية تتخذها المملكة للحفاظ على أمنها، بخلاف العلاقات مع الولايات المتحدة التي تتسم بالعمق ولذلك تتعامل الرياض مع تعليقات واشنطن بشكل مختلف.

وطبقا لآل زلفة فإن هناك فرق كبير جدا بين كندا والولايات المتحدة، فكندا ليست دولة عظمى، وليس لها عضوية دائمة في مجلس الأمن، وعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية تقتصر على التجارة، وبعض المنح الطلابية.

وكانت وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند، والسفارة الكندية بالرياض انتقدوا الأحد الماضي اعتقال نشطاء المجتمع المدني بالسعودية، وطالبوا السلطات بالإفراج عنهم فوراً، وهو ما ردت عليه الخارجية السعودية ببيان نشرته وكالة “واس” الرسمية حمل انتقادات حادة لكندا قالت فيه: “لتَعلم كندا وغيرها من الدول أن المملكة أحرص على أبنائها من غيرها”، واعتبرت الرياض أن “هذا الموقف السلبي والمستغرب الكندي يعد ادعاء غير صحيح جملة وتفصيلا، ومجافيا للحقيقة، ولم يبن على أي معلومات أو وقائع صحيحة”.

العلاقات المشتركة

وتشير الاحصاءات الرسمية أن حجم التبادل التجاري بين البلدين في العشر سنوات الأخيرة بلغ 134 مليار ريال (35.7 مليار دولار أمريكي)، بما نسبته 0.6% من حجم الاستثمارات الأجنبية بالمملكة، كما تعتبر السعودية ثاني أكبر مستورد للبضائع الكندية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعد الإمارات، حيث استوردت المملكة سلعا من كندا في 2017 بقيمة مليار دولار، بينما بلغت صادرات المملكة إلى كندا خلال نفس العام 89 مليون دولار، كما بلغ حجم المبيعات العسكرية الكندية للمملكة منذ عام 1993 وحتي كتابة هذه السطور 17.5 مليار دولار كندي.

وقد انخفض معدل التبادل التجاري بين البلدين خلال السنوات الأربع الأخيرة بعد أن بلغ أعلى معدلاته في عام 2012 حيث وصل إلى 18.3 مليار ريال، بينما تراجع في 2016 إلى 8.96 مليارات ريال فقط، كما تحتل كندا المرتبة 14 بين الدول المصدرة للمملكة، بينما احتلت المرتبة 37 في قائمة الدول المستوردة للسلع غير البترولية من المملكة، وعلي الجانب التعليمي والبحثي يدرس بكندا 15 ألف طالب سعودي من بينهم 800 من الأطباء والأخصائيين مقيمين هناك.

وطبقا للعديد من التقارير فإن السعودية لا تمثل وزنا كبيرا في إجمالي التبادلات التجارية الكندية حيث تزيد صادرات كندا عن 471 مليار دولار سنويا، تمثل السعودية فيها ما نسبته 0.2%، كما تستورد كندا بما قيمته 461 مليار دولار، تمثل الصادرات السعودية لها 0.5% من إجمالي وارداتها.

هنا أمريكا

وبالتزامن مع حالة التصعيد السعودي ضد كندا، أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن واشنطن طالبت من السلطات السعودية معلومات بشأن احتجاز نشطاء مدنيين وحثتها على احترام الإجراءات القانونية”، وقالت ناطقة باسم الخارجية الأمريكية “إن واشنطن قلِقة بشأن سجن واعتقال عدة ناشطين وناشطات في الرياض”، مؤكدة أن “إدارة البيت الأبيض تتابع الأمر عن كثب”، واكتفت الخارجية بالتعليق على توتر العلاقات السعودية الكندية بأن المملكة وكندا “حليفان مقربان”.

بينما اشار مسئولون سعوديون أن سبب توتر الأزمة مع كندا يرجع للزيارة الأخيرة التي قام بها ولي العهد محمد بن سلمان لواشنطن قبل أربعة أشهر، ووضع فيها النقاط على الأحرف بعد توتر العلاقات بين الرياض وواشنطن خلال إدارة باراك أوباما، وان الولايات المتحدة تفهمت التحركات السعودية فيما يتعلق بالملفات التي كانت محل خلاف مع الإدارة الأمريكية السابقة، وأن هذه الزيارة التي وصفها السعوديون بالناحجة قد أقلقت أنظمة ودول أخري ضد المملكة.

الملك يتحرك

وفي ثالث ظهور متواصل له ترأس الملك سلمان بن عبد العزيز اجتماع مجلس الوزراء الذي عقد بمصيفه بمنتج نيوم بمطقة تبوك ظهر الثلاثاء، ولأول مرة تعترف المملكة بتوقيف نشاط معنيين بملف حقوق الإنسان، حيث أكد الاجتماع أن “إيقاف النشطاء المذكورين تم من قبل الجهة المختصة، وهي النيابة العامة، لاتهامهم بارتكاب جرائم توجب الإيقاف، وفقا للإجراءات النظامية المتبعة، التي كفلت لهم حقوقهم المعتبرة شرعا ونظاما، ووفرت لهم جميع الضمانات خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة”.

كما أكد مجلس الوزراء السعودي عن وجوب الالتزام بالمواثيق والمبادئ والأعراف الدولية، التي تقضي باحترام سيادة كل دولة، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية المحكومة بدستورها وأنظمتها وإجراءاتها الحقوقية والقضائية.

في إطار متصل نشر حساب “إنفوجرافيك السعودية” على “تويتر” تغريدة حملت تهديدا ضمنيا لكندا بتكرار أحداث 11 سبتمبر 2001، وظهرت التغريدة، في خلفيتها طائرة مدنية تابعة للخطوط الجوية الكندية في طريقها للاصطدام ببرج CN الواقع في تورونتو. وكتب على الصورة، بعد الأزمة التي اندلعت بين السعودية وكندا: “يحشر أنفه فيما لا يعنيه” بالإضافة لمثل عربي يقول: “من يتدخل فيما لا يعنيه يلقى ما لا يرضيه”.

وقد وصف القائم على الحساب التغريدة بـ”غير الموفقة” وكتب، قائلا: “نشر الحساب صورة غير موفقة في تغريدة سابقة، ولهذا السبب قمنا بحذفها مباشرة”. وأضاف أن “المقصود من الطائرة كان أن ترمز إلى عودة السفير، وقد ظهر لنا أن المغزى منها غير واضح وأن ما فهم منها كان غير المقصود”، معتذرا عما حدث.

وعلقت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية على ذلك بأن السعودية تبدو وكأنها تهدد كندا بهجمات على طراز هجمات 11 سبتمبر، والتي شارك فيها 15 مواطنا سعودياً من أصل 18 في تنفيذها.

وداعا مجلس التعاون

وقد أثار التصعيد السعودي العديد من التساؤلات عن خروجه بهذه الدرجة وفي هذا التوقيت، وطبقا لعدد من المحللين فإن السعودية كانت تنتظر انتقادات كندا بفارغ الصبر، حتي تعبر عن غضبها ليس ضد كندا وإنما ضد الانتقادات الأخري التي وجهتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي للرياض فيما يتعلق بملفها الحقوقي، ولكن لأن الرياض لا تجرأ على اتخاذ مثل هذه القرارات مع واشنطن أو الاتحاد الأوربي فإنها وجدت ضالتها في دولة لا تحكمها علاقات قوية مع الرياض.

وأشار المتابعون إلي أن الموقف السعودي الأخير يشير لخطورة حالة التصدع بمجلس التعاون الخليجي الذي انقسم تجاه الموقف السعودي ما بين مؤيد علي طول الخط وتبني هذا الموقف الإمارات والبحرين، لموقف معارض أيضا علي طول الخط وتزعمته قطر، وموقف ثالث تعامل بوسطية وهو ما تمثل في موقف الكويت، وهي الحالة نفسها التي تعبر عن حال مجلس التعاون الخليجي الذي كان قبل ثلاثة أعوام واحدا من أهم التكتلات الإقليمية قوة وتكامل.