تغيير حجم الخط ع ع ع

مبان مدمرة، شوارع محطمة… توارغة تحمل ندوب “العقاب الجماعي” الذي كانت هذه المدينة الليبية ضحية له سنة 2011.  

سكان هذه المدينة المنفيون والمتهمون بأنهم موالون للقذافي، يعودون تدريجياً لمحاولة قلب إحدى الصفحات الأكثر إيلاما من الصراع.

عبد الغني عمر، ممسكا آلة الحلاقة الكهربائية بحزم، يحلق الشعر المجعد لزبون شاب يجلس بحكمة على الكرسي، ومنشفة حول رقبته.

بعد ما يقرب عشر سنوات من النفي القسري، استحوذ الحنين على هذا الرجل البالغ من العمر 35 سنة، والذي عاد مؤخرًا لفتح صالون الحلاقة الوحيد للرجال في بلدته المنكوبة.

أقنعه أقاربه بالبدء في هذا النشاط “المفيد” للسكان، كما وصفه لوكالة فرانس برس، وهو مرتد سترة وقبعة مشدودة على رأسه.

وقد أخذ زمام المبادرة “رغم صعوبة البدايات”، وهو يحاول الآن نسيان أحداث العنف ومخيمات النازحين.

سكان توارغة البالغ عددهم 40 ألفًا، كانوا مستهدفين بأعمال انتقامية من قبل الميليشيات الثورية في مصراتة بعد اتهامهم بالمشاركة في حصار مدينة مصراتة المجاورة الثورية، الواقعة على بعد 40 كيلومترًا غربًا، وارتكابهم مجازر وانتهاكات بأوامر من نظام معمر القذافي سنة 2011،. 

التهجير القسري 

وقد تم نفيهم وتدمير منازلهم أو إضرام النار فيها، وتم حبسهم لسنوات في مخيمات منتشرة في جميع أنحاء البلاد، يعيشون في فقر تام، ويُمنعون من العودة إلى منازلهم.

أثار مصير سكان توارغة، الذين تنحدر أغلبيتهم من أحفاد العبيد السود، ضجة عارمة وسخط الكثيرين.

فبالنسبة لمنظمة مراقبة حقوق الانسان: “يمكن اعتبار العقاب الجماعي والتهجير القسري لسكان توارغة جريمة ضد الإنسانية”.

ومنذ يونيو 2018، عندما تم التوصل إلى الصلح بين المدن المعادية تحت رعاية حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، شرع بعض سكان توارغة في العودة إلى مدينتهم، بتشجيع من التزام السلطة التنفيذية بتعويضهم.

ولكن منذ ذلك الحين، عاد ثلث السكان فقط إلى توارغة، التي كانت مهجورة منذ سبع سنوات. 

ويضيف عبد الغني أن “هناك الكثير ممن يودون العودة لكنهم يترددون”، مشددًا على صعوبة تأمين دخل في مدينة منكوبة، و”حتى لو كان المنفى مؤلما، فإن العودة غير ممكنة” بالنسبة للجميع. 

أما محمود أبو الهبل، البالغ من العمر 70 سنة، فقد كان من أوائل الذين عادوا سنة 2018، وقد اضطر إلى إعادة بناء منزله وتنظيف مزرعته من مئات أشجار التمر والزيتون المتفحمة. 

وقد طرده بعض مناهضي القذافي في مصراتة من منزله مع 26 من أفراد عائلته، وذلك في اليوم التالي لسقوط نظام الدكتاتور، الذي اتهموهم بدعمه.

وينتقد الرجل السبعيني أولئك الذين يترددون في العودة قائلا: “قبل أن تطلب حقوقك، أولاً عليك أن تتواجد هنا، وليس في طرابلس”.  

الفوضى

جزء كبير من هذه المدينة شبه الصحراوية في حالة خراب، مليئة بالحفر التي خلفتها القذائف وثقوب الرصاص.

يوضح رئيس بلدية توارغة، عبد الرحمن شكشك، أن “غياب دولة ” مركزية سبّب في تأخير دفع التعويضات للنازحين، بينما لا تزال ليبيا منقسمة بين قوتين متنافستين في الشرق والغرب.

وصرح رئيس البلدية أن عودة السكان مقرونة بخلق الوظائف والسكن، لكن الحكومة منهمكة في الصراعات والانقسامات. 

وأضاف متأسفا: “لقد طلبنا من الحكومة بناء 1500 منزل في الأحياء المدمرة بالكامل، لكن هذا الطلب ذهب أدراج الرياح”. 

وقد قام بعض السكان بعد أن سئموا الانتظار، بتأسيس حياة جديدة في أماكن أخرى، كما هو الحال بالنسبة لتهاني خيري، التي استقرت في طرابلس مع عائلتها.

وقالت: “يستغرق الأمر عشر سنوات على الأقل حتى تعود المدينة إلى ما كانت عليه”.

وتضيف هذه الأرملة، وهي أم لأربعة أطفال، قائلة: “وضع مدينة توارغة هي انعكاس للوضع الليبي الفوضوي (…) وبدون دولة موحدة وقوية، لن تعرف الاستقرار”. 

وتهمس قائلة: “لكن الحنين لا يزال موجودًا”.

ترجمة العدسة عن صحيفة لوبوان الفرنسية ـ للاطلاع على المقال الأصلي (اضغط هنا)