تغيير حجم الخط ع ع ع

 

منذ انتخاب قيس سعيد كرئيس للجمهورية التونسية عام 2019، وهو يحاول الاعتماد على الجيش الذي حافظ على علاقات بعيدة مع السلطات منذ إنشائه عام 1956.

تحت هذه الكلمات سلطت صحيفة “لوموند” الفرنسية الضوء على الأوضاع في تونس، التي أصبحت في حالة اضطراب وفوضى، بعدما كانت تعتبر قصة النجاح الوحيدة في ربيع الثورات العربية.

وأوضحت الصحيفة أنه عقب الأزمة السياسية، التي هزت تونس منذ 25 يوليو/ تموز الماضي، أي بعد ساعات قليلة على قرار رئيس الجمهورية قيس سعيد إقالة رئيس الحكومة وتعليق عمل البرلمان، انتشرت دبابة وجنود خلف أبواب مجلس النواب.

أشارت إلى أن الكاميرات التقطت حوارًا متوترًا بين جندي ونائب رئيس البرلمان، الذي كان يحاول دخول المبنى، حيث قال فيه النائب “نحن مسؤولون منتخبون وأقسمنا اليمين على الدستور”، فرد الجندي “تلقينا تعليمات وأقسمنا أن ندافع عن الوطن. البرلمان مغلق”.

وبحسب “لوموند” فسّر العديد من المحللين هذا المشهد على أنه نذير لانقلاب، إذ كان الوضع مشابهًا بإطاحة القوات المسلحة بالرئيس المصري محمد مرسي في يونيو/ تموز 2013. 

وتساءل: لكن إلى أي مدى يمكن لقيس سعيد الاعتماد على الجيش لتعزيز سلطته؟ وإلى أي مدى سيدعمه الجند إذا قرر تمديد تعليق البرلمان إلى ما بعد الثلاثين يومًا المنصوص عليها في الدستور؟

ونوهت الصحيف الفرنسية، بأن الجيش التونسي حافظ، منذ إنشائه عام 1956، على علاقات بعيدة المدى مع السلطات، فظل على الهامش خلال فترة حكم الحبيب بورقيبة، وشهد عمليات تطهير في عهد زين العابدين بن علي، الذي كان يتمتع بخلفية عسكرية. 

كما أنه في عام 1991، تم القبض على 244 ضابطًا ومجندًا بتهمة “التخطيط لانقلاب”، وفي مواجهة انتفاضة بمنطقة التعدين، اعتمد الرئيس مع ذلك على الجيش عام 2008 لاحتواء الحركة الاجتماعية. 

لكن كل شيء تغير بعد ثلاث سنوات، فخلال ثورة 2011 عندما تدخلت قوات الشرطة، انحاز الجيش للثوار، وهو دعم لا يزال يكسبهم شعبية كبيرة.

 

تضخم الامتيازات 

وكحرص منه للحفاظ على المؤسسة، زودت الحكومات المتعاقبة منذ نهاية الدكتاتورية بشكل منتظم الميزانية المخصصة للدفاع، كجزء من تعزيز مكافحة الإرهاب، فالـ 36 ألف جندي في الجيش التونسي الآن مجهزون بشكل أفضل، بفضل التعاون القائم مع الولايات المتحدة بمجال الدفاع.

والرئيس قيس سعيد الذي انتخب لمنصب الرئاسة عام 2019، اهتم أيضًا بالرجال الذين يرتدون الزي العسكري، ففي مايو/ أيار، خلال شهر رمضان، ذهب بشكل غير متوقع إلى ثكنة عسكرية على جبل الشعانبي بولاية القصرين، مسرح عمليات مكافحة الإرهاب منذ عام 2013، للإفطار مع الجنود.

وقال العقيد المتقاعد الرائد مزوغي محمود “في تونس، يستمد الجيش شرعيته من السلطة القائمة، إنه مختلف تمامًا عن مصر، حيث إن الجيش هو الذي جلب المشير عبد الفتاح السيسي إلى رأس السلطة”.

ولفتت الصحيفة الفرنسية إلى أن الضباط، الذين يمثلون عنصر الاستقرار في ديمقراطية محمومة، تضخمت امتيازاتهم في الأشهر الأخيرة، ففي 28 يوليو/ تموز، كلفت الرئاسة الجيش بمهمة تنسيق وحدة الأزمات التي تم تشكيلها لمواجهة الأزمة الصحية التي تعصف بالبلاد مرة أخرى، وقبل ذلك، كان تم نشر الجيش بالفعل لدعم نظام المستشفيات وحملة التطعيم.

 

القلق ينتشر

ونقلت اليومية الفرنسية عن مسؤول عسكري متقاعد، رفض ذكر اسمه، “أن أفراد القوات التونسية كما حال الشعب استقبلوا خطوة الرئيس قيس السعيد في تونس ببعض ارتياح”، مضيفا “إن القلق ينتشر عند البعض بسبب تمركز القوة” الذي زاده قرار إقالة وزير الدفاع إبراهيم برطاجي، في الخامس والعشرين من شهر يوليو/ تموز الماضي وقرار استبدال أيضا النائب العام للقضاء العسكري”.

لكن ماذا سيحدث إذا تمكن عدد قليل من المعارضين لرئيس الدولة من حشد المزيد؟ ماذا لو أعقب ابتهاج الأسابيع الأولى غضب وخيبة أمل؟، فوفقا لشاران جريوال، المتخصص في العلاقات المدنية-العسكرية في عمليات التحول الديمقراطي بالعالم العربي، لا يمكن في الوقت الحالي حدوث رد عنيف من الجيش. 

وفقا له “كل هذا يتوقف على طبيعة المظاهرات، إذا كانت من قبل شريحة عنيفة وراديكالية من السكان، تعارض قيس سعيد، فمن الصعب معرفة كيف سيكون الرد”.

وبحسب اليومية الفرنسية، الرئيس قيس سعيد لم يكتف بتعزيز سلطته على القوات المسلحة، بل عزز أيضًا قبضة الرئاسة على الشرطة، إذ أكد ذلك خلال شهر أبريل/ نيسان 2021 بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخامسة والستين لتأسيس قوى الأمن الداخلي.

وقال سعيد حينئذ إنه “بحسب الدستور، يكون رئيس الجمهورية هو قائد القوات المسلحة العسكرية والمدنية من دون أي تمييز” وهو تصريح أعاد إلى الواجهة مسألة الارتباط العضوي بين الشرطة ووزارة الداخلية التونسية .

 

مظالم ضد الشرطة

وأشارت “لوموند” إلى أنه بعد إقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، كلف الرئيس مستشاره الأمني ​​السابق رضا غرسلاوي، بتولي مقاليد الداخلية بانتظار تعيين وزير جديد. 

وبحسب حبيب الصياح، المحلل والمستشار في المجال الأمني، غياب الاحتجاجات أو الانتقادات بعد هذه التغييرات يميل إلى إظهار أن قيس سعيد يبدو أنه يتمتع بنوع من السلطة على هذه “الدولة داخل الدولة التي كان من الصعب دائمًا السيطرة عليها منذ الثورة، في ظل وجود نقابات مجزأة للغاية”.

ومع ذلك، يرى الصياح، أن هذا الدعم قد يأتي بنتائج عكسية على المدى الطويل “لأن العديد من أنصاره يريدون وضع حد لإفلات الشرطة من العقاب، والذي كان أحد المظالم الرئيسية للشعب منذ الثورة”.

وتقول “لوموند” إنه في ظل تمتع الجنود بشعبية، يثير دور الجيش في الاعتقالات الأخيرة لبعض النواب بأمر من القضاء العسكري بعد رفع الحصانة من قبل الرئاسة، القلق، حيث كان ياسين العياري، النائب عن حزب الأمل والعمل، الذي اعتقل وسجن في 30 يوليو/ تموز لإدانته بتقويض معنويات الجيش عام 2018، أول من دفع الثمن.

كما اعتقل نائبان آخران من ائتلاف الكرامة المحافظ، ثم أطلق سراحهما، في انتظار جلسة الاستماع في قضية تتعلق بمطار تونس قرطاج، إذ نددت جمعيات عديدة باستخدام قانون القضاء العسكري في هذه القضايا التي سبقت انقلاب 25 يوليو / تموز.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا