تغيير حجم الخط ع ع ع

 

بعد شهور طوال من محاولات، سعد الحريري، رئيس الحكومة المكلف من قِبل الرئيس اللبناني، ميشال عون، لاختيار الوزراء، اعتذر الحريري عن تشكيل الحكومة بعد تعثره المستمر، وخلافاته العميقة مع عون حول اختيار الوزراء المسيحيين. اعتذر الحريري وكُلف بعدها رئيس الحكومة اللبنانية السابق، نجيب ميقاتي. وهو نائب عن مدينة طرابلس التي تُعد عاصمة الشمال اللبناني، وسبق له أن ترأس الحكومة مرتين، الأولى عام 2005 والثانية في 2011، ومعروف عنه بأنه أتى إلى السياسة من صفوف رجال الأعمال.

ويدور الحديث في الوقت الحالي حول قدرة ميقاتي على تشكيل حكومة جديدة بعد أشهر من الفشل في تشكيلها. ومن الواضح على ميقاتي نفسه التفاؤل، حيث إنه صرح بُعيد توليه المسؤولية، ومن داخل قصر بعبدا، أنه “مطمئن”، قائلًا إنه “لو لم تكن لدي الضمانات الخارجية المطلوبة، لما كنت أقدمت على ذلك”. وبالطبع، فإن وجود ضمانات ربما يسهل من مهمة ميقاتي، لكن السؤال هنا هو إلى أي مدى تُعتبر هذه الضمانات حقيقية وفعالة؟

وحول إمكانية نجاح ميقاتي في تشكيل الحكومة، تنقسم الآراء بين مَن يرى أن ميقاتي سيتمكن من تكوينها ويستدلون في ذلك بتصريح ميقاتي حول الضمانات، وبين من يرى أن تجربة ميقاتي ستتعثر عاجلًا أم آجلًا. ويقول الطرف الأول: “إن الحريري أضاع 9 أشهر، وميقاتي سيكمل المسيرة ذاتها، غير أن العنصر الوحيد الّذي قد يغيّر هذه المسيرة هو كلام ميقاتي عن “ضمانات دوليّة”، متوقعين أنه من الصعب تحقيق الإصلاح الكبير والإنقاذ في لبنان في هذه الفترة.

محاصصة ومصالح خاصة تعرقل العملية

وبالنظر إلى الأسباب الظاهرة التي منعت الحريري من تشكيل الحكومة، يأتي اختيار الوزراء المسيحيين كعامل أساسي معلن. ففي الوقت الذي كان الحريري يرى فيه أن من حقه تشكيل الحكومة كاملة، وأن صلاحياته تسمح له باختيار جميع الوزراء في التشكيلة، كان عون يرفض ذلك، وبالأخص في مسألة اختيار الوزراء المسيحيين، الذين ينتمون لطائفة الرئيس ذاتها.

بالإضافة إلى الاتهام الذي وجهه الحريري لرئيس الجمهورية بالإصرار على الحصول لفريقه، ومن ضمنه “حزب الله” (حليف إيران)، على “الثلث المعطّل”، وهو عدد وزراء يسمح بالتحكّم بقرارات الحكومة؛ الأمر الذي كان ينفيه عون مرارًا. حتى إن جبران باسيل رئيس “التيار الوطني الحر” وصهر الرئيس، كان يرغب في اختيار الوزارات السيادية بنفسه، وبالأخص وزارات الداخليّة والدفاع والعدل، وذلك لكي يسيطر على عمل الانتخابات النيابية المقرر عقدها العام القادم. لذا فإن إصرار حزب عون على الثلث المعطل، من شأنه أن يمنع تشكيل الحكومة لأجل غير مسمى، سواء كان الحريري هو رئيسها أم ميقاتي.

كما أن هناك عاملًا مهمًا آخر وهو حزب الله. ففي نظر البعض، فإن الخلاف بين عون والحريري ما كان سوى ذريعة تهدف لعدم تشكيل الحكومة لانعدام وجود إرادة حقيقية لتشكيلها، والسبب في هذا في رأيهم هو حزب الله، القوة التي لا يستهان بها في الساحة اللبنانية. ووفق هؤلاء المراقبين، فإن حزب الله في الأساس لا يرغب في أن تشكل حكومة لبنانية في وقت ما زالت فيه المفاوضات جارية بين واشنطن وطهران حول عودة الأولى إلى الاتفاق النووي مرة أخرى، بعد أن انسحب منه الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب.

ذلك لأن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران من شأنه أن يلقي بظلاله على مدى قوة حزب الله في لبنان، الحليف الوثيق لإيران. وعلى هذا، فإن حزب الله يتحرك خلف الكواليس لتعطيل تشكيل الحكومة اللبنانية حتى يتضح مصير المفاوضات الجارية بين أمريكا وإيران أولًا. وبالتالي، فإن نجاح ميقاتي في تشكيل حكومة مرتبط بالفيتو الذي يضعه حزب الله حاليًا، ولن يستطيع الأول تجاوز هذا الفيتو إلا إذا حدثت تطورات على الساحة الدولية تدفع حزب الله لتمرير تشكيل الحكومة.

ولادة حكومة لبنانية قريبًا

في مقابل هذه النظرة التي لا ترى أن ميقاتي سيحقق نجاحًا في تشكيل الحكومة، هناك طرف آخر يرى أن الحكومة اللبنانية الجديدة سترى النور قريبًا. وهم في ذلك يستدلون بموقف المملكة العربية السعودية، فيقولون إن هناك اتفاقًا كبيرًا ترعاه فرنسا عنوانه “إنقاذ ما يمكن إنقاذه في لبنان”، وستكون المرحلة المقبلة على صعيد الاقتصاد والمال تحت إشراف البنك الدولي.

ويرون أن الفرق بين الحريري وميقاتي، هو أنّ الأوّل لديه مشكلة مع السعودية، الّتي أبلغت المعنيّين في لبنان مباشرةً أنّها لا تريد الحريري رئيسًا للحكومة. وبالفعل قد جاء اعتذار الحريري عن المسؤولية بعد لقاء جمع السفير السعودي في لبنان برجال الدين من الطائفة المارونية، التي ينتمي إليها الرئيس عون. وأثناء اللقاء، تبادل الطرفان كلمات الثناء، الأمر الذي أعطى انطباعًا حينها أن هناك ترتيبًا ما يدور بين المملكة والمارونيين حول الحكومة.

وحيث إن شخص الحريري قد تغير وأتى نجيب ميقاتي، فإنه من المحتمل أن نشهد تشكيل حكومة لبنانية قريبًا، وفق محللين.

والأيام القادمة كفيلة بمعرفة أي التحليلين على صواب، إلا أن المعضلة تكمن في أن الدستور اللبناني لا ينص على مهلة محدّدة لرئيس الوزراء لكي يشكّل حكومته، لذا تأخذ الحكومات في لبنان أشهرًا عدة لكي تتشكّل، الأمر الذي يزيد من أزمات البلد. ورغم أن ميقاتي وضع لنفسه مهلة شهر واحد لتشكيل الحكومة، إلا أن هناك من يشكك في مدى التزامه بهذه المهلة.

وبين هذا وذاك، ما زال اللبنانيون يعانون جراء أزمة اقتصادية طاحنة غير مسبوقة، أدت إلى انهيار قياسي في قيمة العملة المحلية مقابل الدولار، فضلًا عن شح في الوقود والأدوية، وانهيار قدرتهم الشرائية. ولن تتمكن حكومة لبنانية –في حال تشكيلها- من حل هذه المشكلات إلا بإعلاء مصالح المواطنين على المصالح الحزبية الضيقة.