تغيير حجم الخط ع ع ع

 

ثمة قاعدة متبعة في تحليل الأزمات والصّراعات، تفيد بقراءة مؤشّرات الإنذار لمحاولة الاستشراف المبكّر لنشوب مواجهاتٍ مسلحة محتملة. وبين الجزائر والمغرب حاليًا خمسة مؤشرات سياسية سلبية: تزايد وتيرة التسلح لدى الطرفين، والقطيعة الدبلوماسية التي أعلنتها الجزائر إزاء المغرب، ورفض الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أي مصالحة برعاية خليجية أو إدراج الخلاف مع المغرب في اجتماع وزراء الخارجية في جامعة الدول العربية، ودخول أطراف خارجية على الخطّ لتعميق هوّة الخلاف ورفع مستوى التصعيد والاستغلال الاستراتيجي للأزمة، فضلًا عن سوداوية المناخ السياسي الإقليمي وتردّي الانطباعات السلبية في الخطاب الإعلامي لكلا الطرفين، خصوصًا منذ قبول الرباط التطبيع مع إسرائيل في 10 ديسمبر/ كانون الأول 2020.

شهدت زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، الرباط أواخر شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، توقيع “مذكّرة تفاهم”، وهي الأولى من نوعها مع بلد عربي، لتزويد المغرب بمعدّات وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة وتعزيز التعاون الاستخباراتي. وتندرج هذه المذكرة في سياق اتفاقات أبراهام على مرامٍ إسرائيلية على المديين، المتوسط والبعيد، في غرب المتوسط. ويسعى المغرب إلى تعزيز قدراته الجوية بطائرات مسيّرة وأدوات تصويب الأهداف على الأرض من إسرائيل، فيما تَعتبر الجزائر، التي لا تزال تعتبر من دول المقاومة لإسرائيل، هذا التقارب المغربي الإسرائيلي جلبًا لـ”مؤامرة صهيونية” إلى حدود أراضيها.

ثمّة أكثر من استفهام بشأن دلالة “مذكرة التفاهم” المغربية الإسرائيلية في منطقة المغرب الكبير، وكيف تنغمس العلاقات المغربية الجزائرية تدريجيًا في مجازفة المعادلة الصفرية وسباق التسلح من إسرائيل وروسيا ودول أخرى. وتبني حكومة نفتالي بينت على ما بدأه سلفه بنيامين نتنياهو في مسار اتفاقات أبراهام، بأن يكون توقيع اتفاقية التعاون العسكري مع المغرب “الحدث المهم للغاية، ما سيسمح لنا بالدخول في مشاريع مشتركة والسماح للصادرات الإسرائيلية الدفاعية بالوصول إلى المغرب بكل سهولة”، كما أوضح مسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية.

كلّما حدث تدهور في علاقات الجوار بين الجزائر والمغرب، انتعشت الاستراتيجية الإسرائيلية في تمديد سلطتها العسكرية والأمنية من الشرق الأوسط والخليج إلى أبعد نقطةٍ ممكنةٍ في شمال أفريقيا. ويقول وكيل وزارة الدفاع الأميركية الأسبق (2004-2001)، والمستشار لدى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، دوف زاخييم، في مقالة نشرتها صحيفة The Hill في واشنطن، إن “إسرائيل بعد ما يقرب من خمسة وسبعين عامًا تجد أخيرًا قبولًا في الشرق الأوسط”. وتعبر عبارة الشرق الأوسط في الخطاب الأميركي عن المنطقة الممتدة من المغرب إلى أفغانستان. ويعتد وزير الدفاع، غانتس، بأن مذكرة التفاهم مع المغرب غير مسبوقة، ولم تتوصل إسرائيل إلى مثلها مع دول عربية تربطها معها علاقاتٌ أمنيةٌ وثيقة واتفاقات سلام، مثل معاهدة السلام مع مصر عام 1979، واتفاق وادي عربة مع الأردن عام 1994. ويلاحظ رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي في أراضي 48، جمال زحالقة، كيف أن الإعلام الإسرائيلي يحتفي بـ “اتفاق تفاهمٍ عسكري وأمني ومخابراتي، لم يسبق للدولة العبرية أن وقّعت مثله مع أي من دول التطبيع العربي. واستبشرت إسرائيل خيرًا بأنها وضعت قدما ثابتة في منطقة شمال أفريقيا، تمكّنها، كما تدّعي من محاصرة التوسّع في الوجود الإيراني في القارّة السوداء”.

تزداد وتيرة التسلح في الجزائر في ضوء ما يبدو توجّهًا داخل مجلس الدولة الأعلى في الجزائر نحو عسكرة الموقف إزاء الجار الغربي. وقد قال الرئيس تبّون، في مقابلة تلفزيونية فرنسية في يوليو الماضي، إنه “لا يؤكّد ولا ينفي” عزم حكومته بناء قاعدتين عسكريتين قرب الحدود مع المغرب. وتسعى الجزائر إلى اقتناء معدات متقدمة مثل طائرات سوخوي 57 و34 من روسيا بقيمة سبعة مليارات دولار، وهو ما ركز عليه رئيس أركان الجيش الجزائري، سعيد شنقريحة، خلال حضوره مؤتمرًا عن الأمن، والذي استضافته موسكو في يوليو/ تموز الماضي، وسط مساومات الكرملين بشأن سماح الجزائر لروسيا بالتمركز في منطقة الساحل.

يفيد موقع “أفريكا إنتليجنس” أن الجزائر وقعت صفقة لشراء 12 طائرة من طراز سوخوي 32، وهي نسخة من سوخوي 34 التي تبيعها روسيا، فيما تحاول أن تكون الأولى في اقتناء سوخوي 57 التي لم تبعها موسكو بعد إلى أي دولة. وتعد الجزائر أكبر مستورد للأسلحة الروسية في أفريقيا بعد مصر والسودان وأنغولا. وتكتب مؤسسة “غلوبال باور” أن الجزائر، التي أضحت في المرتبة 28 من حيث القوة العسكرية من أصل 138 دولة عام 2020، تسعى إلى الحفاظ على مكانتها من خلال عمليات شراء متعددة لتحديث أجهزتها العسكرية وتوزيعها، وقد قامت بتوسيع ترساناتها من الأسلحة بنسب مختلفة: روسيا بنسبة 69%، وألمانيا 12%، والصين 9.9%.

في المقابل، زاد هذا التسلح لدى الجزائر وقرارها القطيعة الدبلوماسية مع المغرب، وتحلل جبهة البوليساريو من اتفاق إطلاق النار الذي وقعته عام 1991، في مستوى قلق القيادة العسكرية المغربية. وتحاول الرباط اقتناء نظام الدفاع الجوي باتريوت أميركي الصنع، الذي يشمل نظام صواريخ أرض – جو متوسط المدى، مصمم لتحييد التهديدات الجوية وطائرة الاستطلاع من طراز G550 بعد أن وافقت وزارة الخارجية الأميركية على الصفقة أوائل العام، فضلًا عن اقتناء المغرب 25 طائرة جديدة من طراز F-16 بميزانية إجمالية قدرها 2.8 مليار دولار، و24 طائرة هليكوبتر جديدة من طراز Apacheattack بقيمة 1.6 مليار دولار. وقد طلبت القوات المسلحة الملكية المغربية تخصيص تسعة مليارات دولار لشراء 25 طائرة F-16، و36 مروحية أباتشي ستساعدها على تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية. وتخطّط الرباط لامتلاك 48 طائرة من طراز F16 في المجموع، تكون مجهزة برادارات من الجيل الخامس، و36 مروحية أباتشي بحلول عام 2028.

يعزو المغرب هذا التسلح إلى احتراسه من أن الجيش الجزائري يملك منظومة S-300 الروسية. ويعلق أهمية خاصة على الاتفاقية العسكرية الاستراتيجية التي وقعها مع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، يستمر سريانها حتى عام 2030. وثمة مؤشر آخر على تزايد التصعيد جاء ضمن تقرير صادر عن استخبارات الدفاع الاستراتيجي Strategic Defense Intelligence، وهي مؤسسة أبحاث في مجال التكنولوجيا العسكرية، يفيد بأن “المغرب يستعد ليصبح الجيش الرائد في أفريقيا عام 2022 بفضل ما يقتنيه من معدات متقدمة، وهو استشراف يرجح احتمال أن يغدو أقوى جيش في أفريقيا بما يتجاوز مرتبة الجيش الجزائري”.

وضع جديد قديم في التنافس والتهافت على أحدث الأسلحة والمعدّات المتقدّمة الممكنة من الدول العظمى، وهو مشهد يعيد الذاكرة إلى حروب السبعينات بين بعض الدول المضطربة في أفريقيا وأميركا اللاتينية. لكن الأهم هو إلى أين ستنتهي كرة التسلح المتدحرجة بين البلدين الجارين وتحالفاتهما الإقليمية والدولية؟. يميل الرأي السائد في أدبيات سباق التسلح إلى أن الأسباب الخارجية تفسر سباقات التسلح التي تتفاعل فيها الدول مع التهديد الذي يشكله تكديس أسلحة الخصم. وعلى سبيل المثال، يقول باري بوزان وإريك هيرينغ في كتابهما “ديناميكية الأسلحة في السياسة العالمية”( The Arms Dynamic in World Politics) إن “الافتراض الأساسي لنموذج الفعل ورد الفعل هو أن الدول تعزز تسليحها بسبب التهديدات التي تتصورها من الدول الأخرى. وتشرح النظرية المتضمنة في النموذج ديناميكية الأسلحة على أنها مدفوعة بشكل أساسي بعوامل خارجية عن الحالة”.

في الوقت ذاته، لا تزال دراسة صموئيل هنتنغتون من أكثر الأعمال تأثيرًا وقراءة على نطاق واسع في سباقات التسلح، فبعد تحليله 13 حالة من سباقات التسلح، حدد مجموعتين من العلاقات بين سباقات التسلح والحرب: “أولاً، هناك علاقة عكسية بين طول سباق التسلح واحتمال أن ينتهي بالحرب. هذا لأن نقطة الخطر، وأحيانا نقطتين، تحدثان في بداية كل سباق. بمجرد أن تبدأ الدولة تحديًا من خلال إطلاق عملية الحشد، يجب على الدولة التي تواجه التحدي أن تقرر ما إذا كان يمكنها الحصول على حلفاء ونشر أسلحة كافية لاستعادة التوازن العسكري السابق. إذا وجدت الدولة المعادية أنها لا تستطيع، فقد تستنتج أن شن حرب وقائية هو أفضل خيار لها”.

تجسد القطيعة الدبلوماسية التي أعلنتها الجزائر ومنع الطائرات المغربية من التحليق في أجوائها منحدرًاغير مسبوق في تاريخ العلاقات بين البلدين. وتنشر صحيفة لكسبريسيون في باريس مقالات متعددة، مفادها أن “الموساد بات قريبًا من الحدود الجزائرية، ما سيخلف عواقب جيو -سياسية وخيمة على أمنها”، فوصل الجوار الجزائري المغربي خريف السياسات المتنافرة وإنتاج العدائية المتبادلة بشكل متواتر، فيما يغلب منطق التشنج وتضيع البوصلة بفعل التشبع بضرورة التسلح والقطيعة وترويج خطاب “صراع وجودي”، في جوار سرمدي أزلي بحمرة الأرض وزرقة البحر وصفاء السماء المشتركة، وإنْ انتفختْ أوداج الأنفة السياسية في الجزائر والرباط.  

يساهم غياب قنوات الحوار بين الجزائر والرباط بشكل سلبي في تباين التأويلات وتضخيم المؤامرات المتخيلة. ويجسد الموقف الراهن بين البلدين مدى الانغماس اللاعقلاني في منطق المحاور المتقابلة، وما يدور في خلد النخب السياسية والعسكرية بأنه “جوار ميّت”. ويرتفع مستوى التسلح، وتدخل مواقف التصعيد مرحلة التلويح بالعدائيات المفترضة وإسقاطاتها غير الواقعية أكثر من طبيعة التهديدات القائمة، وفسح الطريق أمام استراتيجية إسرائيل، أكثر من أي قوة إقليمية أو دولية، في المنطقة. ويفاخر الموقف الرسمي الإسرائيلي بمقولة “إسرائيل والمغرب شريكان مهمان في المحور البراغماتي الإيجابي، مقابل المحور المعاكس الذي تشارك فيها الجزائر وإيران”.

على هذا المنوال، يزداد التحفيز الإسرائيلي على إنتاج نظام عداء سوداوي جديد، وبالتالي نفخه في وسائل الإعلام لدى الطرفين: “محور مغربي إسرائيلي” يعتبره الجزائريون تهديدًا مباشرًا لسيادتهم واستقرارهم، مقابل “محور جزائري إيراني” ترسمه الاستراتيجية الإسرائيلية، ويتشبع به جل المغاربة على أنه تهديد “حقيقي” لسيادتهم واستقرارهم. هي محاور عداء بديلة ومنصّات صراع محتملة، إذا تغلغلت مشاعر الريبة المشتركة عميقًا بين الجزائريين والمغاربة، وازداد تخندق النخب العسكرية والأمنية نفسيًا وذهنيًا في “مؤامرة” الطرف الآخر. وكما هو الحال عند انغماس أي طرف من أطراف النزاع في التفكير العدائي، يميل ميزان الأحكام المعيارية نحو استعراض “مكارمنا ومحاسن سلوكنا” مقابل التلويح بـ”خطاياهم ورذائلهم” ضمن معادلة “الذات الملائكية” ضد “الآخر الشيطاني” بإنتاج سرديات الاختلاف المتخيلة، كإسقاطات تلقائية على ميزان العداء والتقابل غير المتوازن.

 

القطيعة العبثية في جوار استراتيجي 

على الرغم من وجود منطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، إلا أنه لم تمت الدبلوماسية يوما، ولم تتجمد الحدود في ما يعتبر أخطر منطقة في العالم. وعلى الرغم من القطيعة بين بيونغ يانغ وسيول وواشنطن بسبب تداعيات الحرب الكورية منذ 1953، تتحرك الدبلوماسية من حين إلى آخر ضمن بعثات وساطات من بعض الشخصيات، مثل الرئيس الأسبق بيل كلنتون، لإطلاق سراح صحفيين كانوا محتجزين في بيونغ يانغ، غير أن وضع شبه الجزيرة الكورية لا يتفوق على بدعة جديدة متنامية حاليًا في منطقة المغرب الكبير، فقد ذهب الرئيس تبّون إلى أبعد مما تنزع إليه راديكالية الحروب الباردة، وتمسك بأن “الجزائر لا تقبل أي وساطة مع المغرب، ورفضنا إدراجها في المؤتمر الوزاري لجامعة الدول العربية”.

هي حلقة أخرى في سلسلة التنكّر لواقع الجوار الاستراتيجي والارتباط التاريخي وبقية الروابط الثقافية والمجتمعية، وحتى القواسم المشتركة في تحدّيات التنمية في البلدين. هناك قرار قطع العلاقات مع المغرب، ومنع الطيران المدني والعسكري المغربي من التحليق في الأجواء الجزائرية في الأسابيع القليلة الماضية. ولكن تشبع الرئيس تبّون، ومن خلفه أعضاء المجلس الأعلى للأمن، بهذا الرفض لأي مبادرة عربية لرأب الصدع في العلاقات الجزائرية المغربية لا يدل على حكمةٍ سياسيةٍ وطنيةٍ أو بعد نظر دبلوماسي، ولا عن حسّ استراتيجي يحفظ ماء الوجه، بقدر ما ينمّ عن تشنج وانفعال غير عقلاني، بسبب ما يبدو صدمةً كبرى متخيلةً منذ عقود.

يبرر الرئيس تبّون قراره بدفن أي وساطة عربية بأنه “لا يمكن المساواة بين الجلاد والضحية، ونحن قمنا برد فعل على عدوان متواصل منذ استقلالنا عام 1962، ولسنا السبب في ذلك”. ويبدو أن القيادة الجزائرية لم تعد تتعامل بالوقائع، وإن كانت هناك تظلمات جزائرية من المغرب، وأخرى مغربية من الجزائر، سواء بسبب حرب الرمال عام 1963، أو طرد 45 ألف مغربي من الجزائر صباح عيد الأضحى عام 1975، أو بقية المنحدرات والمرتفعات في علاقات الجوار خلال العقود الستة الماضية. وهذه أمور متوقعة في علاقات أي دول متجاورة في الزمان والمكان. ولكن حسابات الرئيس تبّون اليوم تستثمر في سردية “العدائية الكبرى” في منحاها التخيلي وشيطنة المغرب بكل التهم الجاهزة، وتجمح في هذا الاتجاه من دون تريث أو تقدير نحو عصبية التطرف السياسي.

لا يتنكر رجال السياسة عادة لأهمية الدبلوماسية حتى في أحلك الفترات المتأزمة. وثمة دوما قرينة عضوية بين تدبير العلاقات الدولية والمنحى الدبلوماسي خيارًا طبيعيًا واستراتيجيًا في المحصلة النهائية، إذا أخذنا بالاعتبار تداعيات المواجهة المسلحة على كل الأطراف. ولكن الانجراف نحو القطيعة الدبلوماسية وإغلاق الباب على أي وساطة عربية محتملة لا يمثلان الحكمة أو التفكير المتنور ببراغماتية السياسة وعقلانية الدبلوماسية.

 

انتحار الدبلوماسية 

لا يزال قرار القطيعة الدبلوماسية الذي اتخذته الجزائر إزاء المغرب في الرابع عشر من أغسطس الماضي يثير استفهامات عدة في فهم ما فيه من أسباب منطقية أو غير منطقية. وقد أنسب وزير خارجية الجزائر، رمطان لعمامرة، القرار إلى تسعة تبريرات تتراكم فوق بعضها، بفعل وتيرة الانطباعات السلبية المتوالدَة في شيطنة الجار، المغرب، وتتعقب 58 عاما من علاقات جوار متقلب الأطوار، بداية بتداعيات حرب الرمال عام 1963، ولوم مندوب المغرب في الأمم المتحدة عمر هلال على “انحراف خطير جدا وغير مسؤول” بسبب حديثه عن “حق تقرير المصير لشعب القبائل الشجاع”. وثمة مآخذ أخرى من أهمها انزعاج الجزائر مما تعتبره “تعاونًا بارزًا وموثقًا” بين المغرب ومنظمتي ماك ورشاد، الانفصاليتين الأمازيغيتين، وقناعتها بحدوث “عمليات تجسس كثيفة تعرض لها مواطنون ومسؤولون جزائريون من الأجهزة الاستخباراتية المغربية من خلال استخدام تكنولوجيا بيغاسوس الإسرائيلية”، ونهاية بإسقاط شبح “مؤامرة إسرائيلية مغربية” بما أسماه لعمامرة “قيام السلطات المغربية بمنح موطئ قدم لقوة عسكرية أجنبية في المنطقة المغاربية وتحريض ممثلها على الإدلاء بتصريحات كاذبة وكيدية ضد دولة جارة”، كناية عن تلويح وزير خارجية إسرائيل، يئير لبيد، بوجود “تعاون جزائري إيراني” خلال تصريح أدلى به في المغرب.

اجتمعت تسعة محاور تبريرية  في تصريح لعمامرة وفق مقولة “ما أفاض الكأس”، بمنطق انتقائي متدرج في تركيب السببية الكبرى meta-causality لإعلان القطيعة. وتبدو بمثابة “كاتالوج” جديد لأصناف قديمة وأخرى مستحدثة لهذه السببية المركبة بالجملة من أجل عزلة دبلوماسية قد تتجاوز في حدتها، وذلك حسب تقديرات بعض النخب العسكرية والأمنية في الجزائر العاصمة، ما انطوت عليه القطيعة التاريخية بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، أو ديناميات حرب باردة إقليمية مسكوت عنها، أو ما يستدعي إقامة منطقة منزوعة السلاح في المستقبل. 

يتجاهل قرار الجزائر القطيعة مع المغرب اليوم بشكل جارف حقب الانفراج والتعاون بين الجارين، كما كان الحال في فبراير/ شباط 1989، عندما كان الراحل الحسن الثاني الداعي والراعي إلى محادثات اتفاقية مراكش بحضور الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، إلى جانب معمر القذافي وزين العابدين بن علي ومعاوية أحمد الطايع، للتوقيع على اتفاقية قيام الاتحاد المغاربي، وإن خيم الصراع على الصحراء وقتها بظلاله على العلاقات بين الرباط والجزائر العاصمة. لكنه حاليا ميزان مكسور بوجود كفتين لا تتقابلان، وهذا فشل غير معلن في التواصل المنشود والتفاعل وجها لوجه الذي ينبغي أن يكون خلال حقبة التصعيد بين أطراف الأزمة، فهذه الجزائر تلوح بأن “آخر هذه الأعمال العدائية تمثل في الاتهامات الباطلة والتهديدات الضمنية التي أطلقها وزير الخارجية الإسرائيلي خلال زيارته الرسمية للمغرب، بحضور نظيره المغربي، الذي من الواضح أنه كان المحرض الرئيسي لمثل هذه التصريحات غير المبررة”. وهذا مغرب يتعهد لأشقائه في الجزائر “بأن الشر والمشاكل لن تأتيكم أبدا من المغرب، كما لن یأتيكم منه أي خطر أو تهديد لأن ما يمسكم يمسنا، وما يصيبكم يضرنا”.

تزداد تحديات المنطقة بفعل الموجة الجديدة في إنتاج العداء والمؤامرات المتخيلة، والطموحات الإسرائيلية، فضلًا عن التنافس التاريخي حول من يقود أي وحدة مغاربية محتملة. ولا يمكن التقليل من دلالة الحاجز النفسي والسياسي بين النخب العسكرية والأمنية في الجزائر والرباط في هذه المرحلة، ما يقلص من فرص العودة إلى الانفراج والتوافقات الممكنة. ومما يعزز هذه الخشية أن تدخل العلاقات الجزائرية المغربية طوعيًا، أو يتم إقحامها داخل مثلث تكون إسرائيل أحد أضلاعه والتسليم بهذا الوضع. وقد كشفت هذه الأزمة أن مجرى هذه العلاقات أصبح مجرد متغير تابع بموازاة مصالح إسرائيل التي غدت المتغير المستقل. 

تتعطل ملكة الحوار والإنصات بين الجزائر والرباط، ويتراجع مستوى الثقة في الآخر، وتغلب صناعة العداء المتخيل على يقينية الجزائريين بمواقف المغاربة وثقة المغاربة بجيرانهم الجزائريين، فتخرج العلاقات الثنائية من وضعها الطبيعي قرونًا، وتحيد عن ثنائية التقابل واحتواء المواقف، فتصبح لعنة نتنياهو وكوشنير وشبح الطرف الغائب في تل أبيب هما اللذان يتحكمان في تعميق فجوة التنافر بين الجارين. هكذا تنتحر الدبلوماسية وتلطم الجيوستراتيجيا المغاربية على خدّيها، بعد أن فقدت قدرة التحكم الذاتي في حاضرها ومستقبلها بكل أسف.