تغيير حجم الخط ع ع ع

رسميا، كانت عملية “نبع السلام” التركية في سوريا تدور حول هدفين رئيسيين. أولا، تريد أنقرة دفع “وحدات حماية الشعب”، التي تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية”، بعيدا عن الحدود التركية السورية. ثانيا، تسعى القيادة التركية إلى إنشاء “منطقة عازلة” على طول الحدود الدولية شرق الفرات، حيث يمكن للأتراك من الناحية النظرية إعادة توطين ما بين مليون إلى مليوني لاجئ سوري.

بخلاف ذلك، تسعى أنقرة أيضا إلى زيادة النفوذ التركي في النزاع السوري والحل السياسي المحتمل له، مع ضمان وجود نظام “صديق لتركيا” في شمال سوريا. علاوة على ذلك، ترغب أنقرة في تعزيز حلفائها في “الجيش الوطني السوري”، المعروف سابقا باسم “الجيش السوري الحر”، مع ضمان منع إنشاء دولة كردية مستقلة في شمال سوريا.

 

التأثير على الخليج

وبغض النظر عن أهداف أنقرة ودوافعها الحقيقية لشن حملتها العسكرية الثالثة ضد “وحدات حماية الشعب” منذ أغسطس/آب 2016، يمثل توغل تركيا في شمال سوريا، ورد الفعل الروسي على عملية “نبع السلام”، التي قد تمهد الطريق للمصالحة بين الحكومتين التركية والسورية بالرجوع إلى بنود “اتفاقية أضنة” لعام 1998، يمثل تحولا كبيرا في المنطقة تشعر به دول بعدة طرق.

وأدانت الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، باستثناء قطر وعمان، عملية نبع السلام في وقت مبكر من الحملة. وبالنسبة للمحور السعودي الإماراتي، يمثل التوغل التركي في شمال سوريا تطورا مزعجا، ودلالة على سماح واشنطن لأنقرة بالعمل في الشرق الأوسط بيد أكثر مرونة. وتمثل أجندة تركيا “العثمانية الجديدة”، كما تراها النخب في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تهديدا كبيرا للعالم العربي الأوسع.

وتعد الاختلافات بين جبهة “تركيا – قطر” وبين الإمارات فيما يتعلق بالمواقف تجاه فروع جماعة “الإخوان المسلمون” من العوامل الرئيسية التي تجعل أبوظبي تنظر إلى تركيا كلاعب خطير في المنطقة. وتجسد “الحرب بالوكالة” الإماراتية التركية في ليبيا المدى الذي أصبحت فيه أبوظبي وأنقرة أصحاب مصلحة متعارضين في حروب المنطقة التي لم يتم حلها بعد، كما حدث إبان الانقلاب المصري عام 2013، والحصار المفروض على قطر بعد 4 أعوام من هذا التاريخ.

وفي أعقاب الهجمات التي شنتها الطائرات بدون طيار والصواريخ الشهر الماضي على البنية التحتية النفطية السعودية، كان على ولي العهد “محمد بن سلمان” أن يتعامل مع رد فعل “ترامب” المحدود، والرسائل التي أرسلها هذا الرد إلى الرياض وعواصم دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. ببساطة، وإلى حد كبير بسبب انخفاض اعتماد أمريكا على نفط الخليج، وإرهاق الناخبين من الحروب الأمريكية الخارجية على غرار غزو العراق عام 2003، فإن الولايات المتحدة لن تخوض حربا مع إيران نيابة عن الرياض. وبالنظر إلى مدى تركيز “ترامب” على ضمان فترة ولاية ثانية في عام 2020، كان قرار نقل القوات الأمريكية من جزء معين من شمال شرق سوريا يتعلق إلى حد كبير ببيع رواية للجمهور الأمريكي حول إنهاء “ترامب” لمشاركة عسكرية أمريكية طويلة في الخارج.

 

وبالتالي، على الرغم من أن الرياض وأبوظبي ربما راهنا كليا على رئاسة “ترامب” ابتداء من عام 2017، تدرك كلا العاصمتين الخليجيتين أن الرئيس الأمريكي لا يدعم دائما كلماته بالأفعال. وقد عزز قرار التخلي عن الشراكة بين الولايات المتحدة الأمريكية والأكراد في شمال سوريا فقط الدروس المستفادة من الأحداث السابقة، والتي لا تشمل فقط هجمات “أرامكو” الشهر الماضي، ولكن أيضا قرار “ترامب” بعدم الرد بقوة على الإيرانيين الذين أسقطوا طائرة أمريكية بدون طيار في الخليج.

وتدرك دول مجلس التعاون الخليجي جيدا أن التحالفات والعلاقات تتغير وسط فراغات النفوذ والقوة في المنطقة، التي تحرص دول أخرى مثل روسيا على شغلها. وفي عواصم الدول العربية التي اعتمدت منذ زمن طويل على المظلة الأمنية الأمريكية، تُثار أسئلة مهمة حول أمنها القومي في “الشرق الأوسط ما بعد الولايات المتحدة”.

وفي حين يبقى صراع السلطة في شمال سوريا معقدا بنتائج يصعب التنبؤ بها، فإن بعض الآثار الجيوسياسية واضحة من وجهة نظر دول مجلس التعاون الخليجي. وتجد أبوظبي نفسها تقترب من روسيا في الملف السوري. وينطبق الشيء نفسه على الرياض.

وخلال زيارات الرئيس “فلاديمير بوتين” إلى الرياض وأبوظبي في وقت سابق من هذا الشهر، كانت الفوضى في شمال سوريا نقطة محورية للمناقشات. ومع حدود الضمانات الأمنية الأمريكية، ووسائل تأكيد النفوذ المتزايدة في الشرق الأوسط، تواصل موسكو الاستفادة من الأخطاء الاستراتيجية لواشنطن. ويستغل الروس أخطاء الولايات المتحدة للتقرب من شركاء الولايات المتحدة في الخليج.

 

إدارة رئاسة “ترامب”

ومما لا شك فيه أن دول الخليج العربي لا تسعى إلى التخلي عن علاقاتها العميقة للغاية مع الولايات المتحدة. وفي دول مجلس التعاون الخليجي، هناك تفهم واسع النطاق أنه لا يمكن استبدال الولايات المتحدة تماما كشريك موثوق.

وهكذا، في حين أن الأحداث الأخيرة في سوريا وهجمات “أرامكو” قد تركت الرياض وأبوظبي أقل ثقة في الولايات المتحدة، فلا تواجه واشنطن خطر وجود “قوة بديلة” قد تحل محلها في بنية الأمن في شبه الجزيرة العربية. وخلال مثل هذه الأوقات من التقلبات الهائلة في المنطقة، سيرى المسؤولون في دول الخليج أن تعميق العلاقات مع البنتاغون والكونجرس أمر مفيد، خاصة مع إثارة تقلبات “ترامب” وتخليه عن بعض الحلفاء في الشرق الأوسط للقلق لدى حلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها حول العالم.

وتعمل سياسة واشنطن الخارجية في الشرق الأوسط على خلق فرص كبيرة للروس -وربما الصينيين- وجعل مشاركتهم في هيكل الأمن الإقليمي أكثر أهمية من المنظور الخليجي. وخوفا من سياسة أنقرة “العثمانية الجديدة” المتصورة، سيسعى السعوديون والإماراتيون على الأرجح إلى العمل بشكل أوثق مع روسيا للتأثير على موسكو للعب دور في مراقبة واحتواء النفوذ التركي والإيراني في بلاد الشام. وفي هذه العملية، من المحتمل أن تظهر رؤية متقاربة لملف سوريا بين الكرملين وزعماء المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. ولقد ثبت أن هذا هو الحال بالفعل مع أبوظبي، التي تتماشى أجندتها في المنطقة مع المصالح الروسية عفي عدد من الحروب، ليس فقط في سوريا، بل في اليمن أيضا. ويأمل الكرملين أن تتحرك السعودية في نهاية المطاف في اتجاه الإمارات والبحرين من حيث المصالحة مع نظام دمشق.

وفي كل الاحتمالات، ستمارس أبوظبي ضغوطا على الرياض، وعواصم أخرى، لإعادة الإقرار بشرعية حكومة “بشار الأسد” كجزء من رؤية تستند إلى مواجهة موقف تركيا. ووفقا للسفير الأمريكي السابق في اليمن “جيرالد فايرستاين”، فقد تقبل السعودية الأمر في النهاية خاصة مع تراجع ثقتها في القيادة الأمريكية. وبالنسبة لروسيا، فإن هذه التحولات الجيوسياسية تسهم في إنشاء نظام سياسي وأمني إقليمي “أكثر صداقة لروسيا” في بلاد الشام والجزيرة العربية.