تغيير حجم الخط ع ع ع

 

خلال الأيام الأخيرة، تعددت الزيارات الغامضة والمتتالية من مسؤولي المملكة العربية السعودية لنظرائهم المصريين، ويبدو أن هناك “طبخة” جديدة يعدها الجانبان، ويبدو كذلك أنها متعلقة  بشأن إطلاق مشروع إعلامي جديد لمواجهة “الخصوم”.

ففي 11 يونيو/ حزيران 2021، زار الأمير محمد بن سلمان، منتجع شرم الشيخ للقاء قائد الانقلاب المصري عبدالفتاح السيسي، ولم يذكر المتحدث الرئاسي أي تفاصيل عنها، وهو ما جعل الزيارة “محل تساؤل”.

وبعدها بنحو أسبوع، أجرى وزير الإعلام السعودي، ماجد بن عبد الله القصبي، زيارة إلى القاهرة، وهناك التقى مسؤولي مدينة الإنتاج الإعلامي وشركة “نايل سات”، ثم التقى السيسي في 17 يونيو/ حزيران 2021.

 

 

قناة مصر الإخبارية..

 

كشفت مصادر مطلعة داخل مدينة الإنتاج الإعلامي أن زيارة ولي العهد السعودي ووزير إعلامه، ومن قبلهما كان لقاء تركي آل شيخ، مستشار ابن سلمان، بالسيسي ومدير المخابرات عباس كامل، له علاقة بتخطيط النظام المصري لإطلاق “قناة مصر” الإخبارية.

وأضاف المصدر أن “هناك خططا يجري بحثها على الأرض لإطلاق القناة من مدينة الإنتاج الإعلامي العام المقبل، بخبرات وكوادر مصرية ودعم سعودي ثابت”.

ومن المعلوم أن قناة “الجزيرة” القطرية لعبت دورًا مهمًا -منذ الانقلاب العسكري في مصر 2013- في إيضاح الصورة الحقيقية للنظام الانقلابي، وفي إبراز الغضب الشعبي، وفضح المجازر التي ارتكبها نظام السيسي الاستبدادي. وهو ما مثل إزعاجًا للنظام المصري، سعى على إثره لإطلاق قناة منافسة على غرار الجزيرة لتكون بوقًا للنظام ومدافعًا عنه.

وبالفعل، قام النظام بعدد من المحاولات لمنافسة الجزيرة، لكنها باءت جميعًا بالفشل، حيث لم تستطع قنوات مثل “العربية” السعودية و”سكاي نيوز” الإماراتية و”إكسترا نيوز” و”DMC News” المصريتين أن تجاري التأثير الكبير للجزيرة، وظلت القاهرة تحلم بخطة إطلاق قناة إخبارية إقليمية تنافس “الجزيرة”.

وبدأت محاولات مصر الجدية لتدشين قناة إخبارية إقليمية تدافع وتعبر عن وجهة نظر النظام، عقب إطلاق قناة سلسلة قنوات “DMC” التابعة للمخابرات مطلع سبتمبر/أيلول 2016.

أدارت القنوات شركة “دي ميديا”، التي أظهر مستند رسمي نشره موقع “الخليج الجديد” في 8 مارس/آذار 2017 أن مدير مكتب عبد الفتاح السيسي حينئذ، ورئيس المخابرات العامة حاليا، عباس كامل، هو أحد مؤسسيها.

ومن ثم أعلنت شركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التابعة لجهاز المخابرات العامة، الاستحواذ على مجموعة “دي ميديا” في إبريل/نيسان 2019، ضمن خطة النظام لجمع كافة منافذ إعلام السلطة في شركة واحدة.

 

 

فشل المشروع..

 

وكان المشروع المركزي لقنوات “DMC” هو إنشاء قناة أخبار مصرية إقليمية تنافس الجزيرة، ولكن بعد أكثر من عامين، فشل المشروع وجمدت المخابرات الفكرة.

بحسب تقرير نشره موقع مدى مصر في أكتوبر/ تشرين الأول 2018، فإن سبب الإخفاق هو ضخامة حجم اﻹنفاق على مجموعة قنوات “DMC”، والذي بلغ قرابة مليار جنيه مصري، وهو ما تسبب في نقص السيولة المالية المطلوبة للمضي قدمًا في مشروع إنشاء القناة الإقليمية.

سعت “دي ميديا” للحصول على تمويل من تركي آل الشيخ، لإكمال المشروع، لكن توقف اﻷمر عقب ضجة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2018، حسب الموقع ذاته.

عقدت عدة جلسات في مقر المخابرات بين مسؤولين في المخابرات المصرية وآل الشيخ؛ لإقناعه بتمويل قناة إخبارية تعبر عن السياسات السعودية والمصرية وتبث من القاهرة بكوادر مصرية وأموال سعودية لـ”مواجهة المد الإعلامي القطري”.

أبدى آل الشيخ موافقة مبدئية، لكن في الجلسات التالية رفع سقف طلباته واشترط الاستحواذ على نسبة حاكمة في شركة “إعلام المصريين” بقرابة 750 مليون دولار، إضافة إلى توفير تمويل كبير للقناة الإخبارية، بحسب “مدى مصر”.

وبالفعل، وافق فريق في المخابرات على العرض السعودي لتعويض ما أنفقوه في شراء وسائل الإعلام المختلفة، وأن يبقي الجهاز شريكا للسعودية بنسبة 49 بالمئة في الشركة. فيما كان فريق آخر متحفظًا على العرض، لأنه يعطي السعوديين حق إدارة غالبية الإعلام المصري الخاص.

وبعدها، توقفت المفاوضات إلى حين وضوح الرؤية بعد أزمة اغتيال خاشقجي، ولانشغال آل الشيخ بما يحدث في المملكة على خلفية الواقعة.

كانت زيارة وزير الإعلام السعودي لمصر ولقاؤه بالسيسي وزيارته لمقر شركة “نايل سات” ومدينة الإنتاج الإعلامي، جزءًا من هذه الترتيبات بعد الاتفاق على مبلغ ثابت لنفقات هذه القناة، بحسب مصادر متطابقة تحدثت لموقع “الاستقلال”.

 

 

حلم يراود النظام..

 

يبدو أن منافسة “الجزيرة” لا يزال حلما يسعى له النظام المصري، واعترف به الإعلامي المقرب من السلطة عمرو أديب بوضوح، واستضاف وزير الإعلام السعودي ليتحدث ضمنا عنه.

حيث سبق أن قال في برنامجه على قناة “MBC” في 29 مايو/آذار 2021 إن “مصر على شفا مشروع إعلامي ضخم ومهم، يشكل تحديا للدولة”، في إشارة إلى القناة الإقليمية الجديدة.

واعتبر أن “إطلاق قناة إخبارية إقليمية هو عمل الدولة وليس القطاع الخاص، وهدفها أن تنقل الأخبار إلى العالم والأمة العربية وفقا للمصالح المصرية، تماما مثلما فعلت قطر التي تمتلك قناة الجزيرة”.

وأضاف أديب: “التحدي الذي تواجهه القناة الإخبارية هو تأمين تمويل ثابت، دون انتظار أي عوائد مالية، وإدارة نشر الأخبار وبثها”.

وأشار إلى التخطيط في مرحلة تالية لإطلاق قناة إخبارية مصرية ناطقة بالإنجليزية “لمخاطبة الغرب بما يتماشى مع المصالح المصرية، تماما مثل قناة الجزيرة الإنجليزية القطرية”.

وقال أديب: “يوجد في مصر طاقم صحفي وإعلامي بارع لإطلاق قناة إخبارية إقليمية تخاطب المنطقة باللغة العربية”، داعيا إلى فحص كل الوسائل المتاحة لتأمين التمويل الكافي لإطلاق القناة الجديدة.