تغيير حجم الخط ع ع ع

تعرَّضت الإمبراطورية الرومانية في القرن الثالث الميلادي إلى الغزو من قبل القوط، وفي نفس الوقت اكتسح مرض الطاعون الإمبراطورية، حتى إن عدد الوفيات كان يصل إلى 5 آلاف شخص يوميًا، وبالطبع كان من بينهم الجنود الرومان.

ومع وفاة كل هذه الأعداد كان الحرص على الجنود الأصحاء أمر غاية في الأهمية، لمواجهة جنود الغزاة، وكان من الاعتقادات السائدة أن العزاب هم أفضل المقاتلين، لذلك لم يجد الإمبراطور، كلوديوس الثاني بُدًّا من منع الزواج التقليدي بين صفوف المجندين.

ومن زاوية أخرى نشبت خصومات داخلية ترتبت على قتل الإمبراطور غالينوس، إلا أن الإمبراطور كلوديوس الثاني،  قد تمكّن من السيطرة على هذه الخصومات عن طريق تأليه الإمبراطور غالينوس من خلال مجلس الشيوخ الروماني وجعله إلهًا جديدًا يعبد بجانب الآلهة الرومانية القديمة.

وانقسم المواطنون حول عبادة هذه الآلهة؛ فمنهم من اضطر ورضخ لذلك ومنهم من رفض عبادة هذه الآلهة، واعتبر هؤلاء الرافضين “غير وطنيين” وأعداء للدولة ، وكان المسيحيون من أكثر الفئات التى تعرّضت للاضطهاد، وذلك لإجبارهم على التخلي عن معتقداتهم أو مواجهة عقوبة الموت.

وفي هذه القرون الثلاثة الأولى تعرّض المسيحيون لأشكال كثيرة من الاضطهاد، فكانوا يلقون أحياء في الماء المغلي أو يعرضون لقطع ألسنتهم كما كانوا يتعرضون لأشد أنواع التعذيب، وتم إتلاف الكثير من الكتب والسجلات التاريخية والكتابات المسيحية.

وبسبب هذا التدمير لتلك السجلات التاريخية فلم تصل الكثير من المعلومات والتفاصيل عن حياة القديس فالنتين، ولم يتبقَّ منها سوى القليل الذي كان ينتقل من جيل إلى جيل إلى أن تمّ طباعتها عام 1260 في “Legenda Sanctorum” ونشرت بواسطة “Jacobus de Voragine” في نفس العام، ثم بعد ذلك تم نشرها في كتاب “Nuremberg Chronicle” عام 1493.

ويرجح أن يكون القدّيس فالنتين إما كاهنًا في روما، أو أسقفًا في تيرني بوسط إيطاليا، ولكنه عارض القرار بمنع الزواج التقليدي وقام بتزويج الجنود سرًّا في الكنيسة سواء كانوا مسيحيين أو وثنيين، وفي هذه الأجواء قام الإمبراطور كلوديوس بمطالبة المسيحيين بالتخلي عن دينهم والعودة مرة أخرى  لعبادة الأصنام فأعلن القديس فالنتين رفضه التام للتراجع عن ديانته، فتم إلقاء القبض عليه، وحكم عليه بالإعدام.

وفي أثناء انتظاره لتنفيذ حكم الإعدام طلب السجان Asterius” ” القائم على خدمته الدعاء لابنته  الكفيفة التي أعيد لها بصرها وسط ذهول من الجميع، مما دفع والدها السجان إلى اعتناق المسيحية بجانب الآخرين.

وقام فالنتين بكتابة رسالة إلى ابنة السجان التي قد وقع في حبها قبل أن يتم إعدامه ووقعها بكلمة “عاشقك”.

وجاء اليوم المحدد لإعدام فالنتين فتمّ تعريضه للضرب والرمي بالحجارة حتى يقتل، ولكن تلك المحاولة فشلت ولم يقتل بهذة الطريقة فتم قطع رأسه خارج “بوابة فلامينيا” وهي إحدى بوابات روما القديمة، في 14 فبراير 269 م.

وجاء نفس اليوم بعد مائتي عام ليقوم البابا غلاسيوس بتعيين يوم 14 فبراير “يومًا للقديس فالنتين” عام 496.

وانتقل الأمر إلى الأدباء في القرون الوسطى أمثال جيفري تشوسر لربط يوم القديس فالنتين بالحب وفي القرن الـ 18 تحول الأمر إلى إحد التقاليد الإنجليزية التي يتم فيها تبادل الزهور والحلويات وإرسال بطاقات المعايدة احتفالًا بما يسمى “عيد الحب”.

روايات مختلفة حول فالنتين

ولكن هذه لم تكن القصة الوحيدة التى قيلت عن القديس فالنتين؛ فقد اشتهرت العديد من الأساطير التي نسجت الحكايات حول نشاة عيد الحب أو من ينتسب إليه “فالنتين”، ففي تاريخ  الكنيسة الكاثوليكية هناك على الأقل ثلاثة اشخاص مختلفون جميعهم يحملون نفس الاسم  “فالنتان أو فالنتينوس” كما أنهم جميعًا ماتوا من أجل نفس الهدف، وهو عقيدتهم ومبادئهم.

وإحدى تلك الأساطير تدور حول ما ذكرت في الأسطر السابقة، حيث إنه خلال القرن الثالث في روما كان هناك كاهن يخدم في الكنيسة يدعى فالنتان رفض قرار الإمبراطور كلوديوس الثاني بحظر الزواج على الشباب العزاب، حيث إن هذا قد يجعلهم أفضل في تأدية الخدمة العسكرية من هؤلاء الذين قد تزوجوا، واعتبر فالنتان قرار الإمبراطور غير عادل، فقرّر تزويج الشباب سرًّا حتى افتضح أمره وعلم الإمبراطور بالأمر وأصدر قرارًا بقتله فورًا.

ولكن أساطير أخرى تقول إنَّ فالنتين قد قتل لأنه حاول مساعدة المسيحيين على الهرب من السجون الرومانية التى اتبعت أساليب قاسية في التعذيب، حيث كانوا يتعرضون لشتى أنواع الألم.

أما في الرواية الثالثة فقد كان فالنتين مسجونًا، ولكنه أرسل إلى ابنة سجّانه التي كان يحبها أول رسالة حب بعد أن كانت تزوره في محبسه حتى هامَ بها وقبل تنفيذ حكم الإعدام فيه كتب رسالته التي شرح فيها مشاعره تجاهها ووقعها بكلمة  “من فالنتينك”، ولذلك اتخذ هذا التاريخ موعدًا للاحتفال بأول رسالة حب في التاريخ.

ولكن رغم تعدُّد القصص والأساطير حول نشأة فكرة عيد الحب، وعن ذلك القديس الذى تنتسب له هذه المناسبة يظل الأمر غامضًا، وليس له رواية مرجحة عن الأخرى رغم تلك الشعبية التى حققتها هذه المناسبة منذ العصور الوسطى.

ميعاد عيد الحب

وقد يرجح البعض أن الاحتفال بعيد الحب في منتصف فبراير من كل عام هو تخليد للذكرى السنوية لإعدام الكاهن فالنتين، والتي من المعتقد ان أحداثها قد درات في العام 270 ميلادية، إلا أن ثمة ترجيح آخر قد يكون أقرب إلى المنطق في اختيار هذا اليوم الذي جاء ليوافق عيد اللوبركاليا Lupercalia وهو احتفال سنوي اعتاد الرومان القدماء على إقامته في منتصف فبراير؛ تقربًا للإله  للوبركوس إله الحقول والقطعان حتى ينعموا طوال العام بالخصب ووفرة القطعان والحقول المنتجة.

ولكن الكنيسة أرادات استخلاص هذه المناسبة من أصولها الوثنية لتربطها بمناسبة جديدة تجعل الاحتفال به متعلقًا بمناسبة مسيحية على ان يتم الحفاظ على نفس ميعاد الاحتفال، حيث إن كلا العيدين سواء كان الوثني أو المسيحي يعودان على معنى واحد هو الحب والخصب فيرمز كل منهما إلى استمراية النسل.

حيث كانت أجواء احتفال اللوبركاليا تدور حول كتابة النساء لأسمائهن في جرة كبيرة ويقوم الرجال العزاب باختيار أحد تلك الأسماء بشكل عشوائي والتي سترتبط به وفي معظم الأحوال كانت تنتهي هذه اللعبة بالزواج.

إلا أن هذا الاحتفال أو المهرجان الوثني كان قد تمّ حظرة من قبل الكنيسة اعتبارًا من نهايات القرن الخامس عشر الميلادي نظرًا لكونه من الطقوس الوثنية، ولكن البابا غاليليوس اعتمد يوم 14 فبراير عيدًا للحب  في المسيحية بديلًا عن هذا الاحتفال الوثني، وهى إحدى وجهات النظر المستساغة منطقيًا للقبول العقلي حول هذا الموضوع.

وقد اشتهر  كذلك خلال القرون الوسطى في أوروبا وخاصة فرنسا أن تاريخ 14 فبراير هو موسم تزاوج الطيور مما اضفي على المناسبة مزيدًا من الرومانسية.

بطاقات عيد الحب

وقد اشتهرت بطاقات عيد الحب في العصور الوسطي تتبعًا لخطى تلك الأسطورة التي تقول إن فالنتين كان قد كتب اول بطاقة حب لمن عاشها “ابنة السجان”، ولكن استخدام التعبيرات الغرامية لم يبدأ بشكل صريح إلا بعد عام 1400م.

ويرجع تاريخ أقدم بطاقة عيد حب إلى تلك القصيدة التى كتبها تشارلز، دوق أورليانز ام 1415 م  لزوجته حينما كان حبيسًا في برج لندن بعد أن قبض عليه في  معركة أجينكورت بين الجيشين الإنجليزي والفرنسي، وقد اتختها المكتبة البريطانية في لندن جزءًا من المخطوطات التى تختص بها.

ويذكر كذلك أن الملك هنري الخامس بعدها بعدة سنوات قد استأجر كاتبًا يدعى جون ليدغيت بغرض تأليف مذكرة حب تخص كاثرين من سلالة آل فالوا الفرنسية في عيد الحب أيضًا.