تغيير حجم الخط ع ع ع

 

خلال “أسبوع الصعيد” الذي بدأ 25 ديسمبر/ كانون الأول 2021، افتتح السيسي بعض المشروعات، وبدا كحاكم بأمر نفسه، فيقوم بتجاهل رئيس حكومته مصطفى مدبولي والوزراء، ويتخذ قرارات كارثية على الهواء دون الرجوع لمستشاريه، ويسطو على جهود غيره من رؤساء مصر السابقين وينسبها لنفسه.

بالإضافة إلى هذا انفعل السيسي على أحد المسؤولين على الهواء أيضًا،  خلال افتتاحه المرحلة الأولى من مدينة الأثاث بمحافظة دمياط، في 23 مايو/ أيار 2017.

وبينما كان المسؤول يتحدث عن “ضرورة إرجاء رفع الدعم عن الطاقة والوقود، لأن الناس مبقتش (لم تعد) قادرة تستحمل”، قاطعه الرئيس، قائلا: “باقول لحضرتك إيه.. إنت مين؟ إنت دارس اللي بتقوله دا؟”.

وأثناء زيارته لمنطقة توشكى بجنوب غربي البلاد، وافتتاحه مشروعات زراعية هناك، قال السيسي: “هذه المياه جاءت من مياه صرف زراعي كان لا يتم استخدامها بالشكل الأفضل، حيث جرى عمل معالجة ثلاثية متطورة وأصبحت صالحة للزراعة طبقا للمعايير”.

وفي أكثر من مرة في حديثه، أعاد السيسي حديثه عن أن المياه المستخدمة بمشروعات توشكى هي مياه صرف زراعي جرت معالجتها وفق المعايير الدولية.

وبينما كان السيسي يقصد الإشارة إلى ري مناطق في شمال سيناء من محطة معالجة “بحر البقر” بشمال شرقي البلاد والتي جرى افتتاحها 27 سبتمبر/ أيلول 2021، إلا أن حديثه التبس على الكثيرين وبدا أنه يقصد ري توشكى بتلك المياه. 

وهو الأمر المستحيل عمليا إذ يتطلب ذلك دفع المياه عبر مواسير عملاقة لمسافة نحو 1500 كيلومترا من شمال البلاد المنخفض طبوغرافيا إلى جنوبها المرتفع بنحو 200 متر فوق سطح البحر. وهو الحديث الذي صححه لاحقا المتحدث باسم وزارة الري محمد غانم في تصريحات لفضائيات محلية، مؤكدا أن مياه محطة “بحر البقر” لري أراض في سيناء.

وفي ضجة أحدثتها تصريحات السيسي، أعلن خلال تلك الزيارة عن عدة قرارات مثيرة للجدل وغضبِ المصريين دون استشارة الوزراء المعنيين.

من بين هذه التصريحات إعلانه دون سابقة إنذار منع إصدار بطاقات التموين للمتزوجين الجدد، وقصر البطاقات الحالية على فردين فقط وحذف باقي أفراد الأسرة، فيما اعتبرت وزارة التموين لاحقا النقطة الأخيرة صعبة التنفيذ من الناحية العملية.

كما بدا السيسي خلال زيارته الصعيد أفقر مناطق مصر، متجاهلًا لأزمات ملايين المصريين من الموظفين ومعاناتهم مع الغلاء وارتفاع الأسعار منذ قراراته بتعويم الجنيه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016.

وأثناء افتتاحه مشروع مجمع بنبان للطاقة الشمسية بأسوان، أكد السيسي أنه لم يقبل ببعض المقترحات بزيادة الرواتب بمبالغ بين 100 و150 جنيها (6.3 إلى 9.5 دولارات)، وفضل عدم ترك المصريين بدون خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي.

كما أعلن السيسي في قرار مفاجئ للجميع وملزم لكافة الوزارات المعنية وقف زراعة نباتات الزينة، رغم أنها تحقق لمصر عائدًا كبيرًا من التصدير إلى أوروبا وأميركا.

وخلال افتتاح مشروعات زراعية بمنطقة توشكى (جنوب غربي البلاد)، قال السيسي لرئيس الوزراء: “ده أمر يا دكتور مصطفى، مفيش زراعة تاني لنباتات الزينة، طالما نقطة المياه اللي نستخدمها صالحة لنباتات مثمرة”.

وبحسب المجلس التصديري للحاصلات الزراعية، كانت مصر قد أصدرت نحو 45 ألف طن زهور ونباتات زينة وقطف، ونخيل بقيمة 52 مليون دولار خلال تسعة أشهر، من سبتمبر/ أيلول 2018 حتى مايو/ أيار 2019، بنحو 3 بالمئة من إجمالي الصادرات.

كما قرر السيسي زراعة 150 ألف فدان أخرى في منطقة توشكى، بقرار سيادي ودون دراسة أو استشارة الخبراء الزراعيين المتخصصين أو مهندسي الري المسؤولين عن توفير المياه اللازمة للزراعة، وبرغم فشل المشروع في تحقيق أهدافه منذ عقود. وبدون سابق ترتيب حول الأمر أيضًا، طالب السيسي رئيس الهيئة الهندسية اللواء إيهاب الفار، بتنفيذ هذا الأمر.

رئيس الهيئة التابعة للجيش والمتخصص في البناء والتشييد وليس الزراعة رد قائلا: “من النهاردة نبدأ نعمل الدراسات وخلال أسبوع نرد فيها”.

ليتحدث السيسي لاحقًا مع الوزراء المعنيين بالملف مثل الزراعة والري والكهرباء على الهواء مباشرة لأخذ رأيهم بشأن إمكانية تنفيذ هذا الأمر.

لكن الوزراء جعلوا ردهم على المشروع المفاجئ مرتبطًا بقرار هيئات الجيش “الهيئة الهندسية”، و”جهاز مشروعات الخدمة الوطنية”.

وزير الري محمد عبدالعاطي قال إنه “بالتعاون مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، ندرس المواصفات ومع جامعة القاهرة ويتم المراجعة، ولا مانع مع تقييم الإجراءات الهندسية”.

وزير الزراعة السيد القصير من جانبه قال إنه “بالتعاون مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية نقدر نعمل للمساحة ونعمل حصر تصنيفي وتحديد عناصر التربة”.

وخلال تفقد السيسي مصنع “اليوريا ونترات الأمونيا” بمنطقة كيما بمحافظة أسوان، 28 ديسمبر، قاطع رئيس النظام وزير الزراعة خلال كلمته قائلا: “انت اللي يستفزني”.

كما أن السيسي قام بإحراج وزير الري على الهواء لعدم ذكره ما جرى رصده من مبالغ لدعم الثروة الحيوانية في كامل مصر (15 مليار جنيه) وذكره ما يخص الصعيد فقط.

وفي السياق، أحرج السيسي، عضو مجلس النواب عن محافظة قنا مصطفى محمود، إثر مطالبة النائب بأن يهدي رئيس النظام مبالغ مالية لعمال مصانع الإسمنت بجنوب الصعيد، وتوفير تذاكر بالقطارات للموظفين المغتربين. ليرد السيسي: “أنا مش بهادي أحد، اسمع الكلام أنا لا أهادي أبدا، ومبديش (لا أعطي) فلوس (نقود) لأحد”.

وكان القرار الأكثر إثارة للجدل هو تكليف السيسي على الهواء لأحد المقاولين ببناء محور بمدينة دشنا بالصعيد خلال عام فقط، بتكليف بالأمر المباشر ودون اتخاذ الإجراءات الحكومية المعتادة ما يكشف طريقة إدارة النظام لمصر.

وكان الأمر الأشد غرابة هو أن وزير النقل كامل الوزير، أعلن أن تكلفة ذلك المشروع تبلغ 9 مليارات جنيه (573 مليون دولار)، فطلب السيسي منه تخفيض التكلفة على الهواء فخفض الرقم إلى 7.5 مليار جنيه، دون الرجوع لدراسات جدوى أو استشاريين.

وعلى هامش احتفالية حضرها السيسي بمدينة أسوان الجديدة جنوب البلاد، أعلن عن قرار وقف البناء لمدة 10 سنوات في قرار صادم لملايين المصريين.

وقال السيسي إن “وقف البناء داخل الدولة سيكون على مراحل، ولن نسمح لأحد، باستثناء الدولة، بالبناء في مشاريع الإسكان لمدة 10 سنوات من الآن، لحين وضع آليات منضبطة بشأن التراخيص وخلافه”.

وفي المقابل، أعلن السيسي عن بناء الدولة 100 ألف وحدة سكنية مفروشة للإيجار، بهدف توفير مساكن للراغبين بالزواج، وذلك في الوقت الذي قرر فيه منع إصدار بطاقات تموينية للمتزوجين حديثًا.

وعلق الناشط المصري عادل دوبان، على أحاديث السيسي وقراراته مؤكدًا أنه “لا يمكن إدارة مشاريع الدولة بقرارات فوقية، دون دراسة متأنية لكافة الجوانب الفنية والمالية المتعلقة بها”. 

وأضاف عبر “فيسبوك”: “التصريحات البراقة والوعود الكبيرة التي يقطعها الرئيس على نفسه، لا تجد لها أساسًا على أرض الواقع، وتفقد قيمتها بين الناس حينما يجدون أنها لا يتم تنفيذها”.

وبشأن ما كشفته رحلة السيسي إلى الصعيد عن طريقة إدارته لمصر، وكيف بدا حاكما بأمر نفسه ومتجاهلًا لوزرائه ومستشاريه، قال السياسي المصري عز الدين الكومي: “المتابع لزيارة قائد الانقلاب للصعيد يلاحظ أمورًا منها أنه بلغ قمة الغرور وهذه بداية النهاية”.

وأضاف أنه “كما أن السيسي أراد أن يرسل رسالة للشعب بأنه هو الحاكم الذي لا معقب على حكمه، وأنه الرجل القوي والأوحد الذي يدير الأمور بمعرفة واقتدار، فضلًا عن إهانته للوزراء على الهواء مباشرة، لكن كشفت هذه السلوكيات العنترية عن مرض نفسي دفين في نفس الطاغية، وهي حب الزعامة والتسلط والدكتاتورية والانفراد بالرأي”.

وتابع: “كما كشفت أحاديث السيسي عن العقلية العسكرية في إدارة الأمور بأنه يأمر والجميع ينفذ حسب القاعدة العسكرية التي يتبناها الجيش المصري منذ زمن محمد علي باشا، وهي: (نفذ ثم تظلم) حتى ولو كان التنفيذ خطأ ويؤدي إلى نتائج كارثية”.

ويعتقد البرلماني المصري السابق بأن “هذا السلوك المعوج أعطى انطباعًا واضحًا عن كيفية إدارة الأمور في شبه الدولة، وفي ظل سيطرة العسكر على موارد البلاد، وأنها تدار جميعا بالأمر المباشر ودون دراسات جدوى أو معرفة مزايا وعيوب المشروعات”.

“وخير دليل على ذلك مشروع (التفريعة) والذي اصطلح عنها الإعلام العكاشي، الإعلامي توفيق عكاشة، قناة السويس الجديدة، مع الزفة البلدي للمشروع، والذي قال في النهاية إنه كان القصد منه رفع الروح المعنوية للشعب”.

ويرى الكومي، أن “مفاصلات السيسي ومساوماته حول المشروعات على الهواء تشعرك بأننا بمغارة عصابة (علي بابا والأربعين حرامي)، لأنه يلاحظ أن ميزانيات الدولة لا تصرف على ما يحقق بناء الإنسان المصري، ولكنها تنفق على أمور شكلية بالرغم من حديثه عن غنى المواطن وسعادته” .

وختم بالقول: “أخيرًا احتقاره لثورة يناير 2011، ومحاولة تشويهها بمناسبة وغير مناسبة، وأن مصر كانت ستضيع ثم جاء هو البطل المنقذ الذي أنقذها؛ إنه الغرور بعينه”.

كما علق السياسي المصري مجدي حمدان موسى، إن “منظومة الحكم في مصر تسير بشكل منفرد، وليس هناك رقيب ولا حسيب، والدولة أصبحت بقبضة رجل واحد يتحكم فيها كيف يشاء، كما نرى المؤتمرات والندوات في أسبوع الصعيد لا آراء لغيره”. وأضاف أن “القول الفصل هو قول الرئيس، والتصويب تصويبه والفعل فعله والدولة دولة الرئيس، الذي يمثل عودة لما قبل حتى حكم (رئيس النظام الأسبق) حسني مبارك”.

ولفت إلى أن “مبارك كان يمتلك الكثير من الأمور بالدولة، ولكنه لم يصل لهذا الحد بأن تصبح كامل الدولة في يده يحركها كما يشاء”.

وأكد أنه “بهذه الطريقة فالأمور كلها تصب على الرئيس نفسه، ولذا إذا هوت الدولة فقد هوت بقراراته وإذا صعدت صعدت بقراراته، إذ إنه المسؤول الوحيد أمام العالم والمجتمع المصري والأجيال الحالية والقادمة”.