بمناسبة اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، دشنت مراكز حقوقية مصرية ودولية حملة واسعة تحت عنوان “الإهمال الطبي تعذيب ممنهج”، لتسليط الضوء على الأوضاع المأساوية التي يعيشها كبار السن والمرضى داخل السجون وأماكن الاحتجاز المصرية. وتأتي هذه الحملة لتكشف عن وجه آخر من وجوه إجرام نظام عبد الفتاح السيسي، الذي يحول مقار الاحتجاز السيئة السمعة إلى مقابر جماعية للمعارضين عبر الحرمان العمدي من الرعاية الصحية، وسط غطاء من الإفلات التام من العقاب للمتورطين في هذه الجرائم التي لا تسقط بالتقادم.
وتشير البيانات الحقوقية الصادرة عن مركز “الشهاب لحقوق الإنسان” ومنظمات دولية إلى أن أكثر من 60 ألف معتقل سياسي في مصر يواجهون سلسلة من الانتهاكات ترقى إلى مرتبة الجرائم ضد الإنسانية؛ حيث تبدأ فصول التعذيب من لحظة الاعتقال بالضرب المبرح وتخريب المنازل، مروراً بالإخفاء القسري في مقرات الأمن الوطني وانتزاع الاعترافات تحت وطأة الصعق بالكهرباء والتعليق والتهديد بالاعتداء الجنسي، وصولاً إلى سحق الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية داخل الزنازين الانفرادية.

تصفية صامتة: الإهمال الطبي يحصد أرواح 1300 معارض
وتكشف الحملة الستار عن “التعذيب الأبيض” أو الموت البطيء الذي تنتهجه أجهزة السيسي الأمنية؛ إذ وثق الحقوقيون وفاة نحو 1300 معارض سياسي داخل السجون نتيجة الحرمان المتعمد من العلاج ودخول الأدوية لأصحاب الأمراض المزمنة (كالسرطان، والسكري، والضغط). وأعاد الناشطون التذكير بملابسات الوفاة الصادمة للرئيس الراحل محمد مرسي في محبسه في يونيو 2019، والتي وصفتها مفوضية الأمم المتحدة ومنظمة “هيومن رايتس ووتش” بأنها “جريمة كاملة” وأداة مباشرة استخدمها النظام لتصفية خصومه السياسيين.
وتمتد مقصلة الإهمال الطبي لتطال رموزاً فكرية وسياسية قضت نحبها خلف الأسوار، مثل مرشد الإخوان السابق محمد مهدي عاكف، والدكتور فريد إسماعيل، والبرلماني محمد الفلاحجي، والقيادي عصام دربالة، والدكتور عصام العريان، والمستشار محمود الخضيري. وفي المقابل، يهدد خطر الموت الوشيك قائمة طويلة من القيادات والنكراء المحتجزين في ظروف غير إنسانية داخل سجون “بدر” و”العقرب”، وفي مقدمتهم الدكتور محمد بديع، والدكتور رشاد البيومي الذي أصيب بذبحة صدرية، والحقوقية هدى عبد المنعم، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والمهندس خيرت الشاطر المعزول انفرادياً في سجن “بدر 3” وسط تعتيم رسمي على وضعه الصحي.
تصاعد وتيرة القمع والتعذيب رغم التنديد الدولي
ولا تقتصر الجرائم على الحرمان من الطبابة، بل تمتد إلى الاعتداءات البدنية المباشرة؛ حيث شهد سجن “بدر 1” في 11 حزيران/يونيو الجاري حملة تفتيش مهينة واعتداءات بالضرب أسفرت عن إصابة ونقل عدد من النزلاء لأماكن مجهولة، وهو ما أدانته 7 منظمات حقوقية. كما كشفت واقعة مقتل الشاب إبراهيم محمد عبد الحميد (25 عاماً) في محافظة الشرقية بعد 6 ساعات فقط من اعتقاله فجر 12 حزيران/يونيو الجاري، عن استمرار الفاشية والتعذيب المفضي إلى الموت داخل أقسام الشرطة.
تؤكد التقارير الدولية الصادرة عن لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، أن النظام المصري يمارس التعذيب بأسلوب “منهجي وواسع النطاق” يمثل جريمة ضد الإنسانية؛ إذ أيدت المحاكم أحكاماً بالإعدام وباشرت تنفيذها بناءً على اعترافات منتزعة تحت وطأة الصعق والترهيب.
وفي رصد إحصائي يعكس حجم المأساة، وثق مركز “النديم لتأهيل ضحايا العنف” أكثر من 5053 انتهاكاً حقوقياً خلال عام 2025 وحده، شملت مئات حالات الإخفاء القسري والتضييق، ووقوع 81 حالة وفاة داخل مقار الاحتجاز، مما يثبت أن آلة القمع والقتل البطيء التي يديرها السيسي لم تتوقف يوماً عن طحن أجساد المصريين وتجاوز القوانين والدستور المحلي الذي ينص صراحة على حرمة الجسد وحتمية محاسبة الجناة.
اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال