لم يترك ولي العهد السعودي شاردة ولا واردة تجول بخاطر أكثر أبناء الأمة الإسلامية تشاؤوم حيال ما قد يحيق ببيت الله الحرام في ظل حكم آل سعود لأرض الحجاز، إلا وأقدم عليه دون تردد، وآخر تلك الصيحات الإفسادية قيام النظام السعودي بإطلاق أول مهرجان سينمائي في أرض الحرمين، في إطار “وضع المملكة على خريطة السينما العالمية”، بحسب تصريحات مسؤولين في النظام السعودي.

وفي خطوة مثلت صدمة لجموع المسلمين حول العالم، لا سيما وأنها جاءت على بعد كيلومترات من بيت الله الحرام، بحسب صحيفة Intelligence Online الفرنسية التي اعتبرت في تقرير لها أن الإنتاج السينمائي وفتح أراضي المملكة أمام شركات الإنتاج العالمية وضخ المليارات لإنتاج أفلام سينمائية سعودية، يأتي جزءا من استراتيجية ما اسمته بـ “تنويع موارد اقتصاد المملكة” المعتمد بشكل أساسي على النفط، كون السعودية أكبر منتج للنفط في العالم.

وبحسب الصحيفة الفرنسية، فعلى الرغم من أن السينما لم يكن لها وجود من الأساس في السعودية حتى عام 2018، أي قبل 3 سنوات فقط، إلا أن المملكة أصبح لديها الآن طموحاتٌ هوليوودية، كانت أبرز ملامحها إطلاق سلسلة من القرارات الغريبة في منافسة حامية مع الإمارات، التي تمثل مركز الجذب الرئيسي للشركات والاستثمارات العالمية في المنطقة.

وبحسب تقرير سابق لوكالة Bloomberg الأمريكية عنوانه “المملكة السعودية تلاحق أحلامها الهوليوودية بـ64 مليار دولار”، فقد باتت السينما والإنتاج السينمائي والمهرجانات واجتذاب نجوم هوليوود واحدا من أبرز مجالات تلك المنافسة الحامية بين الإمارات وأرض الحرمين الشريفين.

وبتكليف مباشر من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تولى رجل الأعمال السعودي محمد التركي، الذي يعمل سفيراً على الإنترنت لعلامات فرنسية فاخرة مثل Dior وPiaget، مسؤولية وضع الرياض على خارطة السينما العالمية، والذي بدوره نجح في جذب العديد من الأسماء الكبرى في السينما الفرنسية، مثل كاثرين دينوف وفينسنت كاسل، لحضور مهرجان البحر الأحمر السينمائي، الذي يُعتبر الحدثَ الأول من نوعه داخل المملكة.

وبشكل عام، يُعتبر “التركي” فعلياً أهم منتج أفلام سعودي داخل الولايات المتحدة، وقد كوّن شبكة علاقات كبيرة في كاليفورنيا خلال السنوات العشر الماضية نتيجةً لذلك، حيث كان يعمل بجد على التعرّف على المواد الخام لصناعة السينما (أي نجومها).

وفي السنوات الأخيرة، شارك في تمويل أفلام مثل Crisis عام 2020، وArbitrage عام 2012. واليوم، أصبح نموذجاً لجيلٍ جديد من رجال الأعمال الخليجيين. إذ يضم حسابه على إنستغرام مجموعةً من صور السيلفي التي تجمعه برجال ونساء جذابين من الشباب، وتُثبت صداقته لشخصيات شهيرة مثل ريتشارد غير، وميشيل رودريغيز، وإد ويستويك.

وبدأ “التركي” مسيرته في عالم السينما من قاعدة رأس مال ثابتة. فهو ابن عبد العزيز علي التركي الذي يمتلك، مع شقيقه صالح علي التركي، اثنين من أكبر تكتلات الشركات في المملكة: روابي القابضة، ونسما القابضة. لكن أعمال العائلة تجري إدارتها حالياً بواسطة شقيقته نوف التركي على نحوٍ متزايد، رغم أنّ ثروة العائلة قد تضخمت على مر السنوات، بفضل دورها كشريكٍ محلي للشركات العالمية الباحثة عن الفوز بعقود القطاع العام السعودية المربحة، خاصةً في مجالات الإنشاءات والنفط والأسلحة.

لكن المخيب للآمال، أن هذا المهرجان الذي يقام على بعد كليومترات من البيت الحرام، يترأسه رسمياً وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن محمد بن فرحان آل سعود، الذي تم تكليفه بقيادة مشروعات القوة الناعمة لمحمد بن سلمان بقطاع الثقافة بعد أن كان نشطاً في صناعة النفط داخل الولايات المتحدة. وتحت إشراف هذا الوزير، تأتي المهمة الصعبة لرئيس لجنة المهرجان محمد التركي، الذي يتعيّن عليه إقناع أبرز نجوم السينما العالمية بحضور المهرجان، علاوةً على تشجيع تطوير صناعة السينما المحلية.

ولجذب الحضور لهذا المؤتمر المشبوه، كرّم منظمو المهرجان في حفل الافتتاح وزير الثقافة الفرنسي الأسبق جاك لانغ، اليميني المتطرف ورئيس معهد العالم العربي بباريس، وكاترين دينوڤ أيقونة السينما الفرنسية والفنانة المصرية ليلى علوي، والمخرجة والمنتجة السعودية هيفاء المنصور.

لكن رغم هذه التنزلات، جاءت الانسحابات تترى على المؤتمر، لا سيما مع نجوم هوليوود الذين كانوا أكثر تحفظاً، إذ كانت فكرة دعم المهرجان السعودي قد تُهدد سمعة الفنانين داخل الولايات المتحدة، لأنه تحت رعاية ولي العهد الذي تتهمه وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بأنّه أمر باغتيال الصحفي المعارض جمال خاشقجي، كما تقول الصحيفة الفرنسية.

ومنذ عام 2012، دخلت “نسما” في مشروع مشترك مع مجموعة Raytheon الأمريكية لتطوير قدرات “القيادة والتحكم والاتصالات والاستخبارات” الخاصة بوزارة الدفاع السعودية. وحينها وقَّع على العقد الأمير سلمان بن عبد العزيز، الذي صار الملك الحالي للمملكة العربية السعودية.

ويُعتبر “التركي” معروفاً في باريس، فهو من عشاق عروض الأزياء، وعادةً ما يتناول العشاء مع شخصيات مؤثرة في عالم الموضة هناك مثل ناتاليا فوديانوفا، عارضة الأزياء الروسية السابقة وزوجة أحد ورثة إمبراطورية LVMH للمنتجات الفاخرة أنطوان أرنولت.

ولتعزيز قائمة معارفه، يعتمد “التركي” على علاقاته بأثرياء العالم ونجوم المجتمع من أمثال عفاف جنيفان، مقدمة البرامج التونسية الإيطالية السابقة. وفي إحدى المناسبات ساعد سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، على الانضمام لأثرياء العالم الذين يركبون الطائرات النفاثة عبر صفقةٍ مع Airbus Group.

يبدو أن مهرجان البحر الأحمر السينمائي هو الجزء الظاهر فقط من استراتيجية محمد بن سلمان الكبرى. فعلاوةً على الترويج للحدث المرموق، يمنح الأمير كذلك دفعةً قوية لمنظومة السينما المحلية، بهدف الاستفادة كليا من وجود المسجد الحرام في حوزة الأرض المحكومة من هذا النظام الذي لم يعد يحمل للكعبة المشرفة أي تقدير سوى أنها مركز سياحي يجب الاستفادة منه بكل طريقة ممكنة لا أكثر.