تغيير حجم الخط ع ع ع

 

يحفل التاريخ السياسي الإنساني بآلاف المحاولات الانقلابية التي غيرت وجه تاريخ عدد من البلاد، والتي تشترك جميعها في كونها دائما ما قوضت تقدم البلاد وأفشلت تجاربها الراشدة، وحوّلتها إلى مصير شائك ممتليء بالدماء والقتل، ولم يعرف التاريخ كله على امتداده انقلابا عسكريا قاد بلدا للرخاء أو التقدم أو تعزيز الاستقلال والاستقرار. وللمصادفة، فإن هذه هي الشعارات نفسها التي يرفعها قائد كل انقلاب عسكري وقع عبر التاريخ.

لكن وبينما قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين بأن مصير أغلب الانقلابات العسكرية هو النجاح، فإن الواقع التاريخي والرصد الإحصائي يتحدث عن نتائج مغايرة تماما، إذ يمكن القول إن الانقلابات الفاشلة عبر التاريخ هي القاعدة، رغم اشتهار الانقلابات الناجحة التي تمثل الاستثناء، فبينما لا يتذكر التاريخ فقط سوى ما ينجح منها، فإن كل عام تعلن حكومة هنا أو هناك نجاحها في السيطرة على انقلاب مزعوم قاده عدد من العسكريين المعارضين للحكم القائم في البلاد، وهو أمر عادة ما يكون من الصعب التأكد حقوقيا وتوثيقيا من صحة ادعائه، لكنه مما لا شك فيه ينتهى دائما بالإطاحة بالقادة المزعومين لهذا الانقلاب الفاشل.

لكن ليس كل انقلاب تُسقطه الحكومة القائمة، إذ يحفل التاريخ بانقلابات فاشلة نجحت الشعوب نفسها في مقاومتها حتى أسقطتها، وهي عادة ما تكون انقلابات على حكومات منتخبة أو مشروعات سياسية ناجحة، توغر صدور العسكريين في صدارة المدنيين مما يدفعهم للانقلاب معتمدين على قوة السلاح والدعم الغربي الذي يرفض أي تصدر لدولة من دول ما يطلقونه عليه دول العالم الثالث في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

وإذا كانت البلاد العربية لها موقع الصدارة في الانقلابات الناجحة عبر التاريخ، فإن هذه الصدارة تمتد أيضا حتى في معدل الانقلابات الفاشلة، والتي سنخص بالذكر منها الانقلاب الفاشلة التي وقعت في شهر يوليو، شهر الانقلابات الأشهر عبر التاريخ، حيث تضم القائمة محاولة انقلاب فاشلة في سوريا، وثانية في السودان، ثم ثالثة في المغرب، لتنضم هذه القائمة إلى انقلاب كوبا الفاشل بأميركا اللاتينية قبل 68 عاما؛ وأخيرا الانقلاب الفاشل في تركيا منتصف العام 2016.

والبداية من كوبا اللاتينية، والتي شهدت مع اعتلاء الجنرال العسكري فولخينسيو باتيستا سدة الحكم في البلاد عام 1952، تحول الثائر الشاب فيدل كاسترو البالغ من العمر حينها 26 عاما إلى التيار اليساري الراديكالي، مقررا بذلك القيام بتحرك على نطاق واسع برفقة شقيقه وعشرات من رفاقه، لقلب نظام الحكم الذي جاء إثر انقلاب عسكري.

وفي 26 يوليو عام 1953، هاجم أفراد المجموعة اليسارية بعد التدريب سرا على استخدام الأسلحة، ثكنة مونكادا متنكرين في أزياء عسكرية، لكن العملية فشلت بعد أن باغتتهم دورية للجيش، ووقعوا في قبضة الجيش، الذي قتل العشرات منهم بعد أن تعرضوا للتعذيب، وفي النهاية، حُكم على كاسترو بالسجن 15 عاما.

وعربيا، سرعان ما لحقت سوريا بالقائمة التي شهدت مشاركة لؤي الأتاسي في الانقلاب على الرئيس أديب الشيشكلي عام 1954، ونجح على إثرها في تولي منصب رئيس الجمهورية السورية إلى أن حدثت ضده محاولة انقلاب فاشلة في 18 يوليو 1963، وكانت قوية للحد الذي دفعه لاحقا لتقديم استقالته خوفا على حياته من تكرار هذا السيناريو مجددا لتصفيته.

وفي السودان، وصل جعفر النميري إلى سدة الحكم عقب انقلاب عسكري وقع عام 1969، ومنذ ذلك الوقت حدثت ضده عدة محاولات للانقلاب عليه، وقع أولها في 19 يوليو 1971، وهو الانقلاب المعروف بـ”انقلاب هاشم العطا”، لكن النميري وأعوانه أحبطوا الانقلاب بعد 4 أيام، وحاكموا الانقلابيين عسكريا في منطقة الشجرة العسكرية جنوب الخرطوم، وحكم بالإعدام على أغلبهم.

وشهد المغرب في العاشر من يوليو من العام 1971، قبل 50 سنة، محاولة انقلاب فاشلة قادها كل من رئيس الحرس الملكي الجنرال محمد المذبوح، وقائد المدرسة العسكرية محمد اعبابو، وشارك فيه طلبة المدرسة من دون علمهم المسبق بأنه انقلاب ضد الملك الذي كان يستقبل زوارا داخل قصر الصخيرات، وقُتل عدد منهم بعدما أعطى اعبابو أوامره بإطلاق الرصاص.

وربما كان من المنطقي ترحيل اسم تركيا إلى نهاية التقرير، ليس لأنها شهدت آخر انقلاب عسكري فاشل أسقطته الشعوب وحسب، بل أيضا لأنها شهدت عبر تاريخها 5 انقلابات عسكرية منذ عام 1960، نجحت جميعها باستثناء انقلاب 15 يوليو 2016، الذي فشل في الإطاحة بالسلطة المنتخبة بعد ثورة شعبية عاجلة ضده.

هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة نفذتها عناصر من الجيش تتبع ما يسمى بـ”تنظيم غولن الإرهابي”، التي حاولت السيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها الأمنية والإعلامية، لكن وعلى عكس الانقلابات الأخرى التي عاشتها تركيا وأطاحت بحلم التعددية والديمقراطية والحرية في البلاد، واجه الشعب التركي الانقلابيين ودحرهم.

وقوبلت المحاولة الانقلابية باحتجاجات شعبية عارمة في معظم المدن والولايات التركية؛ وتوجه المواطنون بحشود غفيرة تجاه البرلمان ورئاسة الأركان بالعاصمة، والمطار الدولي في مدينة إسطنبول، ومديريات الأمن في عدد من المدن، وأجبر الموقف الشعبي آليات عسكرية كانت تنتشر حول تلك المقرات على الانسحاب، مما أسهم بشكل كبير في إفشال المخطط الانقلابي الذي أوقع نحو 251 شخصا و2200 جريح، خلال 15 ساعة فقط.