تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة_ منذر العلي

حرج بالغ يبدو أن مصر وقعت فيه بعد الكشف عن مخطط السلطة الفلسطينية وحركة فتح بقيادة محمود عباس لنسف المصالحة مع حركة حماس وتصفيتها خلال عامين.

تفاصيل الوثيقة المسربة، التي نشرها وحللها (العدسة)، تمس القاهرة بشكل مباشر في 3 قضايا رئيسية: المصالحة، وصفقة تبادل الأسرى مع إسرائيل، والتفاهمات بين حماس ودحلان، مصر رعت القضايا الثلاث، فنجحت في إنجاز الأولى، وتستعد للثانية، ويبقى الغموض مغلفًا للثالثة.

3 ملفات شائكة

الإصرار المصري على إتمام المصالحة عبرت عنه تصريحات الوزير خالد فوزي رئيس جهاز المخابرات العامة، لدى وصوله إلى غزة في 3 أكتوبر الجاري، لحضور أول اجتماع لحكومة الوفاق في القطاع، تمهيدًا لاتفاق المصالحة الموقع في 12 أكتوبر بالقاهرة.

“فوزي” ربط بين إتمام المصالحة الفلسطينية والأمن القومي المصري، وفي الوقت ذاته أطلق تصريحًا في منتهى الخطورة، حيث قال: “لا يغيب عن أذهاننا ما تقوم به بعض الأطراف لعرقلة التوصل إلى الوفاق الفلسطيني”، (وهو ما سنتناوله لاحقًا بمزيد من التفصيل).

توقيع اتفاق المصالحة بين “فتح” و “حماس” بالقاهرة

وفي الشأن الثاني، فإن مصر تقود الجهود أيضًا لإنجاز صفقة أسرى، ربما تكون تاريخية بين حماس والاحتلال الإسرائيلي، وهو ما كشفه يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي للحركة في قطاع غزة.

“السنوار” أكد أن حركته وافقت على صفقة لتبادل الأسرى مع إسرائيل قدمتها مصر، وأضاف أن “هذه التطورات جاءت استجابة للمقترح المصري، الذي عرض على وفد الحركة أثناء إقامته في القاهرة، وهذه المعلومات وصلت للحكومة الإسرائيلية عبر المكلف من طرفها بإدارة المفاوضات بهذا الشأن”.

وعلى الرغم من خفوت الحديث عن التفاهمات التي جرت بين حماس والقيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان، في أعقاب المصالحة، إلا أن تلك التفاهمات تبقى متعارضة مع المصالحة، إذا وضعنا في الاعتبار الصراع المحتدم بين دحلان وعباس.

” عباس ” و ” دحلان “

كما تبقى تلك التفاهمات متمتعة بأهمية استراتيجية لحماس، التي ترى في التقارب مع دحلان إرضاءً للقاهرة المتصدرة للمشهد حاليًا، واللاعبة للدور البارز في قضية المصالحة، وما يربط القيادي الفتحاوي بمصر كونه الذراع التي تستخدمها الإمارات، وتحديدًا ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، في العديد من الأزمات بالمنطقة، وفق ما ذكرته صحيفة “لوموند” الفرنسية أكتوبر الجاري.

وبالرجوع إلى الوثيقة نجد أنها نسفت فكرة المصالحة من الأساس، ووصلت إلى حد التخطيط لتصفية حماس، كما كشفت مخططات فتح لعرقلة إنجاز أية صفقة لتحرير الأسرى، وأفصحت فتح من خلالها عن نيتها عدم إلغاء الإجراءات العقابية بحق غزة، طالما كان لدحلان موطئ قدم في القطاع.

القاهرة تقلب الطاولة !

وهكذا تبدو مصر محاصرة بين جدران هذه القضايا الشائكة، إلى حد يدفعها لضرورة الاختيار بين الأطراف، أو حتى محاولة المصالحة بينها.

سيناريوهات رد الفعل المصري على الوثيقة وما تشكله من تهديد غير مسبوق لدور مصر الوسيط في الملفات السابقة تبدو محصورة بين 3 توقعات فقط.

أول السيناريوهات، هو أن تصر مصر على نزاهتها في الوساطة وعدم نقض ما تعهدت به، وبالتالي المضي قدمًا في طريق المصالحة وصفقة الأسرى وتفاهمات حماس ودحلان، دون الالتفات إلى مخططات عباس.

” السيسي ” و ” عباس “

وقد لا يكون الأمر مجرد تجاهل، بل يصل لمرحلة الضغط والإجبار، نظرًا لما تصبو إليه القاهرة من استقرار في سيناء المشتعلة، وهو الأمر المرتبط ارتباطًا وثيقًا بهدوء الأوضاع في المنطقة الحدودية مع غزة.

وبهذا تحافظ مصر على مكانتها ودورها، بعد الجهود المضنية التي بذلتها من أجل استعادة زمام الأمور في القضية، إثر سيطرة تركية قطرية إيرانية خلال السنوات القليلة الماضية، التي شهدت تعمق الخلافات والتوترات بين القاهرة والحركة على خلفية الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013.

الأزمة تراوح مكانها

أما السيناريو الثاني الذي يبدو مستبعدًا بشكل كبير، فيقود إلى أن تترك القاهرة الصراع الخفي الدائر في الكواليس، أو تحاول أن تخفف من وطأته بتحركات مستمرة في الاتجاه الذي رسمته من خلال خطواتها السابقة.

وهنا تجب العودة إلى جزء من تصريحات رئيس جهاز المخابرات المصرية، أشرنا إليه سابقًا، وينطوي على دراية القاهرة الكاملة بما يحاك من مخططات لاستمرار الانقسام الفلسطيني وعدم تطبيق اتفاق المصالحة.

” خالد فوزي “

فهل يمكن الجزم بأن مصر تراقب خطوات عباس، وهذا احتمال مرجح، لكنها لا تريد أن تلطخ الصورة المبهرة لاتفاق المصالحة، وتعمل جديًّا في الاتجاه المضاد لإحباط خطط السلطة الفلسطينية.

أم أن التصريح كان يقصد أطرافًا أخرى إقليمية أو دولية أو حتى محلية، من فصائل مناهضة للاتفاق؟.

هل تتواطأ مصر ضد حماس؟

أما السيناريو الثالث المريب للغاية، وينتصف فرص التحقق مع السيناريو الأول، فيشير إلى تحرك مصري ضد حماس، تميل فيه الكفة باتجاه عباس، لتنفيذ خطته الشيطانية.

تلك إذن خطة محكمة تلعب مصر فيها دورًا مشبوهًا ذا أوجه متعددة، بحيث تظهر لحماس وجه الحريص على تحقيق المصالحة، وعدم نزع سلاح المقاومة، وحل القضية الفلسطينية برمتها، بينما يشارك الوجه الخفي في خطط ومؤامرات تحاك ضد الحركة في السر.

هذا السيناريو لا يقوم فقط على أساس قبول القاهرة بخطة عباس، لكن بافتراض أنها تعلمها جيدًا، بل هي من وضعتها، أي أنها متآمرة ضد حماس، وكانت تستهلك الوقت طيلة الفترة الماضية في التلاعب بالحركة وإيهامها بأن التقارب ليس مستحيلًا.

الانقلاب المصري المحتمل – إن صحت التسمية – على حماس والتنصل من الاتفاقات والتفاهمات بين الطرفين، لن يأتي دفعة واحدة بصورة فجة، بل سيكون عبر العديد من الخطوات التمهيدية التدريجية التي تخلق فيها مصر جوًّا عامًّا ملائمًا وفرصة مواتية للتخلص من حماس.

قد تكون أولى تلك الخطوات اختلاق الأزمات أو افتعال المشكلات مع حماس، كأن تتهم مصر الحركة بعدم تنفيذ ما اتفق عليه في أي من الملفات الثلاثة سالفة الذكر، أو حتى محاولة توريطها في أزمات داخلية مصرية، كما جرى واتهمتها رسميًا بالمشاركة في عمليات مسلحة ضد الدولة، بل وحكمت على بعض عناصرها بأحكام قضائية مغلظة، ويُحاكم مرسي وآخرون بتهمة التخابر معها.

” مجدي عبد الغفار ” يتهم حماس بالتورط في هجمات بمصر

التدرج في الأزمة، قد ينسحب أيضًا على تهديدات مبطنة، بنسف أي اتفاق ما لم يسر على الخطى التي ترسمها مصر، فضلًا عن تحريك الموقف الدولي خاصة الأمريكي والإسرائيلي ضدها، وضعًا في الاعتبار التقارب الشديد بين القاهرة وكل من أمريكا والاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة الماضية.

وقد تتصاعد الأمور لدرجة القيام بعمليات عسكرية كالاغتيالات أو غيرها بتخطيط وتنفيذ مصري، ومن المؤكد أن كل تلك الخطوات المحتملة سيرافقها ويدعمها حملة إعلامية موجهة عبر الفضائيات الموالية للسلطة في مصر، والتي حولت حماس من حركة إرهابية تتبع الإخوان إلى فصيل فلسطيني مقاوم وشريك في المعادلة.

لكن في حال سارت الأمور على هذا النهج، فإن الحرج قد يصيب مصر كثيرًا، وربما تلاحقها الاتهامات بالتخلي عن النزاهة في لعب دور الوسيط، والانحياز إلى طرف دون الآخر.

هذا السيناريو الكارثي ينسجم مع أحاديث متواترة عن خطة لضم 600 كيلو متر من سيناء تضاعف مساحة قطاع غزة 3 مرات، ونقل الفلسطينيين إليها، مقابل منح مصر المساحة ذاتها من صحراء النقب فى جنوب الأراضي المحتلة، مقابل إخلاء الضفة الغربية للاحتلال.

وقد تكون تلك الخطة هي ما تحدث عنها الرئيس عبدالفتاح السيسي في تصريح أدلى به خلال زيارته إلى أمريكا ولقائه ترامب في أبريل الماضي، حينما قال: “ستجدنى بكل قوة ووضوح داعمًا لأى مساعٍ لإيجاد حل للقضية الفلسطينية في صفقة القرن، ومتأكد أنك تستطيع أن تحلها”.