تغيير حجم الخط ع ع ع

كتب- باسم الشجاعي:

يعيش المسلمون في إثيوبيا مأساة حقيقية رغم كثرتهم -65% من نسبة السكان-، منذ القرن الحادي عشر في مقابل سيطرة النصارى على كافة المناصب السياسية والسيادية؛ حيث تصدر من حين لآخر الكثير من الإجراءات والقرارات التعسفية للتضييق على المسلمين.

ولكنها مع مطلع العام الجاري، أي بعد قرابة ألف عام، دخلت إثيوبيا عصرًا جديدًا في تاريخها باختيار “أبي أحمد علي” رئيسًا للوزراء، الذي أصبح أول مسؤول مسلم من عرقية “الأورومو” يحكم البلاد، في تحوّل قد ينجح بوضع حد للأوضاع المترديه وخاصة لأبناء ديناته.

وديموجرافيًا يبلغ تعداد إثيوبيا السكاني نحو 100 مليون نسمة، وتمثل مجموعة الأورومو أكبر القوميات الإثيوبية بنسبة تفوق 42% من مجموع السكان.

“آبي أحمد” (41 عامًا) أول رئيس وزراء لإثيوبيا من عرقية الأورومو –أغلبها مسلمون-، مع العلم أن الأخيرة هي أكبر القوميات في إثيوبيا، إذ تتراوح نسبتها بين 50 و60 في المائة من عدد سكان البلاد.

ويأتي الشاب من خلفية عسكرية، إذ شغل مناصب عدة في الجيش والاستخبارات خصوصًا، قبل أن ينخرط في المجال السياسي، خصوصًا كعضو في البرلمان الإثيوبي عن إقليم أوروميا، وأدى خلال ذلك دورًا محوريًا في إخماد مواجهات دينية شهدتها المنطقة.

وذلك على عكس العهد السابق؛ حيث كان الرئيس “زيناوي” كسابقيه وسعى على إبقاء الطابع المسيحي للحبشة؛ فجعل نصيب المسلمين من مقاعد البرلمان 22% فقط، ونصيبهم من الوزارات ثلاث وزارات غير سيادية من أصل ثماني عشرة وزارة، كما حرص “زيناوي” على شنِّ الحملات العسكرية على تجمعات القوميات الإسلامية من حين لآخر دون انقطاع.

هل ستحل أزمة أكسوم؟

من المناطق التي يعاني فيها المسلمون بأثيوبيا مدينة “أكسوم”، والتي ترجع علاقتها بالإسلام إلى البدايات الأولى للدعوة.

حيث أمر النبي “محمد” صلى الله عليه وسلم أتباعه الذين ضاقوا ذرعا من بطش قريش بالهجرة إلى الحبشة؛ حيث استقبلهم أشامة بن أبجر “النجاشي”، ملك أكسوم، ووفر لهم الحماية ورفض تسليمهم إلى قريش كما كانت هذه الأخيرة تطالب بذلك.

ولكن الغريب في الأمر أن “أكسوم”، التي توجد فيها نسبة لا بأس بها من المسلمين، لا يسمح لهم بإقامة مسجد لأداء شعائرهم في المدينة حتى الآن.

ولكن يبدو أنه مع تولي “أبي أحمد” زمام الأمور في البلاد سيستطع حلحلة الأزمة؛ حيث إن حجم الأمل المعقود على الرجل كبير، وهناك شبه إجماع على وطنيته المجربة.

فقد كان من أوائل المنضمين إلى حركة الثورة ضد نظام “منغيستو هيلا مريام” العسكري الذي أسقط سنة 1991 ولعب دورًا محوريًا في تلك الحركة، ومكانته البارزة في طائفة الأورومو الكبيرة والفاعلة.

وظهرت بودار حل الأزمة في تصريحات “أبي أحمد”، فيما يتعلق بمطالب مسلمي أكسوم بإقامة المساجد وأداء شعائرهم بحرية؛ حيث قال: “المسجد موجود في القدس، والكنيسة موجودة في أبو ظبي، وليس هناك ما يميز أكسوم عن غيرها من الأماكن، وليس هناك سبب مقنع لمنع بناء المسجد للمسلمين”.

“رئيس الوزراء الجديد”، أضاف: “كما أنه في زمن مملكة أكسوم في عهد النجاشي بنى بنفسه وعلم الحب والتعايش السلمي فإن على أمة أكسوم والأورتودكسيين الموجودين هناك أن يقوموا بذلك، وأنا على يقين كامل بأنهم سيقومون بذلك بكامل المسؤولية، وأن الذي يليق بنا المحبة والتعايش السلمي”.

وختم كلامه قائلًا: “إنني ألقي المسؤولية على الأورتودوكسيين في أكسوم كي يقوموا أن يفعلوا ما ينبغي فعله تجاه إخوانهم المسلمين هناك”.

بداية الاحتكاك

وبالرغم من أن الصلات بين الأحباش والمسلمين كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم طيبة وودية، إلا أن الاحتكاكات بين الأحباش والدول الإسلامية بعد ذلك منذ عهد “عمر بن الخطاب”، وذلك حين تعرض ميناء جدة لغارات الأحباش مما اضطر المسلمين لرد عليهم العدوان.

وفي عام 83 هـ، اضطر المسلمون لوضع قوات بمدينة قريبة من الحبشة، وذلك لضمان مراقبة تحرك الأحباش، وقد وجدت بهذه الجزر نقوش عربية وشواهد قبور ترجع إلى منتصف القرن الثالث الهجري مما يدل على أن العرب المسلمين كان لهم بهذه الجزر حتى هذا التاريخ ومن هذه المدن “زيلع، وهرر، وجما” .

وسجل التاريخ مراحل متعددة بين ممالك الطراز الإسلامية ومملكة الحبشة المسيحية، فقد طمع الأحباش في مد سلطانهم لهذه الممالك التي بحكم موقعه الاستراتيجي في منطقة القرن الأفريقي.

وقد أرسلت “هيلانة” ملكة الحبشة في عام 1510 رسولاً إلى “عمانويل” ملك البرتغال، بهدف الاتفاق على عمل مشترك ضد القوى الإسلامية، لكنها أيضاً كانت تنوي مهاجمة مكة وهي في هذا بحاجة لمساعدة الأسطول البرتغالي الذي أحرز انتصارات حاسمة على الأساطيل الإسلامية في المحيط الهندي.

وقد استجابت البرتغال لهذا الطلب الحبشي وأرسلت قوة على رأسها أحد أبناء فاسكو دا جاما، وقد منيت القوات البرتغالية بخسائر فادحة وقتل قائدها، لكن لم تستطع القوارب الإسلامية أن تحقق نصرًا على الحبشة والقوات المؤازرة لها.

إلا أن الدولة الأموية أرسلت قوات بحرية احتلت جزر دهلك قرب الشاطئ الإرتري، واتخذت الدعوة الإسلامية طرق التجارة، فانتشرت تحت جناح السلم.

وظهرت جاليات عربية مسلمة في مدن الساحل، مثل: “باضع، وزيلع، وبربرة”، وبدأ نفوذ الدعوة ينتقل إلى الداخل في السهول الساحلية، وفي صلب الحبشة.

وما أن حل القرن الثالث الهجري حتى ظهرت إمارات إسلامية في النطاق الشرقي، والجنوبي الشرقي من الحبشة، ودعم هذا الوجود الإسلامي، هجرة بعض الجماعات العربية، وزاد اعتناق أبناء البلاد للإسلام.

وساد الإسلام النطاق السهلي الساحلي في شرقي الحبشة، والمعروف الآن باسم إرتريا، كما توغل إلى المرتفعات الجنوبية، بل وصل إلى وسط الحبشة، واستمر الصراع بين المسلمين والمسيحيين، بل انتقل بين المذهبين المسيحيين الكاثوليكي، والذي وفد إلى الحبشة مع البرتغاليين، والأرثوذكسي المذهب الأساسي للمسيحيين الأحباش، وقد أدى هذا إلى مهادنة المسلمين بالحبشة، فأخذ الإسلام يزداد انتشارًا في ظل السلام.

الاضطهاد الحديث

أما حديثا فقد شهد القرن الحادي عشر الميلادي تأزمًا حقيقيًا  بين السلطة الأثيوبية والمُسلمين، وتحديد في عهد الملك الأثيوبي “يوحنس الرابع” تم إجبار المسلمين على ترك دينهم مما دفعهم إلى طلب المساعدة من مصر في أيام الخديوي “إسماعيل” باشا، ودارت مناوشات بين الطرفين الأثيوبي والمصري انتهت بمعركة “كوندت” أو “كودا كوده”  عام 1875 والتي انتصرت فيها أثيوبيا على مصر.

وبعد قيام الثورة المهدية في السودان ازداد خوف الإمبراطور “يوحنس الرابع” من مناصرة تلك الثورة لمسلمي أثيوبيا فقام بتوقيع معاهدة “هيويت” مع بريطانيا مما أدى إلى اندلاع معركة “القلابات” بين الحدود الأثيوبية السودانية، وانتهت بقتل الإمبراطور “يوحنس” الرابع على يد أنصار الثورة المهدية في السودان بقيادة الأمير الزاكي طمل في مارس 1889.

وفي عام 1981، حدث تحسن ضئيل على أوضاع المسلمين بإثيوبيا، فبدأ المسلمون في بناء بعض المساجد والمدارس الإسلامية، وعاد التعليم الإسلامي إلى المدارس الملحقة بالمساجد

ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، بدأ يعاني المسلمون في إثيوبيا من كثير من السياسات العنصرية، كإغلاق مكاتب بعض المؤسسات الإسلامية الدولية لا سيما من قبل الحكومة الإثيوبية.

كما قامت السلطات الإثيوبية بحرمان المسلمين من المراكز القيادية في الدولة، وهو هدف سعت إليه الكنيسة الإثيوبية والنصارى على مدار الألف عام الماضي.