تغيير حجم الخط ع ع ع

جلال إدريس

“رائحة الجثث تفوح من كل مكان، جثامين الأطفال والنساء ملقاة في الشوارع، الرغاوي البيضاء تخرج من أفواههم، بعد أن احترقت أحشائهم بغاز الكلور الذي ابتلعوه، أجسادهم مخشبة كأنهم محنطون، مشاهد دموية ولا إنسانية، تفضح ضمير العالم، وتعري مدعي حقوق الإنسان في كل مكان”.

إنها مدينة “دوما السورية” التي فجعت ليلة أمس 7 أبريل 2018، بمقتل 150 مدنيا وإصابة المئات  الآخرون أغلبهم من الأطفال، بعد أن أختنقوا جراء استهداف النظام السوري مدينة دوما في الغوطة الشرقية بصواريخ يرجّح أنها تحوي غاز الكلور السام وأخرى تحوي غازا يرجح أنه غاز السارين المحرم دوليا، بحسب الأعراض الظاهرة على المصابين.

إجرام بشار في دوما قضى على الأخضر واليابس، حيث هدمت المباني بصواريخه الروسية، وقتل الأهالي بغازه المسموم، ليسطر بشر بتلك الجريمة فصلا جديدا من فصول انتهاكاته الدموية ضد الشعب السوري، في ظل تواطئ وصمت دولي وعربي.

نشطاء وسياسيون ومغردون طرحوا سؤالا واحدا منذ قصف “دوما” بالكيماوي، أين الحرب الدولية على الإرهاب،  لماذا يصمت الجميع الآن؟ لماذا لاتعتبر أمريكا أن قتل الأطفال السوريين هو إرهاب خطير يجب مواجهته، وبالتالي تتصدى لمجازر بشار الأسد بالتعاون مع العالم أجمع؟!

 

250 غارة في ليلة واحدة !

وفقا لمصادر سورية فقد نفذت الطائرات الحربية التابعة للنظام السوري وحليفه الروسي عشرات الغارات استخدمت فيها القنابل العنقودية المحرمة دوليا في أعنف تصعيد تشهده المدينة منذ أيام.

وأعلن فصيل جيش الإسلام في دوما أن الطائرات الروسية شنت أكثر من 250 غارة جوية على مدينة دوما ومحيطها خلال الساعات القليلة الماضية.

وذكر الدفاع المدني أن فرقه أضحت عاجزة عن العمل في ظل القصف المكثف بعد أن تعرضت المدينة لقصف بالغازات السامة.

وبث التلفزيون الرسمي السوري مشاهد مباشرة للغارات على دوما أظهرت أعمدة الدخان تتصاعد من المدينة المدمرة، في حين ذكرت مصادر طبية في مدينة دوما أن من بين القتلى أطفالا ونساء استنشقوا الغازات السامة.

فيما أكد أحد الأطباء في دوما أن “وتيرة القصف على حالها من دون توقف”، وأضاف “لم نتمكن حتى الآن من إحصاء عدد الجرحى” مشيرا إلى وفاة عدد منهم للاكتظاظ الحاصل في غرف العمليات.

سبب التصعيد الخطير

ويؤكد مراقبون أن التصعيد الخطير من قبل النظام السوري وروسيا يأتي بعد تعثر المفاوضات بين فصيل جيش الإسلام الذي يسيطر على دوما والجانب الروسي الذي يصر على أن يسلم جيش الإسلام سلاحه بالكامل مقابل الموافقة على بقائه في المدينة.

وقال “مراسل  قناة الجزيرة الإخبارية” في ريف حلب الشمالي معان خضر إن التصعيد العسكري يأتي في إطار المفاوضات الدائرة بين الجانب الروسي وفصيل جيش الإسلام التابع للمعارضة السورية.

وأضاف أن النظام يأمل تجنب المواجهة العسكرية التي ستكون طويلة مع فصيل “جيش الإسلام” مشيرا إلى أن أكثر من مئة ألف مدني لا يزالون محاصرين في دوما.

من جهتها، قالت وزارة الدفاع الروسية إن الأوضاع في دوما تتدهور، وذكرت أن سبعة مدنيين قتلوا وأصيب 42 آخرون بجروح في قصف بالصواريخ وقذائف الهاون من قبل جيش الإسلام على مناطق سكنية في دمشق ومواقع لقوات النظام.

يشار إلى أن قوات النظام السوري المدعومة بالطيران الروسي استأنفت الجمعة هجومها على دوما بعدما تعثر اتفاق إجلاء “مبدئي” أعلنته روسيا وتعرقلت المفاوضات مع فصيل جيش الإسلام المسيطر على المدينة.

ماهو الكيماوي؟

جريمة القصف بالكيماوي التي شهدتها “دوما” أمس ارتكبتها قوات النظام السوري بغازي الأعصاب والكلور، وتسببت في مقتل مئات من الأطفال والنساء، فماهو الكيماوي وما آثار تلك الغازات السامة؟

غاز الأعصاب هو مادة كيمياوية تُستخدم كسلاح كيمياوي فتاك، يشبه آلية عمل المبيدات الحشرية التي تُصنع من الفوسفات العضوية.

لكن غاز الأعصاب أقوى بجسم الإنسان، وهو أنواع منها: السارين والتابون وغاز VX.

ومن أعراض الإصابة بغاز الأعصاب حدوث صعوبة في التنفس، والسعال، والشعور بآلام في العين، والتعرق الشديد، وسيلان في الأنف، وزيادة إفراز اللعاب وسيلانه، والغثيان، والتقيؤ، والإسهال.

أما غاز الكلور السام، فهو أكثر كثافة من الهواء، وله رائحة قوية جداً للغاية، ويتفاعل بسرعة. وهو مادة سامة غير محظورة، إلا في حال استخدامها سلاحاً، كما حدث بالفعل خلال الحرب العالمية الأولى.

ويؤثر غاز الكلور على العين والجلد والجهاز التنفسي، فيؤدي إلى عدم وضوح الرؤية وحدوث احمرار وقروح بالجلد، وحرقة في الأنف والحلق والعين، وسعال وصعوبات في التنفس.

لماذا يصمت العالم؟

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ضجت المواقع صباح الأحد، بصور وأخبار مجزرة دوما المفجعة والصادمة التي تسبب بها قصف قوات النظام السوري لمدينة دوما المحاصرة شرقي دمشق بالأسلحة الكيمياوية، متسائلين عن سبب صمت العالم على تلك المجازر اللإنسانية.

وغرق موقع تويتر بصور الجثث والأطفال وعيونهم الحائرة بين الدماء والسماء، وعبر المغردون من جميع أنحاء العالم عن استنكارهم لما يحدث من إبادة جماعية بتوقيع من رئيس النظام السوري وروسيا وإيران، بحسب أحد المغردين.

فيما أظهرت عشرات الفيديوهات، مقاطع تبدو وكأنها من الأفلام حيث الدمار والدخان يغطي المكان.

وتساءل النشطاء والمغردون، عن دور الجامعة العربية، ومجلس التعاون الخليجي، والاتحاد الأوربي، ومجلس حقوق الإنسان الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة، ومنظمة التعاون الإسلامي مما يحدث في سوريا !.

وأكد النشطاء والمغردون أن الصمت الدولي يكشف عن تواطئ العالم مع بشار الأسد وإعطاءه الدور الأخضر لإبادة الشعب السوري بدم بارد، ثم الخروج بعد ذلك بتصريحات جوفاء عن وجوب وقف النار، وعمل مفاوضات وهدنة، دون الإلتفات إلى تلك الجرائم الإنسانية ومحاكمة المسؤلين عنها.

أمريكا وروسيا شركاء

ورغم أن وزارة الخارجية الأميركية،  دعت الأحد، المجتمع الدولي إلى “رد فوري” إذا تأكدت تقارير عن سقوط ضحايا بأعداد كبيرة في هجوم بأسلحة كيمياوية على مستشفى في دوما بسوريا، إلا أن نشطاء وسياسيون أكدوا أن أمريكا شريكة أساسية في مذابح الأطفال السوريين، إذ أنها من فتحت الباب لروسيا، وصمتت على جرائمها دون أن تحرك ساكنا.

وكانت الخارجية الأميركية، أعلنت السبت أن الولايات المتحدة تتابع تقارير “مثيرة للقلق للغاية” عن هجوم كيمياوي محتمل في سوريا. وأن روسيا يجب أن تتحمل المسؤولية إن شملت الواقعة استخدام أسلحة كيمياوية مميتة.

وقالت الوزارة “تاريخ النظام في استخدام الأسلحة الكيمياوية ضد شعبه ليس محل شك.. روسيا تتحمل في نهاية المطاف مسؤولية الاستهداف الوحشي لعدد لا يحصى من السوريين بأسلحة كيمياوية”.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية هيذر ناورت في بيان “هذه التقارير مروعة وتتطلب رداً فورياً من المجتمع الدولي إذا تأكدت”.

واستشهدت ناورت بتاريخ رئيس النظام السوري بشار الأسد في استخدام الأسلحة الكيمياوية وقالت إن “حكومة الأسد وروسيا الداعمة لها تتحملان المسؤولية” وإن هناك حاجة “لمنع أي هجمات أخرى على الفور”.

وتساءل النشطاء، أين الحرب الدولية على الإرهاب، التي تقودها أمريكا، لماذا لاتعتبر أمريكا أن قتل الأطفال السوريين هو إرهاب خطير يجب مواجهته، وبالتالي تتصدى لمجازر بشار الأسد!.