تغيير حجم الخط ع ع ع

 

بعد الفوضى الليبية والفشل العراقي والكارثة الأفغانية يطرح سؤالا عن أسباب فشل التدخلات العسكرية الأجنبية ورفضها من قبل الشعوب في هذه الدول؟

تحت هذه الكلمات قالت صحيفة “لاكروا” الفرنسية: كانت ضربة قاسية لأمريكا، فبعد عشرين عامًا من انهيار برجي مركز التجارة العالمي، انتهى تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان بمشاهد مهينة من الفوضى بمطار كابول.

وأضافت “انتشار صور الأفغان المعلقين بجسم طائرة تابعة للقوات الجوية الأمريكية من طراز C-17 حول العالم، من بكين إلى الرياض ومن موسكو إلى هافانا، أدى إلى تأجيج خطاب الحكام المستبدين حول تراجع الديمقراطيات، وأثار أمل المتطرفين في منطقة الساحل وأقلق حلفاء واشنطن في كل مكان”.

وأكد الصحيفة الفرنسية أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان يعد نقطة تحول في تاريخ التدخل الغربي، الذي طال الكويت والبوسنة والساحل الأفريقي وغيرها من الدول تحت شعار الحرب ضد الإرهاب، والحرب من أجل الديمقراطية، والحرب باسم الحق في التدخل الإنساني، والحرب دفاعًا عن الحلفاء.

فمن جهتها أعلنت أمريكا أنها سئمت من هذه الصراعات المكلفة ذات النتائج غير المؤكدة، وفقًا للرئيس السابق دونالد ترامب، وخليفته في البيت الأبيض، جو بايدن أكد ذلك بالانسحاب من أفغانستان.

ووفقا لـ”لاكروا” فإن نتائج تدخل الولايات المتحدة في أفغانستان لم تكتب بعد، وسيعتمد ذلك على مصير الإنجازات التي تحققت منذ عام 2001: حقوق المرأة، وصول الفتيات إلى التعليم، التقدم في الصحة، وسائل الإعلام، بناء الطرق والمستشفيات، تدمير قواعد تنظيم القاعدة.

وقال الدبلوماسي جان ماري جينو عضو المجلس الأعلى للوساطة التابع للأمم المتحدة: إنه بالإمكان الحديث عن فشل كامل لواشنطن”، فالهجوم الذي شنه تنظيم داعش على مطار كابول أواخر أغسطس / آب يوضح زيف البيانات الناجحة بشأن مكافحة الإرهاب.

وتشير الصحيفة إلى أن الفشل الأمريكي يثير الجدل على نطاق أوسع حول معنى التدخلات الغربية المسلحة، في وقت تتكاثر فيه الأسئلة حول مشاركة فرنسا بمنطقة الساحل، وتساءلت هل يمكن لعملية عسكرية أن تؤدي إلى سلام دائم؟ ألا يحتمل أن يكون العلاج أسوأ من المرض؟

ويقول الضابط السابق راندال زبينين، باحث مشارك في مؤسسة ستراتيجيك فاونديشن: كل مهمة هي حالة خاصة، إذا أردنا تعلم بعض الدروس من التجارب الحديثة، فقد حان الوقت للرجوع إلى تاريخ بداية القرن الحادي والعشرين.

وتوضح الصحيفة أنه بالعودة إلى 11 سبتمبر/ أيلول 2001، أعادت أمريكا، التي أذهلها تدمير أبراج مركز التجارة العالمي، اكتشاف أفغانستان على خريطة العالم، بعدما أعلن جورج دبليو بوش على شاشة التلفزيون “الحرب على الإرهاب”.

كانت الأهداف العسكرية تقتصر على تدمير معسكرات تدريب الإرهابيين على الأراضي الأفغانية، واعتقال قادة القاعدة والإطاحة بنظام طالبان، لم يكن أحد في البنتاجون يريد بعد ذلك البقاء في “مقبرة الإمبراطوريات ففشل السوفييت لا يزال عالق في ذاكرة الجميع.

وأمام تقدم قوات تحالف الشمال الأفغانية، بدعم من القوات الجوية الأمريكية، تفرقت طالبان باتجاه الحدود الباكستانية، وانهار النظام دون قتال.

ويقول آدم باتشكو، الباحث في المركز الوطني للبحث العلمي: “في تلك المرحلة، انتصرت الحرب”، عرضت طالبان الاستسلام مقابل العفو، لكنها لم تتلق أي رد، وفي عامي 2003 و2004، كررت ذلك مرة أخرى لكن دون جدوى.

وبرفضهم اليد الممدودة، ضيع الأمريكيون فرصتهم في السلام بشروطهم، وقالوا “نحن لا نتفاوض مع الإرهابيين”، وظل البيت الأبيض يحارب لأكثر من عشر سنوات.

وبحسب المؤرخ والجندي ميشيل غويا: الحرب حوار مسلح ينتهي حتما بالمفاوضات، محاربة الإرهاب شعار يشيطن العدو ويصنفه في مرتبة المجرمين، لا يمكنك سوى تدميره، وهو أمر يصعب تحقيقه”.

 

وتلاشت الأحلام 

وفي السنوات الأولى، مُنحت القوات الخاصة تفويضًا مطلقًا لمطاردة رجال طالبان والقاعدة، الذين باتوا في نفس السلة، وظهر التعذيب، والسجون السرية، وجوانتانامو، والعديد من الممارسات التي شوهت صورة الديمقراطية الأمريكية، ومن السماء، تطلق الطائرات بدون طيار النار على المقاتلين ولكن أيضًا على المدنيين.

أدى ذلك إلى قيام طالبان بحمل السلاح مرة أخرى، وانضم إليها متطوعون، وشيئًا فشيئًا، وقع الجنود الأجانب في فخ حرب العصابات.

ويتذكر الباحث راندال زبينين، وهو ضابط سابق في القوات البحرية: “كان لدينا نصف مليون جندي في الجزائر أمام عشرة ملايين نسمة، وفي أفغانستان تم حشد 150 ألف جندي في ذروة التدخل – وهو عدد ضئيل للغاية للسيطرة على تضاريس بلد يبلغ عدد سكانه 27 مليون نسمة و25 ألف وادي.

وبينما كانت طالبان تبرز إلى الواجهة، اتجهت الولايات المتحدة إلى تدخل جديد عراق صدام حسين، ومن بين الأهداف الأخرى، يخطط صقور إدارة بوش لإقامة ديمقراطية هناك تخدم مصالحهم وتصبح نموذجًا في الشرق الأوسط، تكتب “لا كروا”.

وتابعت بعد عشرين يومًا من القتال، انهار نظام صدام حسين، ويتذكر عاصم الدفراوي، المتخصص في العالم العربي الإسلامي المعاصر: كان الجميع في العراق تقريبًا يؤيدون التدخل، لكن الأمريكيين، في غطرستهم الثقافية الاستعمارية الجديدة، لم يكونوا مستعدين لإدارة البلاد”.

فالأخطاء التي ارتكبت في العراق من خلال الإطاحة بكوادر حزب البعث من الإدارة والشرطة، وإضعاف جهاز الدولة، وتفكيك الجيش، دفع بعض الضباط السابقين إلى أحضان التمرد إلى جانب تنظيم القاعدة ثم داعش، وأدى انعدام الأمن إلى فقد احترام السكان، فالجيش الأجنبي الذي كان يتمتع باستقبال جيد لمدة عشرة أيام، تحول إلى قوات احتلال بعد مائة يوم.

وعقب ثماني سنوات وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يومًا، غادرت آخر القوات الأمريكية البلاد بعد تدخل كارثي أدى إلى اندلاع حرب أهلية وتفتيت البلاد وقتل أكثر من 100 ألف مدني، وتلاشت أحلام بناء الأمة والقيم الديمقراطية التي فرضتها قوة أجنبية.

أما في مارس/ أذار 2011، اتجهت قوات معمر القذافي نحو شرق البلاد لقمع الثورة الوليدة، وفي ظل شبح حمام الدم، نادت فرنسا من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في استخدام “جميع التدابير الضرورية” لضمان حماية السكان المدنيين.

ودافع السفير جيرار أرو عن الموقف الفرنسي في الأمم المتحدة عندما تم تبني القرار 1973، وبالفعل أدى التدخل الأجنبي إلى سقوط النظام، لكن في الأشهر التي تلت ذلك، عادت الأحقاد القديمة إلى السطح وغرقت ليبيا في الانقسام.

غير أن الأزمة السورية أبرزت حدود عدم التدخل، إذ رفض الأمريكيون في الواقع تطبيق مبدأ “المسؤولية عن حماية السكان”، الأمر الذي كان سيقودهم إلى قصف النظام في دمشق، ومع ذلك، فإن الصراع لم يتم حله، كما يتضح من مقتل 300 ألف شخص، ومأساة اللاجئين وتقسيم البلاد.

كما أنه في الشرق الأوسط أيضا، تشن السعودية والإمارات حربا مدمرة في اليمن منذ مارس/ أذار 2015 ضد الحوثيين، الموالين لإيران الذين أطاحوا بالحكومة، كما تشارك الإمارات في ليبيا إلى جانب المشير خليفة حفتر، في مواجهة حكومة الوحدة الوطنية.

وخلصت الصحيفة إلى أن الجيش يدرك جيداً أن الحرب تبقى حرباً لها نصيب من القتلى والدمار سواء كانت مغطاة بملابس المساعدات الإنسانية أو الحماية أو التدخل.

ويحذر روني برومان، الرئيس السابق لمنظمة أطباء بلا حدود أنه” من الناحية النظرية، الحرب ليست إنسانية على الإطلاق بسبب الدمار الذي تسببه، ومع ذلك، يمكن أن يكون مشروعًا سياسيًا في ظروف معينة”.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا