تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – معتز أشرف

بصرف النظر عن النتيجة التي كانت معروفة سلفا، فإن أذربيجان خَطَت، الأربعاء الماضي، نحو انتخابات رئاسية صورية لإقرار الولاية الرابعة للديكتاتور إلهام علييف، الذي يحكم البلاد منذ 15 عامًا، عقب وفاة والده بشبكة علاقات واسعة مع الكيان الصهيوني ودوائر الفساد، في مواجهة مقاطعة واسعة من المعارضة التي أعلنت أنها “قُمعت” وحرمت من القيام بحملة حقيقية، في ظل الحديث الواسع عن فساده.

فساد وقمع!

أحزاب المعارضة الكبرى تدين نقص الشفافية في هذا الاقتراع والضغوط التي تعرضت لها، وأعلنت مقاطعة التصويت ووعدت بتنظيم تظاهرات احتجاجية، مؤكدة أن قرار “علييف” تنظيم انتخابات مبكرة في أبريل بدلا من أكتوبر، ليس سوى إستراتيجية “لتقصير مدة الحملة” من أجل “كبح جهود المعارضة التي تهدف إلى الحد من تزوير الأصوات”، وصرح رئيس حزب الجبهة الشعبية المعارض علي كريملي قائلا: “إنهم يحرمون الناس من حرية التعبير والتجمع ويسكتون وسائل الإعلام ويقمعون المعارضة في أذربيجان، وهذه الانتخابات مهزلة والجميع يعرفون أن “علييف” سيقوم بكل بساطة بتزوير النتائج، إن عائلة “علييف” تحكم منذ 45 عامًا، وهذا يتنافى مع مبادئ أية جمهورية ديموقراطية”.

حزب البديل الجمهوري المعارض الذي اعتقل رئيسه ايلغارم محمدوف، منذ أن ترشح لمنافسة “علييف”، في 2013، أعلن أحد قادته “ناطق جعفرلي” أنه “لم تتح للمعارضة إمكانية القيام بحملة طبيعية”، وأضاف أن “كل الانتخابات السابقة في أذربيجان تم تزويرها ونظمت بانتهاكات فاضحة للقانون الانتخابي، وهذه الانتخابات أيضا لم تكن استثناء”، كما تقول الناشطة المعروفة في مكافحة الفساد خديجة إسماعيلوفا: “لعقود، احتكر أفراد عائلة “علييف” ثروات أذربيجان الوطنية، وجمعوا ثروة سرية هائلة”، وأضافت الصحفية الاستقصائية، التي أمضت في السجن 17 شهرًا بين 2014 و2016 لاتهامات قالت إنها تهدف إلى إسكاتها “إنهم يتمسكون بالسلطة لمواصلة نهب ثروات البلاد”، فيما كشفت صحيفة “واشنطن بوست” في 2010، عن وجود فيلا فاخرة تقدر قيمتها بستين مليون يورو في دبي باسم نجل الرئيس- كان تلميذًا حينذاك -وابنتيه ارزو وليلى.

وتواجه أذربيجان باستمرار انتقادات المنظمات الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان التي تدين قمع السلطة لمعارضي الرئيس “علييف”، وقد احتلت المرتبة 162 في الترتيب العالمي لحرية الصحافة للعام 2017، والذي وضعته “مراسلون بلا حدود”، كما أنها تستخدم ذريعة التطرف الإسلامي لاضطهاد معارضين سياسيين، وتصاعد قمع الشيعة بدأ عام 2010، حيث اعترض النشطاء المسلمون على منع الحجاب مما أدى إلى اعتقال رئيس حزب الإسلام وعشرات من الناشطين المدنيين، ويشكل الشيعة في أذربيجان نسبة 85% من مجموع السكان، فضلا عن الاضطرابات مع جارتها أرمينيا حيث تخوض صراعًا معها منذ أكثر من ربع قرن .

وكثيرا ما تتهم منظمة العفو الدولية السلطات الأذرية بقمع المعارضة والعمل على إلغاء وجودها، فضلا عن قمع المجتمع المدني والمعارضة السياسية، حيث تتعرض منظمات حقوق الإنسان للمضايقات والاضطهاد، وتخضع وسائل الإعلام الرسمية لسيطرة الحكومة، وتُجابه المنافذ الإعلامية المستقلة بالمضايقات والإغلاقات، ويتعرض الصحفيون المستقلون للترهيب والمضايقة والتهديد والعنف، ويقول نائب مدير برنامج أوروبا ووسط آسيا بمنظمة العفو الدولية، دينيس كريفوشيف: “توجه مدة الحكم المشين الطويلة ضربة لجميع الناشطين السلميين في أذربيجان، إن السلطات الأذرية ماضية في إظهار احتقارها الكلي لحرية التعبير عن الرأي، ويبدو أنها مصممة على إسكات جميع منتقديها عن آخرهم إلى درجة جعلتها مستعدة للدوس على الحقيقة”.

عميل صهيوني!

ليس بالفساد والقمع وحدهما وطد “علييف” موقعه في سدة الحكم، ولكن بالعلاقة غير المسبوقة مع الكيان الصهيوني، وهي العلاقة التي يصفها مراقبون صهاينة بـ”العلاقة الغرامية” موضحًا أنه في ظل التعاون الأمني الاستخباري بين البلدين بجانب عمليات تصدير السلاح بمبالغ مالية كبيرة، تحولت أذربيجان المصدرة للنفط إلى الدولة المسلمة الأكثر قربًا من إسرائيل في شمال منطقة الشرق الأوسط، فيما أشار إلى أن العلاقات الوثيقة بين إسرائيل وأذربيجان بدأت فور إعلان الأخيرة استقلالها عقب تفكك الاتحاد السوفياتي السابق عام 1991، وهذه العلاقات في طريقها للتطور والتنامي، خاصة أن الرئيس الأذري إلهام علييف يرى في إسرائيل حليفًا إستراتيجيًّا.

وبحسب المراقبين، فإن هذا التحالف يزداد قوة على خلفية اندلاع الصراع المتجدد بين أذربيجان وجارتها أرمينيا للسيطرة على إقليم ناغورنو كرباخ المتنازع عليه بينهما، حيث يستخدم جيش أذربيجان في هذه المعارك أسلحة ووسائل قتالية إسرائيلية، فضلا عن أن أذربيجان في نظر إسرائيل تكمن في أنها دولة تطل على بحر قزوين، ولديها حدود مع إيران وأرمينيا وروسيا وجورجيا، وهي أسباب تثير اهتمام إسرائيل، فضلا عن كون أذربيجان دولة مصدرة للنفط وموازنتها العسكرية السنوية كبيرة نسبيًّا، ما جعلها تضم قاعدة كبيرة لجهاز الموساد الإسرائيلي، تستغل قربها الجغرافي من إيران لتعقب ما يحصل داخلها من تطورات، وقد اتهم ناطقون إيرانيون جارتهم الأذرية بمنح الاستخبارات الإسرائيلية فرصة للقيام بعمليات أمنية فيها، بما في ذلك عمليات تجسس وتنصت ومراقبة فضلا عن أن قيمة العلاقات التجارية الثنائية بين إسرائيل وأذربيحان تصل إلى عدة مليارات من الدولارات، بما في ذلك شراء النفط الأذري لمحطات الطاقة الإسرائيلية بجانب صفقات السلاح، فضلًا عن اللقاءات الثنائية المشتركة بينهما، والزيارات المتبادلة بين وزراء الدولتين، وتُعد إسرائيل أحد أهم خمسة شركاء تجاريين لأذربيجان في السنوات الأخيرة، وبحسب المؤرخ الصهيوني الشهير، أليك إبشتاين، الدكتور في العلوم التاريخية، والخبير في معهد الشرق الأوسط، إذا نجحت إسرائيل في أن تكون مع أحد ضد إيران، فسوف تكون مع أذربيجان.

دولة عائلية!

الكيان الصهيوني وروابط الفساد وجدوا ضالتهم في عائلة علييف لاختراق الدولة القوقازية الغنية بالنفط، فأذربيجان تحكم منذ نصف قرن تقريبًا عن طريقة عائلة واحدة، حيث وصل علييف (56 عامًا) إلى السلطة في 2003 بعد وفاة والده حيدر علييف، الضابط السابق في جهاز الاستخبارات السوفيتي (كي جي بي) والزعيم الشيوعي الذي حكم أذربيجان بلا انقطاع تقريبًا من 1969 إلى 2003، وقد أعيد انتخابه في 2008 و2013 في انتخابات دانتها أحزاب المعارضة، وفي 2009، غير إلهام علييف الدستور ليتمكن من الترشح لعدد غير محدد من الولايات الرئاسية، في تغيير يجعل منه فعليًّا رئيسًا مدى الحياة، وعزز العام الماضي هيمنة عائلته على أذربيجان وعين زوجته مهربان علييفا، نائبة أولى للرئيس، وذلك عبر تعديلات دستورية تهدف إلى تمديد الولاية الرئاسية لتصبح سبع سنوات بدلا من خمس سنوات حاليًا، وإحداث منصبي النائب الأول للرئيس ونائب الرئيس، كما ألغى الحد الأدنى للسن القانونية الذي كان 35 عامًا من أجل الترشح لانتخابات رئاسية، وهذه التغييرات التي تمهد بحسب مراقبين لابن إلهام علييف، حيدر علييف البالغ من العمر 19 عامًا، أقرت بأصوات 91 % من الناخبين في استفتاء صوري، وعين إلهام علييف زوجته في المنصب بعد هذا الاستفتاء، وهو ما دفع خبراء الدساتير في مجلس أوروبا إلى إدانة هذه التعديلات معتبرين أنها “تضر بشدة بميزان القوى”، وتمنح الرئيس سلطة “غير مسبوقة”.