دخل قرار الخطوط الجوية اليمنية، الناقل الوطني الرسمي والوحيد في البلاد، بتعليق كافة رحلاتها الجوية الداخلية من وإلى أرخبيل سقطرى حيز التنفيذ، ملقياً بظلاله القاتمة على الواقع الإنساني والخدمي المتردي.
هذا التوقف، الذي جاء كأحدث تداعيات أزمة وقود الطائرات الحادة التي تعصف بالمطارات في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، لا يمكن فصله بحسب مراقبين واقتصاديين عن سنوات التدمير الممنهج والحصار الذي فرضه التدخل العسكري الإماراتي، الذي سعى عبر رعاية الميليشيات المسلحة والكيانات الموازية إلى تقويض سلطة الدولة ومؤسساتها السيادية، وتعطيل المنشآت النفطية والموانئ الحيوية، مما دفع بقطاع الطيران المدني نحو حافة الانهيار الشامل.
وأكدت مديرة الشركة في سقطرى، أحلام الحامد، في تصريحات صحفية أن قرار تعليق الرحلات سيكون مؤقتاً جراء الانعدام التام لخدمات التزود بالوقود داخل البلاد، وهو ما حال دون الالتزام بالجداول التشغيلية المعتمدة. وجاء هذا القرار الصادم بعد أيام قليلة من إعلان طيران اليمنية إلغاء رحلة دولية استراتيجية مجدولة على خط (سيئون – القاهرة)، جراء العجز الفاضح في توفير الكميات اللازمة من الوقود في مطار سيئون بمحافظة حضرموت، مما يعكس حجم المعاناة التي يكابدها المسافرون والناقل الوطني جراء الفوضى الاقتصادية والخدمية التي خلفها العبث الإقليمي بالبلاد.

استراتيجية تفتيت المؤسسات وتوقف العمليات الفنية في المحطات الخارجية
كشفت شركة اليمنية أن تفاقم أزمة إمدادات الوقود أجبرها في وقت سابق على اتخاذ تدابير فنية استثنائية وباهظة الكلفة، شملت التوقف الاضطراري لبعض طائراتها في مطاري جدة وجيبوتي لغرض التزود بالوقود نظراً لاستحالة تأمينه داخل المطارات اليمنية؛ وهو الإجراء الذي اتبعته الإدارة لضمان سلامة المسافرين واستمرار التشغيل في حده الأدنى. ويرى خبراء اقتصاد أن لجوء الشركة إلى المطارات الخارجية للتزود بالوقود يستنزف أصولها المالية الضئيلة ويضاعف كلفة النقل، في انعكاس مباشر للسياسات التدميرية التي انتهجتها أبوظبي عبر ميليشياتها لمنع تفعيل المصافي الوطنية وتعطيل تصدير النفط والغاز، وحرمان الموازنة العامة من عوائدها الحيوية.
من جانبه، أوضح الناطق باسم الشركة، حاتم الشعبي، أن الإدارة تواصل التنسيق المكثف مع الجهات الحكومية المختصة لمعالجة هذه الأزمة الطارئة وتأمين الاحتياجات الأساسية لاستئناف انتظام الرحلات؛ غير أن المؤشرات الميدانية تؤكد أن المعالجات الترقيعية لم تعد تجدي نفعاً أمام الشلل الهيكلي الذي يعاني منه قطاع الخدمات، في ظل إصرار القوى المدعومة إماراتياً على إبقاء الموانئ والمطارات والمنافذ الحيوية تحت قبضة أمنية وعسكرية موازية تحول دون انتظام الإمدادات النفطية والتجارية الرسمية.
أزمة الوقود تهدد موسم الحج وإجراءات تقشفية قسرية لحماية الرحلات
تزامن اشتداد أزمة نقص وقود الطائرات مع تصاعد المخاوف الشعبية والرسمية من تأثر برنامج نقل الحجاج اليمنيين خلال الموسم الحالي؛ إذ تداول ناشطون إشعاراً منسوباً إلى مكتب رئيس مجلس إدارة الشركة وموجهاً لوزارة الأوقاف والإرشاد، يوضح فيه أن تأخر وصول شحنة الوقود التي كان من المنتظر تفريغها في 28 مايو/ أيار الماضي يفرضه اتخاذ ترتيبات تشغيلية بديلة وقاسية لضمان عدم توقف رحلات الحجاج إلى البقاع المقدسة.
وتمثلت الحلول المقترحة من قبل إدارة الشركة في تشغيل الرحلات بعدد ركاب محدود جداً لا يتجاوز 120 مسافراً للطائرة الواحدة (رغم قدرتها الاستيعابية الأكبر)، وذلك لتقليل وزن الطائرة وتمكينها من الإقلاع بكميات وقود محدودة تتيح لها الوصول إلى مطار جدة للتزود بالوقود من هناك، مع التحذير من أن هذا الإجراء الاستثنائي سيؤدي قسراً إلى تأخير نقل أمتعة الحجاج وعدم وصولها برفقتهم في ذات الرحلة. وطالبت الشركة وزارة الأوقاف بتكثيف اتصالاتها مع الجهات المختصة للإسراع في توفير الوقود بمطار عدن، وحث وكلاء العمرة لشهر حزيران/ يونيو على تقليص الأمتعة للحد من التداعيات التشغيلية الكارثية لهذه الأزمة.
تركة التدمير: حصار الميليشيات والضربات العسكرية تسحق أسطول اليمنية
تواجه الخطوط الجوية اليمنية، باعتبارها الناقل الوطني التاريخي، جملة من التحديات اللوجستية والسياسية الضخمة التي تراكمت على مدار سنوات الحرب؛ فالشركة تعاني من خسارة فادحة في أسطولها الجوي جراء الضربات الجوية والاعتداءات العسكرية التي طالت البنية التحتية للمطارات، ولا سيما مطار صنعاء الدولي، فضلاً عن الاحتجاز والتعطيل المتكرر لأصول الطائرات المتبقية في مناطق السيطرة المختلفة؛ وهي العوامل التي تضافرت مع تراجع جودة الخدمات والشكاوى المستمرة للمسافرين لتضع الشركة في أضعف حالاتها التشغيلية منذ التأسيس.
إن وصول قطاع الطيران إلى هذا المستوى من العجز التام عن توفير وقود الطائرات في مطارات محورية مثل عدن وسيئون يعري الدور التخريبي للتدخل العسكري الإماراتي، الذي ركز طوال السنوات الماضية على عسكرة المنشآت الاقتصادية الحيوية، ودعم الكيانات المسلحة لفرض واقع التجزئة والتفتيت؛ هذا النفوذ الميليشياوي حال دون قيام الحكومة الشرعية بمسؤولياتها في حوكمة القطاع النفطي وتأمين المشتقات الأساسية، ليتحول المواطن اليمني في نهاية المطاف، سواء كان مريضاً يسعى للعلاج في الخارج أو حاجاً يقصد بيت الله، إلى ضحية مباشرة لسياسات الهيمنة وإفراغ الدولة من مقومات سيادتها.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين