تغيير حجم الخط ع ع ع

 

ما زال رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو يؤكد مع كل ظهور إعلامي له، انتصار جيشه بشكل كامل على “العدو” في قطاع غزة، فيما تكشف تعبيرات وجوه القيادات الأمنية الإسرائيلية المتراصة حوله مدى شكوكهم العميقة في صدق تصريحاته التي يبدو أنه فشل كليا في تمثيل دور المنتصر فيها.

 

وتعتمد سردية الانتصار التي يروج لها نتنياهو على الأرقام فقط، حيث أسفر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وبقية الأراضي الفلسطينية وداخل الخط الأخضر عن 279 شهيدا، بينهم 69 طفلا و40 سيدة و17 مسنا، في حين أدى إلى أكثر من 8900 إصابة، منها 90 صنفت “شديدة الخطورة”.

 

أما على مستوى البنية التحتية، ففي اليوم الثاني للتهدئة بقطاع غزة، بدأت تتكشف الأرقام التي تشير إلى حجم الدمار، الذي تعرض له القطاع، حيث ذكرت الأمم المتحدة أن نحو 17 ألف وحدة سكنية أو تجارية في قطاع غزة تضررت أو تم تدميرها بالكامل نتيجة القصف الإسرائيلي. وقدر المسؤول الفلسطيني الخسائر المالية نتيجة القصف الإسرائيلي بنحو 150 مليون دولار، مؤكدا أن التقييم ما زال مستمرا.

 

وكشفت وزارة الأشغال والإسكان في غزة، على لسان وكيلها ناجي سرحان، قوله لوكالة  “أسوشيتد برس”، إن ألفي وحدة سكنية دمرت بشكل كامل خلال القصف، فيما تضررت 15 ألف وحدة جزئيا، وأن 4 مساجد دمرت إلى جانب عشرات مكاتب الشرطة في غزة، مشيرا إلى أن معظم المصانع في المنطقة الصناعية دمرت أو تضررت. 

 

وتقول الأمم المتحدة إن 800 ألف شخص في غزة باتوا اليوم لا يحصلون بانتظام على مياه شرب نظيفة، لأن نحو 50% من شبكة المياه في غزة تضررت خلال المعارك الأخيرة، فضلا عن 53 مؤسسة تعليمية و6 مستشفيات و11مركزا صحيا تضررت نتيجة القصف الإسرائيلي.

 

من المنتصر؟

لكن ووفقا لثوابت العلوم الاستراتيجية، فإن نتائج “الحروب” لا تقاس بأعداد الضحايا، وإنما بمدى تحقق الأهداف المرجوة من إعلان الحرب، والمؤكد أن إسرائيل بدأت عدوانها على القطاع بهدف واحد وحيد، وهو القضاء كليا على المقاومة الفلسطينية، بحسب ما صرح به نتنياهو نفسه في بيان إطلاق العملية، وهو الأمر الذي لا يخفي على أحد عدم تحققه بأي شكل من الأشكال.

 

أكاذيب نتنياهو لم تنجح في تمرير الهزيمة القاسية التي مني بها الاحتلال هذه الجولة، حتى مع قياداته أنفسهم، إذ إنه ولأول مرة في تاريخ الاحتلال، يقر وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق أفيغدور ليبرمان بالهزيمة أمام المقاومة بعد ما وصفه بـ”الاتفاق المحرج” الذي أفضى لوقف إطلاق النار وأنهى 11 يوما من العدوان الإسرائيلي على غزة وسط صمود أسطوري من القطاع.

 

وانتقد ليبرمان بتصريحات حادة فعالية الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة وقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو له، معترفا بالهزيمة التي تعرضت لها إسرائيل حتى دون الاعتراف رسميا بذلك. وكتب وزير الدفاع الأسبق وزعيم حزب “إسرائيل بيتنا” اليميني المعارض أفيغدور ليبرمان -في تغريدة عقب الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار- “ستطلق حماس النار مرة أخرى في سنوات قليلة، وسنجري عملية جراحية”.

 

وحتى على مستوى جنود الاحتلال وقطعان المستوطنين، فشل نتنياهو في ترويج روايته، حيث كشف حوار أجرته القناة الـ12 الإسرائيلية مع عدد من الطيارين الذين شاركوا في نسف 9 أبراج سكنية في غزة -منها برج كان يضم مكاتب إعلامية- خلال العدوان الأخير على القطاع، حجم الإحباط الذي يسيطر على جنود الاحتلال الذين صرح أحدهم ويدعى الرائد طيار “د” -الذي اكتفت القناة بالإشارة إلى الحرف الأول من اسمه- إن نسف الأبراج السكنية “كان طريقا للتنفيس عن إحباط الجيش بعد إخفاقه في وقف إطلاق الصواريخ من القطاع”.

 

وتحدث الضابط “د” عن مشاعر يشاركه فيها زملاؤه، قائلا “كنت أخرج لشن غارة مع إحساس أن إسقاط الأبراج أصبح طريقنا للتنفيس عن الإحباط مما يحدث لنا ومن نجاح الفصائل في غزة في الاستمرار بقصفنا”، مضيفا “ألقينا عليهم أطنانا من الذخيرة والنيران بشكل لا يشك فيه أحد، لكن لم ننجح في وقف إطلاق الصواريخ، لم ننجح في المساس بقيادة التنظيمات الإرهابية، لذلك نسقط الأبراج”.

 

 هذا التصريح أثار ردات فعل متباينة داخل الاحتلال نفسه، حيث اتهم الطيار السابق في الجيش الإسرائيلي يوناتان شابيرا الطيارين الإسرائيليين الذين قصفوا الأبراج السكنية في قطاع غزة بارتكاب جرائم حرب، وذلك بعدما صرح أحدهم بأن القصف كان وسيلة للتنفيس عن إحباطهم بعد الإخفاق في وقف إطلاق الصواريخ من القطاع.

 

ووصف شابيرا الجيش الإسرائيلي بأنه “منظمة إرهابية تقتل المدنيين”، ورأى أن قصف أي مبنى في غزة يعد جريمة حرب نظرا لاكتظاظ القطاع بالسكان الذين لا يجدون ملاذا من تلك الغارات، مؤكدا أنه لم يشارك في أي قصف، وأن عمله -قبل استقالته من الجيش عام 2003- اقتصر على مهمات الإنقاذ.

 

في المقابل، انتشت غزة بعشرات الاحتفالات بإعلان المقاومة الفلسطينية انتصارها على المحتل، وكشفت فصائل المقاومة في بيان مشترك، عن حجم الترسانة العسكرية التي باتت تملكها الفصائل، متوعدة الاحتلال بمزيد من المفاجآت حال تكرار عدوانه على القطاع أو الضفة أو المسجد الأقصى المبارك. وهو ما أعاد للمقاومة حضورها. وللقضية زخمها، وللفلسطينيين انتصارا جديدا على المحتل الدخيل.

 

اقرأ أيضًا: ما التحديات التي تواجه تثبيت وقف إطلاق النار في غزة؟