تغيير حجم الخط ع ع ع

كوبا وبوليفيا وفنزويلا والأرجنتين والمكسيك والبرازيل والأوروغواي، هي إجمالي دول أمريكا اللاتينية التي حضرت جلسة تصويت الأمم المتحدة الأخيرة التي خلصت لتشكيل لجنة دولية للتحقيق في جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد أهالي قطاع غزة المحاصر، والذي انتهى قبل أسبوع وخلف أكثر من 240 شهيدا من الفلسطينيين، فيما لم يعلن الاحتلال سوى عن عشرة قتلى بين المحتلين.

وبشكل عام، تم اتخاذ القرار في جلسة عاجلة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بدعوة من المفوضة السامية، ميشيل باشيليت، التي اعتبرت أن هجمات كيان إسرائيل على قطاع غزة قد تكون جرائم حرب، فصوتت 24 دولة لصالح إنشاء لجنة دولية للتحقيق في ما حدث منذ 13 أبريل الماضي بالقطاع، وكان هناك تسعة أصوات ضد القرار، وامتناع 14 دولة عن التصويت، فيما أيدت بقية الدول الحاضرة القرار.

ومن بين كل دول أمريكا الجنوبية، جاء التصويت جماعيا لصالح فلسطين، فيما عدا البرازيل التي امتنعت عن التصويت، والأورغواي التي شكلت صدمت كبيرة بكسرها تقليدا ثابتا في سياستها الخارجية استمر منذ 54 عاما لم تصوت فيها الأروغواي مطلقا ضد فلسطين في أي محفل دولي، بينما صوتت هذه المرة لصالح إسرائيل، لتكون بذلك البلد اللاتيني الوحيد الذي أقدم على تلك الخطوة الصادمة.

لكن في الأمر الكثير من التفاصيل المهمة، فبداية، تمثل قضية فلسطين قضية أخلاقية راسخة في السياسة اللاتينية الخارجية، ولا يختلف في ذلك كثيرا كون الحكومة يسارية أو يمينة، وإن كان تأكيد اليساريين على هذا الحق واضحا تماما. لكن الأكيد أنه إذا كان تصويت كوبا وفنزويلا وبوليفيا ذات الحكم الاشتراكي لصالح فلسطين متوقعا، فإن دولا مثل المكسيك (يسار الوسط)، والأرجنتين (يمين الوسط) صوتت أيضا ضد إسرائيل وأيدت الحق الفلسطيني.

وإذا كانت أغلب دول العالم قد صوتت لصالح التحقيق ضد إسرائيل، فإنها في الوقت نفسه صوتت على التحقيق أيضا في صواريخ قطاع غزة التي استهدفت مستوطنات الاحتلال، وهنا يتجلي الموقف اللاتيني اللافت، حيث رفضت كل من كوبا وبوليفيا وفنزويلا والأرجنتين والمكسيك أي إدانة للفلسطينيين، وأكدت هذه الدول في كلماتها أمام الأمم المتحدة أن الحركات المسلحة في القطاع كانت تمارس حقا طبيعيا في الدفاع عن النفس.

أما البرازيل، فامتناعها عن التصويت يمثل خذلانا لإسرائيل أكثر منه لفلسطين، فالرئيس البرازيلي اليميني المتطرف جاير بولسونارو هو الصديق الشخصي المقرب للسفير الاسرائيلي في بلاده، ويحضر معه المناسبات الخاصة ويشاركه مشاهدة مباريات كرة القدم والألعاب الرياضية، ولطالما انتظرت دولة الاحتلال من البرازيل النصرة منذ صعود الحكم اليميني فيها، لكنها لم تحصل عليه ولا مرة.

فعندما أعلن ترامب نقل السفارة الأمريكية في دولة الاحتلال إلى القدس، خرج الرئيس البرازيلي ليعلن قرب اتخاذ بلاده القرار نفسه أسوة بالجارة اللاتينية الباراغواي التي نقلت سفارتها للقدس لتكون بذلك الدولة اللاتينية الوحيدة التي تقدم على هذه الخطوة، لكن سرعان ما خرجت تظاهرات في البارغواي أجبرت الحكومة على سحب القرار وإعلان إعادة سفارتها إلى تل أبيب، وهو الإعلان الذي ردت عليه إسرائيل بإغلاق سفارتها في باراغواي بأمر من رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وأمام الموقف الشعبي الباراغواني، اضطرت حكومة البرازيل للتراجع عن عزمها نقل سفارة البرازيل إلى القدس، لتعلن فقط مجرد افتتاح “بعثة تجارية” في القدس لتعزيز التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والابتكار، ليكون جزءا من سفارتها في إسرائيل، فيما بدا واضحا أنه تراجع عن إشارات سابقة إلى أنها ستحذو حذو الولايات المتحدة بنقل سفارتها إلى المدينة.

وبعد أيام، التقى نجل الرئيس البرازيلي -ومتحدثه الإعلامي- ادواردو بولسونارو، بجاريد كوشنر مستشار ترامب وصهره ومهندس التطبيع مع الاحتلال، وحضر الاجتماع ستيف بانون وهو من غلاة المحافظين القريبين أيديولوجيا من بولسونارو. وقال نجل الرئيس البرازيلي بخصوص نقل السفارة “إن الأمر يتعلق بكون البرازيل هي أكبر مصدر للحم الحلال في العالم، لذلك سيكون لقرار نقل السفارة إلى القدس أثر بطريقة أو أخرى على التجارة البرازيلية، وسيؤدي قطعا لـ (خسارة الأسواق العربية والمسلمة) في حال حصلت ردود فعل انتقامية، وهو متوقع”، بحسب صحيفة أو غلوبو البرازيلية اليومية.

وعودا إلى الأروغواي التي صوتت لصالح إسرائيل، فإنه يجب الإشارة إلى أن البرلمان الأروغواني رفض موقف الحكومة، ودعا رئيس الحكومة لجلسة استدعاء -سيتم عقدها الأسبوع المقبل- لتفسير تجرأ الحكومة على تغيير أحد أهم ثوابت السياسية الخارجية في البلاد، حيث ظلت البلاد طوعية لحكم يساري استمر لمدة 15 عاما، ولم تخرج منه سوى بالانتخابات الرئاسية الأخيرة التي شهدت خسارة مرشح اليسار دانيال مارتينيز أمام اليميني لاكاليي بو الذي يقترب كثيرا من الرئيس البرازيلي واليمين المتطرف، وإن كان يعلن كثيرا كونه من يمين الوسط.

ويدل ردة الفعل البرلمانية، وكذلك بيانات صادرة عن حركات المعارضة الأوروغوانية لرفض الخطوة الحكومية- على أن هذا الموقف لا يزيد عن كونه موقفا طارئا لصعود حكومة يمينية متطرفة لأسباب اقتصادية، بينما لا يمكن اعتباره بأي شكل من الأشكال تراجعا في دعم الحق الفلسطيني شعبيا في الأروغواي التي تضم أكثر من 5,000 أوروغواي من أصل فلسطيني، يعيش معظمهم في تشوي على الحدود مع البرازيل، وآخرون في ريفيرا.