في تحليل سياسي لاذع يعكس عمق التخبط والانهيار الداخلي في بنيان الكيان الصهيوني، أكدت صحيفة “هآرتس” العبرية أن رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، غامر بكل الأوراق الإستراتيجية للدولة العبرية في مواجهته مع إيران والمراهنة المطلقة على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه، لينتهي به المطاف بالخسارة الكاملة التي سيدفع مستوطنو الاحتلال ثمنها الباهظ مجدداً؛ وشددت الصحيفة على أن منظومة إعلامية وسياسية وسيبرانية متكاملة ما زالت توفر لنتنياهو حماية مصطنعة رغم توالي النكبات السياسية والأمنية.
وأوضحت الصحيفة أن خطورة هذه المنظومة المصنوعة لا تكمن فقط في الدفاع الأعمى عن شخص رئيس الحكومة، بل في عملها الممنهج على إبعاد كلي للمسؤولية الجنائية والسياسية عنه، وتوجيه أصابع اللوم والاتهام إلى أطراف أخرى عسكرية ومدنية، مما يحرم المجتمع الصهيوني من تشكيل حالة محاسبة عامة أو استخلاص للدروس من الفشل الذريع الذي بات يطبع كل تحركات الحكومة.

حزام إعلامي لحماية الفشل وصناعة الأوهام
ورأت “هآرتس” أن نتنياهو تمكن من الحفاظ على قاعدته السياسية والانتخابية حتى بعد سلسلة من الأحداث الكارثية التي تُمثل فشلاً ذريعاً لم يسبق له مثيل في تاريخ الكيان، مشيرة إلى أن النظام الدعائي المحيط به يبرع في إعادة تفسير الأزمات والانهزامات على أنها نتاج “مؤامرات داخلية” أو ضغوط خارجية طاعنة، وليس نتيجة مباشرة لقصور رؤيته وعقم سياساته؛ ويلعب في هذا الصدد المثلث المكون من القنوات التلفزيونية والإذاعات المجندة وشبكات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في إبقائه على قيد الحياة السياسية.
وأضافت الصحيفة أن التكتيك الإستراتيجي لنتنياهو لا يعتمد على إقناع مستوطنيه بأنه شخصية مثالية أو منقذ منزه، بل يرتكز على ترويعهم وإقناعهم بأن أي بديل سياسي يطرحه المعسكر المقابل سيكون أكثر خطورة على وجودهم ومستقبلهم؛ وظهر هذا التضليل جلياً في التعاطي مع توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير، حيث سارعت الأبواق التابعة له إلى إلقاء اللوم والعتاب على ترامب ومستشاريه وشخصيات إدارية أخرى، مع الحفاظ بعناية على صورة نتنياهو كقائد وحيد قادر على توجيه دفت العلاقة مع واشنطن.
تناقضات السردية الصهيونية ومحاولة الهروب من المجهول
واعتبرت الصحيفة أن التناقضات الصارخة في الخطاب الإعلامي الداعم للحكومة ليست خللاً عفوياً، بل هي آلية عمل مبرمجة تتيح تسويق روايات متضاربة في آن واحد لتخدير الرأي العام؛ حيث يتم الترويج بأن الاتفاق مع طهران كارثي وبأن إيران حققت مكاسب كبرى، وفي نفس الوقت يُشاع أن دولة الاحتلال ما زالت قوية والضرر الذي لحق بطهران كبير، بينما يتم توجيه تهمة الخيانة وإضعاف الجبهة الداخلية لكل من ينتقد هذا الانفصام.
ويرى خبراء ومحللون أن هذا النموذج الهروبي سمح لنتنياهو بالبقاء في سدة الحكم حتى بعد الصدمة الإستراتيجية الكبرى في هجوم السابع من أكتوبر وما تلاه من استنزاف عسكري واقتصادي غير مسبوق، مستخدماً ماكينته لصناعة خصوم وهميين وتوجيه النقاش العام بعيداً عن مساءلة حكومته الفاشية؛ غير أن هذا الفشل المركب وتآكل قوة الردع أمام جبهات المقاومة، يؤكدان أن الكيان الصهيوني بات محكوماً بعقدة العجز الشخصي لزعيم يربط مصير ملايين المستوطنين بمستقبله السياسي الخاص، وهو ما يعجل بدفع الاحتلال نحو هاوية تاريخية لا مخرج منها.
اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال