تغيير حجم الخط ع ع ع

 

 

ربما لا يعرف المصريون اسم داعية ارتبط بالحضور اللافت لدى قطاعات الشارع المصري والمواطن البسيط مثلما عرفوا اسم الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي درج المصريون على وصفه بإمام الدعاة وشيخ المفسرين المصريين، وصاحب التفسير “الشعبي” الأكثر اقترابا وبساطة لدى عوام المصريين والعرب بشكل عام.

 

مكانة الشيخ الشعراوي -فارس اللغة العربية وعاشقها الكبير، وإمام الوسطية والاعتدال في الإسلام، بخطابه السلس الموجه للعامة والبسطاء، والذي مكنه من شغل موقعه الأثير في قلوبهم، ليكون بذلك أحد أبرز أعلام مجددي الخطاب الديني في العصر الحديث- وجدت نسفها مهددة بشكل لافت منذ الانقلاب العسكري الذي شهدته مصر نهاية عام 2013، والذي تشكلت ملامحه منذ اللحظة الأولى على العداء الصريح لكل مظاهر التدين والالتزام الديني باعتباره أبرز ملامح خصومه السياسيين، الإسلاميين، الذين لم يتحمل المجلس العسكري وجود رئيس منتخب منهم على سدة الحكم لأكثر من عام واحد، فتمت إزاحته بانقلاب عسكري تبعه مذبحة مدوية بحق أنصاره ومؤيديه من المواطنين.

 

وأمام هذا التحول المنهجي في هوية الدولة المصرية، وجد الشيخ الشعراوي نفسه ضحية هجوم شرس من أبواق النظام المصري وشاشاته الرسمية وغير الرسمية، متصيدين له من بين مئات الحلقات والدروس، باحثين له من بين زخمها عن أي شبهات يمكن استغلالها في الترويج لما يعتبرونه سقطات في حق الشيخ ومريديه، ليتحول هؤلاء الإعلاميين إلى ذباب يبحث عن القذر لينهلوا منه، بدل أن يكونوا كالنحل في بحثه عن الزهور ليمتص منها الرحيق.

 

وفي ذكرى وفاته التي تحل اليوم، والتي توافق تاريخ 17 من يونيو من كل عام، انطلق الأوركسترا الإعلامي الهجومي بشكل هستيري على الشيخ الراحل، سواء عبر حسابات المؤيدين للنظام على وسائل التواصل الاجتماعي، أو عبر مقالات لمرتزقة حكوميين في الصحف الرسمية، وأيضًا عبر بعض الفضائيات المؤيدة للنظام المصري، ليبدأ الجميع في سباق النيل من سيرة العالم الراحل الجليل؛ بينما أكثرهم شجاعة لم يكن يجرؤ على التفوه بكلمة في حق الشيخ إبان حياته وفي عز مجده وشهرته واعتراف المجتمع له بالجميل.

 

وكما هو متوقع لدى المتابعين من مريدي الشيخ الراحل، فإن أول من تصدر للهجوم عليه في ذكراه كان الإعلامي المؤيد للنظام، إبراهيم عيسى، الذي لطالما انبرى للهجوم على الشيخ والنيل منه في مناسبات سابقة، ولم يترك فرصة للانتقاص من مقام الشيخ إلا واستغلها في الهجوم على التدين بشكل عام، دون أي محاسبة من الدولة التي تزعم رفض الانتقاص من رموزها، وهو ما يكشف بوضوح أن الرموز المقصودة هنا حصرا هي قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي.

 

إبراهيم عيسى، خصص حلقة الأمس من برنامجه حديث القاهرة على فضائية القاهرة والناس الخاصة المؤيدة للنظام المصري، ليعيد حديثه السابق الذي أدلى به قبل عام في مقابلة على قناة النهار -تابعة هي الأخرى للنظام- حيث قال تعليقا على الاختيار بين صورة الشيخ محمد الغزالي والشيخ الشعراوي: “إذا كانت المقارنة هكذا فأنا اختار الشيخ الغزالي، لأنه أنا كمان دائما ميال ومنحاز لمن يكتب مش الشفاهي، الشيخ الشعراوي شفاهي ملهوش منتج فكري ثقافي ولا أظن أنه حتى حصل على الدكتواره أو الماجستير، وليس لديه منتج كتابي”.

 

وقد يتوهم القارئ بأن إبراهيم عيسى أخيرا قد مدح أحد رموز التدين المصري، وهو الشيخ الغزالي، حتى وإن كان في سياق الهجوم على الشيخ الشعراوي، ولكن سرعان ما يتبدد هذا التوهم حين يعود إبراهيم عيسى ليذكر بواقعة فرج فودة مستغلا إياها في وصف الشيخ الغزالي بالتطرف والإرهاب، مضيفا: “الشيخ الغزالي عنده كتب ثرية فكريا، إنما الشيخ الشعراوي كانت محاضرات تلفزيونية الي هي لجمهور عام ملهاش ثقل معرفي كبير، إنما الشيخ الغزالي من باب أنه كان بيقعد على كتبه ومراجعه ويشتغل ويكتب وينتج فكر وفقه، وكان له قضايا مهمة للغاية طرحها بجرأة وبشجاعة وسط المجتمع السلفي، وإن كان أنا رأيي أن شهادته في قضية فرج فودة تكاد تقضي على ما كان موجودا له في قلبي من حب طبعا”.

 

وليست هذه هي المرة الأولى التي يتعرض لها الشيخ الشعراوي للهجوم، بل إن هناك وقائع مشهورة أطلق فيها النظام المصري ألسنة سفهائه من الفنانين والراقصين للنيل من الشيخ ورمزيته في قلوب المصريين، وكان أبرز تلك الوقائع ما حدث العام الماضي في ذكرى وفاة الشيخ أيضا حين هاجمته الإعلامية المصرية المؤيدة للنظام العسكري، أسماء شريف منير، عبر صفحتها على الفيس في تعليق قالت فيه “طول عمري أسمع الشعراوي مع جدي، لم أكن أفهم كل شيء آنذاك، لكن لما كبرت شاهدت فيديوهات، لم أصدق نفسي من شدة التطرف، كلام عقلي لم يستوعبه فعلا، وتعجبت حقيقة”، وأمام حملة غاضبة من جمهور حسابها، تدخل الفنان المصري، خالد أبو النجا لمناصرة الإعلامية في هجومها على الشيخ الشعراوي، وذلك في تغريدة لخالد أبو النجا على حسابه في تويتر بأن الشيخ الشعراوي “مثال صارخ للجهل بالعلم، بل تباهى بعدم قراءته لغير القرآن، الوهابية في أبشع تجلياتها”. 

 

هذه الهجمة الشرسة على الشيخ في ذكرى وفاته كل عام، تطرح أسئلة حول هوية مصر الأزهر، ومكانة رجال الدين فيها، واحترام رموزها، وماهيتهم، وكيف تحول البلد الذي يحوى بلد الألف مئذنة إلى بلد الألف مهاجم للدين والمتباهي بالانتقاص من رموزه ومشايخه، والألف مصادم لهوية الشعب المصري ورمزية الدين في نفوس أبنائه الذين لطالما وصفوا بالشعب المتدين بطبعه.