تغيير حجم الخط ع ع ع

تعامل السيسي مع إدارة بايدن

خلال انتخابات الرئاسة الأمريكية المنعقدة أواخر الشهر الماضي، كان من الواضح أن النظام الانقلابي في مصر برئاسة عبد الفتاح السيسي يفضل فوز الرئيس الأمريكي حينها دونالد ترامب لفترة ثانية، على منافسه الديمقراطي جو بايدن. لم يصدر أي تصريح مصري رسمي بهذا الخصوص، لكن الأمر كان جليًا على ألسنة إعلاميي النظام، وعلى الضيوف التي تظهر في القنوات التلفزيونية التابعة للسلطة في مصر.

السيسي ile ilgili görsel sonucu

تفضيل نظام السيسي لترامب على بايدن كان أمرًا مفهومًا ومتوقعًا، حيث إن الفترة التي تولى فيها ترامب السلطة كانت بمثابة طوق النجاة لنظام السيسي بعد ما يقرب من 3 سنوات توترت في العلاقات بين قائد الانقلاب وإدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، الذي كان يتولى فيها جو بايدن منصب نائب الرئيس.

جاء ترامب ليعطي الضوء الأخضر للسيسي في قمع كل مخالف له، حتى لو كان من داخل المؤسسة العسكرية نفسها ومعروف بعلاقاته الوثيقة مع المسؤولين الأمريكيين كـ”سامي عنان”، رئيس أركان القوات المسلحة المصرية الأسبق. وطالت القبضة القوية للأمن كل أطياف الشعب المصري من إسلاميين إلى ليبراليين وعلمانيين، حتى بعض مؤيدي السيسي السابقين.

في المقابل، ينتمي بايدن إلى الحزب الديمقراطي الأمريكي الذي يُعرف باهتمامه بملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتمكين المجتمع المدني. بل كان بايدن بشخصه أحد أهم النافذين في إدارةٍ اختلفت توجهاتها مع نظام السيسي في عدة ملفات. ولذلك، كان الانقلابيون في مصر يطمحون إلى ولاية أخرى لترامب يعربدون فيها كما يشاؤون.

 

فوز بايدن..

لكن أتت الرياح بما لا تشتهي سفن السلطة في مصر، وبدأ نظام السيسي يهيئ نفسه لمرحلة قادمة قد تتضمن العديد من المناكفات على الصعيد الدولي، خصوصًا بعد أن أدلى بايدن بتصريحات خلال حملته الانتخابية مفادها أنه لن يعطى شيكًا على بياض لديكتاتور ترامب المفضل (اللقب الذي اشتهر به السيسي).

فوز بايدن ile ilgili görsel sonucu

ومنذ أن اقترب جو بايدن من الفوز على منافسه دونالد ترامب، بدأت استراتيجية النظام الانقلابي في مصر حيال هذا التطور في التكشف شيئًا فشيئًا. ويمكن القول إن هناك تباينًا بين ما يحاول السيسي تصديره للشعب المصري عبر قنواته الإعلامية التي تأتمر بأمر أجهزته الأمنية، وبين ما يجري على أرض الواقع حتى الآن.

فعلى الصعيد الإعلامي، شنت وسائل إعلامية مصرية وأخرى إماراتية وسعودية حملة شعواء ضد كل مؤيدي ثورات الربيع العربي، وجماعة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص، وذلك بعد تأكدهم من فوز بايدن مباشرة. وركز إعلام السيسي على تصدير أن النظام قادر على تجاوز أي صعوبات، خصوصًا لو كانت خارجية، ومتعاملًا مع فوز بايدن كما لو أنه معركة يحاول أن يخرج منها بأقل الخسائر.

 

اللعب على وتر القومية، واستغلال العاطفة الدينية..

من ذلك ركز إعلام النظام على استثارة العواطف القومية لدى الشعب المصري عن طريق تحفيزهم ضد أي انتقاد دولي للوضع الحقوقي المأساوي في مصر، وذلك بترويج أن هذه الانتقادات الحقوقية تدخل مرفوض في شؤون مصر الخاصة، واعتداء على السيادة الوطنية. 

لم يكتفِ الإعلام بمهاجمة البيانات التي تنتقد الأوضاع في مصر، بل هاجم أيضًا كل المؤسسات الحقوقية العاملة من الداخل المصري، باعتبار أنهم خونة تابعين للخارج، وطالب كثير من إعلاميي النظام باعتقال كل من ينتقد وضع المجتمع المدني في مصر، أو الوضع الكارثي لعشرات الآلاف من المعتقلين.

الوضع الحقوقي المأساوي في مصر ile ilgili görsel sonucu

بجانب تركيز القنوات التلفزيونية التابعة للنظام على عاطفة الشعب الدينية، فإنها حاولت أيضًا استخدام العاطفة الدينية للشعب عن طريق ترويج أن مفهوم “حقوق الإنسان” في الغرب يعني إباحة الشذوذ الجنسي وما يشابهه من تصرفات مرفوضة على مستوى واسع من الشعب المصري. وكانت هذه فقرة رئيسية في أغلب البرامج التلفزيونية التي يبثها التلفزيون الرسمي للدولة، والقنوات الخاصة التابعة لها.

 

مفهوم جديد لحقوق الإنسان!

تشويه مفهوم حقوق الإنسان بمحاولة اختزاله في “الشذوذ الجنسي” صاحبه ترويج لمفهوم آخر لحقوق الإنسان، لكن على طريقة النظام الاستبدادي. حيث استنكر الإعلام المفهوم الطبيعي لحقوق الإنسان المتمثل في أن يحيا حياة كريمة، يتمتع فيها بالحرية في إبداء رأيه، واختيار من يمثله، هذا فضلًا عن ألا يُسجن ويُقتل لمجرد أن اعترض على السلطة. وحاول الإعلام حرف هذا المفهوم العالمي عن مساره الطبيعي، والتركيز على أن حقوق الإنسان تتمثل في المأكل والمشرب والمسكن فقط.

وبالطبع، لا يستطيع أحد إنكار أن المطالب السابقة مشروعة بل وأساسية لكل مواطن، لكن محاولة تصدير أنها هي الحقوق المشروعة لكل إنسان وفقط، بغض النظر عن حريته وكرامة الإنسانية، هي اختزال له ومحاولة لمساواته بالحيوان. هذا إن سلمنا أصلًا أن النظام المصري قد نجح في توفير  المأكل والمشرب والمسكن للشعب المصري.

 

قرارات تعارض الخطاب الإعلامي..

هذه الحملة الإعلامية الواسعة التي تعمل على مدار الساعة وعلى أكثر من محور، والتي تعكس تصعيدًا كبيرًا من نظام السيسي ضد أي محاولة محتملة للضغط عليه في الملف الحقوقي، هذه الحملة لا تعكس القرارات التي اتخذها السيسي خلال الفترة القصيرة الماضية منذ إعلان فوز جو بايدن بالرئاسة، حيث يظهر أن السيسي يحاول تهدئة الأوضاع، وكسب ود جو بايدن أو على الأقل تفادي ضغوطاته.

بايدن والسيسي ile ilgili görsel sonucu

فيوم أن أعلنت الوسائل الإعلامية الأمريكية فوز بايدن وقبل أن يتم إعلان نتائج الانتخابات رسميًا، كان السيسي أول حاكم عربي يهرول إلى تهنئة الرئيس الأمريكي الجديد، متمنيًا التعاون معه. وصاحب ذلك إطلاق سراح 5 من أقارب الناشط محمد سلطان بعد بعد 144 يومًا قضوها في سجون السيسي، في محاولة للضغط على الناشط المصري المقيم بالولايات المتحدة للتنازل عن قضية رفعها أمام القضاء الأمريكي ضد حازم الببلاوي، أو رئيس وزراء في عهد الانقلاب، والتي اتهمه فيها سلطان بـ”تعذيبه” إبان توقيفه بمصر قبل سنوات، وطالب بمعاقبته بموجب قانون حماية ضحايا التعذيب الأمريكي.

وفي تأكيد على أن الإعلام المصري في واد، وسياسات السيسي في واد آخر في هذا الملف، اضطر النظام الانقلابي في مصر إلى الإفراج عن محمود حسين صحفي قناة الجزيرة القطرية بعد حوالي 5 سنوات من الاعتقال التعسفي.

ويبدو أن نظام السيسي يحاول تفادي غضب واشنطن هذه الفترة، وأن يقدم أوراق اعتماده لدى الإدارة الجديدة في البيت الأبيض، عن طريق الإفراج عن بعض المعتقلين. لكن هذا لا يعني أنه سيستمر على هذا المنوال طوال فترة بايدن، فقد تصل الأمور إلى حائط مسدود يقرر فيه النظام الاعتماد على حلفائه الإقليميين كالكيان الصهيوني، أو قد يتخلى بايدن نفسه عن وعوده بالاهتمام بحقوق الإنسان، ووحدها الأيام كفيلة بإثبات ذلك من عدمه.

 

اقرأ أيضاً: كيف سيتقرب السيسي بشكل أكبر  إلى إسرائيل؟