تغيير حجم الخط ع ع ع

 

في وقت يترقب فيه جميع المصريين رد فعل النظام على التعنت الإثيوبي، وبدء الملء الثاني لسد النهضة بشكل رسمي، ظهر قائد الانقلاب، عبد الفتاح السيسي، راكبًا دراجة بمدينة العلمين الجديدة، شمال غربي البلاد، الأمر الذي دل على أن النظام الانقلابي في مصر يخطط  للقبول بالأمر الواقع، وتمهيد ذلك للشعب.

كذلك، فإن هناك إشارات أخرى صدرت عن مسؤولين مصريين تشي بأن احتمال تفويت النظام لملء إثيوبيا للسد، وعدم اتخاذ أي موقف حاسم في هذا الاتجاه، هو احتمال جدي وقائم بالفعل. حيث صرح وزير الري المصري، محمد عبد العاطي، أن مصر جاهزة للتعامل مع أي طارئ فيما يخص قطاع المياه.

وقال الوزير المصري إن وزارة الري تبذل جهودًا كبيرة فيما يسمى “إدارة الموارد المائية من خارج مصر”، لضمان الاستفادة القصوى من كل قطرة مياه وعدم إهدارها لسد الفجوة المائية، كما شرح تفاصيل استراتيجية الدولة للموارد المائية حتى عام 2050 بتكلفة تصل إلى 50 مليار دولار، ويمكن زيادتها إلى 100 مليار دولار.

وتزامنت تصريحات عبد العاطي مع إعلان مجلس الأمن الدولي، إسناد حل الأزمة إلى الاتحاد الأفريقي، واعتماد التفاوض سبيلًا للوصول إلى اتفاق بين الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا)، ورفض استخدام القوة لحل النزاع، ما يعني أن مجلس الأمن تخلى بشكل أو بآخر عن دعم مصر في أزمتها.

وقبل نحو شهر، صرح الوزير ذاته بأن مصر تستعد منذ أكثر من 5 سنوات للتعامل مع “صدمة مائية” يمكن أن تحدث حال حدوث الملء الثاني لسد النهضة. لكن ما هي خطط النظام المصري لتعويض مقدار المياه الذي تحتجزه إثيوبيا؟ وهل هذا التعويض ممكن فعلًا؟ 

 

خطط مائية بديلة

وفق ما تعلنه الحكومة، فإن هناك خطط مائية حتى عام 2037 على 4 محاور، تتضمن ترشيد استخدام المياه، وتحسين نوعية المياه، وتوفير مصادر مائية إضافية، وتهيئة المناخ للإدارة المثلى للمياه. حيث سيتم إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والمياه الجوفية السطحية بالوادي والدلتا، بالإضافة لوقف زراعة الأصناف المستهلكة بشراهة للمياه، كمحصول الأرز، واستيراد منتجات غذائية من الخارج، تقدر قيمتها بـ34 مليار متر مكعب سنويًا من المياه.

كذلك، فإن النظام المصري يراهن على شبكة الرصد “التليمتري” لإحكام رقابته على كمية المياه المستخدمة في الزراعة، ومتابعة المحاصيل وكمية المزروعات. ورغم أن فكرة ترشيد استهلاك المياه هي فكرة جيدة، لكنها ستفتح الباب واسعًا أمام مزيد من الابتزاز للفلاح المصري الذي يعتبر أرضه هي كل ما يملك. حيث من الممكن أن يطالَب الفلاحون بدفع أموال نظير ترك المياه تصل لأراضيهم، التي ستظل مهددة في كل وقت بعدم وصول المياه إليها، وهلاك الزرع.

 

ربط بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط

ومع ذلك، ستظل مصر في حاجة ماسة للمياه لتلبية احتياجات المواطنين. ولذا نقل موقع “المونيتور” الأمريكي أن أحد البدائل التي يخطط لها النظام المصري هي تنفيذ مشروع يستهدف ربط بحيرة فيكتوريا والبحر الأبيض المتوسط عبر ممر مواز للنيل، وآخر لتطوير “حوض بحر الغزال” أحد روافد النيل من جنوب السودان.

كذلك تحركت مصر ناحية الجنوب، واتفقت مع جنوب السودان على تطهير مجرى النيل في حوض بحر الغزال، ومساعدة جنوب السودان في التعامل مع الفيضانات والبدء في مشروعات ري ضخمة في المنطقة، وفق ما أعلن عنه وزير الري الجنوب سوداني، ماناوا بيتر جاتكوث. ومن المفترض أن يستقبل حوض بحر الغزال 530 مليار متر مكعب من الأمطار سنويًا، كما سيؤدي تطهير مجراه إلى إضافة نحو 4 مليارات متر مكعب سنويًا إلى مياه النيل، حسب مختصين.

كذلك، فإن هناك خيار آخر لدى مصر وهو قناة جونقلي، الواقعة على نهر الجبل بدولة جنوب السودان، والتي اكتمل نحو 70% من أعمال الحفر فيها. فمن المفترض أن تضيف القناة مباشرة نحو 3.2 مليار متر مكعب سنويًا إلى مياه النيل، وسترتفع هذه الكمية إلى نحو 7 مليارات متر مكعب مع التوسع المخطط له. ووفق تقدير مستشار وزير الري المصري الأسبق وخبير الموارد المائية، ضياء الدين القوصي، فإن الإيراد المائي من القناة قد يصل إلى 20 مليار تستفيد منه مصر والسودان وجنوب السودان.

 

التضييق على الشعب

ومع كل ما سبق ذكره من مصادر قد تعوض أجزاء من المياه التي تفقدها مصر بسبب سد النهضة، إلا أن فكرة التعويض الكامل غير مطروحة، خصوصًا وأن مصر تستهلك نحو 70 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، منها 55 مليار متر مكعب من نهر النيل، و12 مليارًا معادًا تدويرها، و6 مليارات مياه جوفية. ومع تقلص حصة مصر السنوية بنحو 5 إلى 15 مليار متر مكعب سنويًا خلال فترات ملء السد، فإن المصادر الأخرى لن تكون كفيلة بتعويض ما تمت خسارته.

وقد ظهر ذلك بالفعل، في حملات التضييق على الشعب فيما يخص استخدام المياه، من ذلك دعوة الحكومة المواطنين إلى الاقتصاد في كعك عيد الفطر باعتباره من مصادر الإهدار المائي في البلاد، وإصدار سيل من الفتاوي التي تجيز التيمم بدلًا من الوضوء، هذا فضلًا عن غلق دورات المياه بالمساجد بدعوى مواجهة تفشي فيروس كورونا.

كذلك، فإن المشاريع السابق ذكرها تحتاج ملايين الدولارات لإنجازها. وبالطبع، فإن المواطن المصري نفسه هو الذي سيتكفل بهذه الأعباء المالية، التي ستفرض عليه تحت وقع القبضة الأمنية التي يقبع تحتها الشعب منذ عام 2013. ما يعني أن السيسي فضّل أن يدفع المواطن ثمن المياه تحت التهديد على أن يدافع عن حق مصر التاريخي في مياه النيل. وذلك كله في سبيل الحفاظ على النظام الذي قد يتعرض لضغط دولي إذا أقدم على هدم السد.