تستعد المملكة المتحدة، إلى جانب مجموعة من الدول الغربية، للإعلان عن حزمة عقوبات جديدة ضد إسرائيل، بزعم ردع الشركات عن المشاركة في مشروع استيطاني خطير في الضفة الغربية المحتلة، هو مشروع “E1”، الذي يهدف إلى بناء أكثر من ثلاثة آلاف وحدة استيطانية بين القدس ومستوطنة “معاليه أدوميم”، بما يؤدي عمليًا إلى شطر الضفة الغربية إلى قسمين، وقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني، ودفن أي حديث متبقٍّ عن حل الدولتين. غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت لندن ستعلن العقوبات هذا الأسبوع، بل بما إذا كانت ستذهب فعلًا إلى مواجهة بنية الاحتلال والاستيطان، أم ستكتفي مرة أخرى بإجراء محدود ومصمم بعناية لاستهلاك الغضب الإعلامي والبرلماني المتصاعد.
فالتحرك البريطاني، إن حصل، يأتي بعد وقت طويل جدًا من الصمت والمراوغة والتغطية السياسية على جرائم إسرائيل. لم يكن على لندن أن تنتظر مشروع “E1” كي تكتشف أن الاستيطان غير قانوني، ولا أن تنتظر أوامر بتفريغ خان الأحمر وتهجير سكانه البدو، ولا أن تنتظر عنف المستوطنين في الضفة الغربية حتى تعلن أن هناك مشكلة تستدعي العقاب. كان يجب أن تُفرض العقوبات على إسرائيل منذ أول طفل فلسطيني قتله جنود الاحتلال، منذ أول بيت هُدم فوق رأس عائلة فلسطينية، منذ أول أرض صودرت، وأول قرية حوصرت، وأول عائلة طُردت باسم الأمن أو التوسع أو “السيادة”. لكن ما يجري اليوم ليس صحوة أخلاقية بقدر ما يبدو محاولة متأخرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من صورة بريطانيا أمام جرائم فاقت كل الحدود.
بحسب التقارير، من المتوقع أن تعلن وزارة الخارجية البريطانية مع عدد من الدول الغربية، بينها فرنسا وأستراليا، حزمة عقوبات تستهدف ردع الشركات عن الدخول في مناقصات مشروع “E1”، الذي ترى هذه الدول أنه سيجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا شبه مستحيلة. وقد سبق لتسع دول غربية أن حذرت في بيان مشترك في 22 مايو من أن تطوير هذا المشروع سيقسم الضفة الغربية، ويمثل خرقًا خطيرًا للقانون الدولي، مطالبة الشركات بعدم التقدم لأي عطاءات تتعلق بالبناء في “E1” أو غيره من المشاريع الاستيطانية، ومحذرة من عواقب قانونية وسمعة سيئة قد تلحق بالمتورطين في بناء المستوطنات.
لكن جوهر المسألة يكمن في حدود هذه العقوبات. فالحزمة البريطانية المتوقعة، كما ورد في تقرير نشرته صحيفة الغارديان، قد توضح كيف يمكن أن تتعرض الشركات البريطانية للعقوبات إذا شاركت في مشروع “E1”، وقد تشمل أيضًا عقوبات جديدة ضد كيانات تدعم عنف المستوطنين. غير أن النقطة الأهم لا تزال غامضة: هل ستذهب الحكومة البريطانية إلى حد حظر التجارة مع المستوطنات غير القانونية؟ أم ستبقى الخطوة محصورة في تحذير الشركات من مشروع بعينه، بينما تستمر شبكة العلاقات الاقتصادية والتجارية الأوسع مع منظومة الاستيطان والاحتلال؟
هذا الغموض هو ما يجعل الحديث عن “تحرك بريطاني” بحاجة إلى كثير من الحذر. فبريطانيا اعتادت، منذ بدء الإبادة في غزة وتصاعد الجرائم في الضفة الغربية، أن تتحدث بلغة القلق، ثم تتراجع عند لحظة الفعل. تصدر بيانات، تطالب بضبط النفس، تعلن نيتها اتخاذ “خطوات ملموسة”، ثم تترك إسرائيل تواصل القتل والتجويع والتهجير والتوسع الاستيطاني، دون ثمن حقيقي. وحتى عندما تعلن لندن عقوبات، غالبًا ما تأتي متأخرة، محدودة، ومحسوبة بحيث لا تمس جوهر العلاقة السياسية والعسكرية والاقتصادية مع الاحتلال.
الضغط الداخلي على الحكومة البريطانية لم يعد هامشيًا. فقد وقّع 137 نائبًا من حزب العمال رسالة إلى وزيرة الخارجية إيفيت كوبر، يطالبون فيها باتخاذ “إجراء عاجل وملموس” لمواجهة تصاعد الانتهاكات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، وبالأخص من خلال إنهاء التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية. واللافت أن الرسالة لم تصدر من هامش سياسي معارض فقط، بل وقّعها رؤساء كل اللجان البرلمانية التي يقودها حزب العمال، إضافة إلى شخصيات بارزة مثل جيس فيليبس وإميلي ثورنبيري، ما يعكس حجم الضغط داخل الحزب الحاكم نفسه.
ميلاني وارد، التي نظمت الرسالة وكانت سابقًا المديرة التنفيذية لمنظمة المعونة الطبية للفلسطينيين قبل دخولها البرلمان، قالت إن حظر تجارة المستوطنات سيبعث بأوضح رسالة ممكنة إلى إسرائيل مفادها أن المستوطنات لا مستقبل اقتصاديًا قابلًا للحياة لها، وأن العالم يرفضها. هذه العبارة تكشف الفارق بين إجراء رمزي يستهدف مشروعًا محددًا، وبين سياسة حقيقية تستهدف البنية الاقتصادية للاستيطان. فالمستوطنات لا تقوم على الجنود والمستوطنين فقط، بل على شركات، وبنوك، وبنية تحتية، وسلاسل توريد، واستثمارات، وتجارة، وأسواق تسمح للجريمة بأن تتحول إلى مشروع اقتصادي مربح.
الرسالة البرلمانية ذكّرت الحكومة البريطانية بأنها تعهدت في فبراير 2026 باتخاذ “خطوات ملموسة” ضد تهديدات التهجير القسري والضم، لكنها لم تفعل شيئًا رغم أن الوضع ازداد سوءًا بصورة كبيرة. وهذه النقطة تحديدًا تفضح أحد أهم أوجه التناقض في السياسة البريطانية: الحكومة تعرف، وتتعهد، وتقرّ بالخطر، ثم تترك الوقائع تتدهور حتى تصل إلى نقطة لا يمكن إنكارها. عندها فقط، تتحرك ببطء، ليس بالضرورة لحماية الفلسطينيين، بل لحماية نفسها من الاتهام بالتواطؤ الكامل.
وتستند رسالة النواب إلى موقف قانوني واضح، إذ تشير إلى أن محكمة العدل الدولية وجهت الدول الثالثة إلى عدم الدخول في تعاملات تجارية مع إسرائيل تتعلق بالأرض الفلسطينية المحتلة، وهو ما يُفهم على نطاق واسع بأنه يحظر التجارة مع المستوطنات. كما تؤكد الرسالة أن بريطانيا لا تحتاج إلى تشريع أولي جديد لحظر هذه التجارة، لأن لديها سوابق في القانون والسياسة بعدم التعامل التجاري مع أراضٍ محتلة بصورة غير قانونية، مثل شبه جزيرة القرم وغيرها من المناطق الأوكرانية المحتلة. وبذلك لا تصبح المسألة سؤالًا قانونيًا معقدًا، بل سؤال إرادة سياسية: لماذا تستطيع بريطانيا أن تقاطع أراضي محتلة في حالة، ثم تتردد عندما يكون الاحتلال إسرائيليًا؟
هذه الازدواجية ليست تفصيلًا، بل جوهر الأزمة. حين يتعلق الأمر بروسيا، تتحدث بريطانيا بلغة القانون الدولي، والسيادة، وعدم الاعتراف بالاحتلال، وضرورة العقاب الاقتصادي. أما حين يتعلق الأمر بإسرائيل، تتحول اللغة إلى تردد، وتوازنات، وقلق، و”خطوات قيد الدراسة”. وهذا ما يجعل أي إعلان جديد عن العقوبات موضع شك مشروع: هل تريد لندن فعلًا مواجهة الاحتلال، أم تريد فقط إنتاج مشهد سياسي يسمح لها بالقول إنها “فعلت شيئًا” دون أن تدفع إسرائيل ثمنًا حقيقيًا؟
المشروع الذي يدور حوله التحرك الحالي، “E1”، ليس مجرد توسع استيطاني إضافي. إنه مشروع استراتيجي يهدف إلى قطع الضفة الغربية بين شمالها وجنوبها، وربط القدس بمستوطنة “معاليه أدوميم”، وتحويل التواصل الفلسطيني إلى شبه مستحيل. وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش لم يُخفِ الهدف، بل قال صراحة إن المشروع سيدفن فكرة الدولة الفلسطينية، واصفًا إياه بأنه “الصهيونية في أفضل صورها: بناء واستيطان وتعزيز للسيادة في أرض إسرائيل”. هذه ليست زلة لسان، بل إعلان سياسي واضح بأن الاستيطان هنا ليس مجرد وحدات سكنية، بل أداة لإنهاء أي إمكانية لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
وفي قلب هذا المخطط تقف خان الأحمر، القرية البدوية الفلسطينية التي تعيش منذ سنوات تحت تهديد الإزالة والتهجير. فقد أدانت لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف أمرًا وقّعه سموتريتش لبدء تهجير سكان خان الأحمر، محذرة من أن ذلك سيزيد خطر النقل القسري للسكان المدنيين، ومؤكدة أن مثل هذه الخطوة غير قانونية وترقى إلى جريمة حرب. ومع ذلك، لا تزال إسرائيل تمضي في طريقها، لأن سنوات طويلة من الإفلات من العقاب علمتها أن البيانات الدولية لا توقف الجرافات، وأن القلق الغربي لا يحمي البيوت من الهدم.
من هنا، لا تبدو العقوبات المقترحة كفعل رادع إلا إذا تجاوزت مستوى التحذير إلى ضرب البنية الاقتصادية للاستيطان. فحظر مشاركة الشركات في “E1” خطوة ضرورية، لكنها غير كافية إذا بقيت التجارة مع المستوطنات مستمرة، وإذا بقيت الشركات قادرة على التعامل مع اقتصاد الاحتلال في مشاريع أخرى، وإذا بقيت إسرائيل مطمئنة إلى أن العقاب سيطال الأطراف الهامشية لا الدولة نفسها. فالاستيطان ليس مشروعًا منفصلًا عن الدولة الإسرائيلية، بل سياسة رسمية تديرها الحكومة، ويحميها الجيش، ويمولها الاقتصاد، ويدافع عنها وزراء يجاهرون علنًا بنيتهم دفن الدولة الفلسطينية.
فرنسا، من جانبها، دفعت باتجاه عقوبات لا تستهدف فقط المسؤولين عن العنف، بل أيضًا الكيانات والشركات والمنظمات في إسرائيل التي تمنح المستوطنين المتطرفين الوسائل اللازمة لطرد الفلسطينيين من أراضيهم، وحرق محاصيلهم، وتدمير مبانيهم العامة، كما قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو. هذه الصياغة أكثر اقترابًا من بنية الجريمة؛ فهي لا ترى عنف المستوطنين كأفعال فردية منفلتة، بل كجزء من منظومة دعم وتمويل وتسليح وتغطية سياسية واقتصادية. لكن السؤال يبقى: هل ستتبنى بريطانيا هذا النهج فعلًا، أم ستختار مجددًا الحد الأدنى الذي لا يغضب إسرائيل كثيرًا ولا يرضي الضمير العام إلا مؤقتًا؟
لقد فرضت بريطانيا في أغسطس الماضي عقوبات على إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، لكن هذا الإجراء، رغم أهميته الرمزية، لم يغير سلوك الحكومة الإسرائيلية، ولم يوقف عنف المستوطنين، ولم يحمِ الفلسطينيين من القتل والتهجير والتوسع الاستيطاني. أما الاتحاد الأوروبي فقد تراجع الشهر الماضي عن فرض عقوبات مماثلة بسبب المعارضة الداخلية واشتراط الإجماع، ولا يزال القرار قيد المراجعة مع استمرار اعتراض دول مثل التشيك. هذه الوقائع تكشف أن إسرائيل لا تواجه جدارًا دوليًا صلبًا، بل منظومة غربية منقسمة، مترددة، وحريصة على ألا تذهب بعيدًا في محاسبتها.
وفي الوقت نفسه، تستمر الحرب على غزة، حيث تجري اجتماعات في القاهرة مع حركة حماس والوسطاء من مصر وقطر وتركيا ومحاولات من فريق دونالد ترامب لكسر الجمود، بينما تهدد إسرائيل بتوسيع المناطق التي تسيطر عليها وتكثف هجماتها. هذا الربط مهم، لأن ما يجري في الضفة الغربية لا يمكن عزله عما يجري في غزة. إسرائيل تتحرك على الجبهتين بمنطق واحد: في غزة قتل وتجويع وتدمير وتهجير، وفي الضفة ضم واستيطان وعنف مستوطنين وتفكيك للجغرافيا الفلسطينية. لذلك فإن حصر العقوبات في مشروع “E1” وحده سيعني التعامل مع عرض واحد من أعراض الجريمة، لا مع الجريمة كلها.
الحقيقة التي تحاول العواصم الغربية الهروب منها هي أن إسرائيل تجاوزت منذ زمن بعيد كل الخطوط التي تزعم هذه الدول أنها لا تقبل تجاوزها. قتلت الأطفال، قصفت البيوت، حاصرت المستشفيات، جوّعت المدنيين، دعمت المستوطنين، وسعت إلى ضم الأرض بالقوة، ومع ذلك ظلت العواصم نفسها تبحث عن صياغات مخففة، وإجراءات مؤجلة، وعقوبات انتقائية. لذلك، عندما تتحدث بريطانيا اليوم عن عقوبات بسبب مشروع “E1”، يصبح من حق الفلسطينيين، ومن حق كل من تابع سنوات الإفلات من العقاب، أن يسألوا: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الحدود؟ ولماذا لم تكن العقوبات منذ الجريمة الأولى؟
إن اختبار جدية بريطانيا لن يكون في إعلان العقوبات، بل في نطاقها ونتائجها. فإذا اقتصرت على تحذير الشركات من مشروع محدد، فستكون أقرب إلى إدارة إعلامية للغضب. وإذا شملت كيانات مرتبطة بعنف المستوطنين دون حظر شامل لتجارة المستوطنات، فستبقى خطوة ناقصة. أما إذا ذهبت إلى إنهاء التجارة مع المستوطنات غير القانونية، ومعاقبة الشركات والكيانات التي تغذي الاستيطان، ومراجعة العلاقة الأوسع مع دولة الاحتلال، فحينها فقط يمكن القول إن لندن بدأت تنتقل من الكلام إلى الفعل، ولو بعد تأخر مخزٍ.
حتى ذلك الحين، تبقى العقوبات البريطانية المحتملة موضع اشتباه سياسي وأخلاقي. فالدولة التي استمرت طويلًا في حماية إسرائيل دبلوماسيًا، والتردد في وقف علاقات عسكرية وتجارية معها، لا تستطيع أن تقدم نفسها فجأة كمدافع صارم عن القانون الدولي بمجرد أنها تفكر في معاقبة شركات قد تشارك في مشروع استيطاني فاضح. المطلوب ليس خطوة محسوبة لإسكات الانتقادات، بل قطيعة واضحة مع سياسة الإفلات من العقاب. والمطلوب ليس إنقاذ وهم حل الدولتين بعد أن سحقته إسرائيل على الأرض، بل إنقاذ الفلسطينيين أنفسهم من آلة قتل وضم وتهجير لم تكن لتتمادى إلى هذا الحد لولا علمها أن العقاب الغربي، إن جاء، يأتي دائمًا متأخرًا، محدودًا، ومصممًا ألا يؤلم كثيرًا.