تغيير حجم الخط ع ع ع

تتواصل حالة الجدل والغضب في الأوساط الشعبية والرسمية المصرية بعد الإعلان عن بيع رأس تمثال الملك توت عنخ أمون في مزاد علني بلندن الشهر المقبل.

وكانت دار “كريستيز” الشهيرة للمزادات في لندن، قد أعلنت بيع رأس التمثال الذي يعود تاريخه إلى 3 آلاف عام في مزاد سيعقد في الرابع من تموز/يوليو المقبل، ووضعت له مبلغا تقديريا قيمته 5 ملايين دولار.

لكن السلطات المصرية أكدت اتخاذ العديد من الإجراءات لوقف عملية البيع والتحفظ على رأس التمثال وطلب إعادته إلى البلاد.

وأثارت هذه الأزمة تساؤلات حول كيفية خروج هذا التمثال من مصر ووصوله إلى دار كريستيز للمزادات، وما إذا كانت المساعي المصرية لوقف عملية البيع واسترداده ستكلل بالنجاح.

 

جهود مصرية

وأكد مجلس الوزراء المصري، في بيان له يوم الجمعة، اتخاذ الإجراءات القانونية كافة مع الإنتربول الدولي من أجل استرداد التمثال، مشيرا إلى أن وزارة الخارجية قامت بمخاطبة نظيرتها البريطانية ومنظمة اليونسكو وصالة المزادات لوقف عملية البيع، وطلب الحصول على المستندات الخاصة بملكيتها، فضلا عن المطالبة بأحقية مصر ‏في استعادتها في ظل القوانين المصرية الحالية والسابقة.

وأعلن وزير الآثار خالد العناني، أنه عقد اجتماعا طارئا يوم الأربعاء الماضي مع اللجنة القومية ‏للآثار المستردة، بحضور ممثلين عن وزارة العدل والنيابة العامة وجهات قضائية وأمنية، لبحث كيفية وقف بيع القطع الأثرية المصرية واستعادتها.

كما أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار مصطفى وزيري، أن مصر تتحدى القائمين على المزاد، لإثبات خروج هذه القطعة الأثرية من مصر عبر قنوات شرعية من خلال مستندات رسمية، موضحا أن هذه القطعة قد تكون خرجت من أحد المعابد وسيطالب باستردادها فورا”.

وأعلنت النيابة العامة المصرية الخميس الماضي، أنها أرسلت مذكرة قضائية إلى نظيرتها البريطانية لوقف بيع والتحفظ على 32 قطعة أثرية موجودة علي كتالوج صالة كريستيز ‏لبيعها في مزاد يومي 3 و 4 من شهر تموز/يوليو المقبل.

زاهي حواس

وقال عالم الآثار المصري زاهي حواس، إن تاريخ الرأس المنحوت من حجر الكوارتزيت على هيئة الإله آمون إلى أكثر من 3000 عام، ومن المرجح أن يكون هذا التمثال قد سُرق من معبد الكرنك بالأقصر عام 1970.

وأضاف حواس في تصريحات لشبكة “إيه بي سي نيوز” الأمريكية: تم تهريب هذه القطعة إلى خارج البلاد، ولا يمكن أن تظهر كريستيز أي دليل على ملكيته، وتابع، إنه حق مصر تماما ولن نسمح لأي شخص ببيعه.

لكن “كريستيز” ردت قائلة إنه لا يمكن تتبع الآثار القديمة بحكم طبيعتها عبر آلاف السنين، لكن المهم هو إثبات ملكية حديثة وحق قانوني في البيع، وهو ما فعلناه بوضوح”.

وأضافت في بيان نقلته “إيه بي سي نيوز”: “لن نعرض للبيع أي غرض إذا كان هناك ما يدعو إلى القلق بشأن ملكيته، ونحن نلتزم بشدة بالمعاهدات الثنائية والقوانين الدولية في هذا الصدد، لكننا نذكر بأن هناك سوقا شرعيا قديما لأعمال فن العالم القديم، شاركت كريستيز فيه على مدى أجيال”

وأوضحت الدار تسلسل ملكية التمثال، قائلة إنها حصلت عليه بالإضافة إلى تابوت فرعوني خشبي وتمثال لقطة مصرية قديمة، من تاجر الآثار الألماني هاينز هيرزر عام 1985، وأضافت أن هذه القطع الأثرية كانت مملوكة في السابق لتاجر الآثار النمساوي جوزيف ميسينا، الذي حصل عليها بدوره من الأمير “فيلهلم فون ثور أوند تاكسي” بين عامي 1973 و1974، منوهة إلى أنه يعتقد أن الأمير “فيلهلم” حصل عليها في ستينيات القرن العشرين، دون أن توضح كيفية حصولها عليها، حسب ما ذكرت صحيفة “جارديان” البريطانية.

مشوار طويل وصعب

وتعليقا على هذا الموضوع، قال أستاذ ترميم الآثار بجامعة القاهرة محمد عبدالهادي، إن رأس تمثال الملك توت عنخ أمون إذا كانت قد خرجت من مصر قبل عام 1983 فلن تتمكن مصر من استردادها مرة أخرى، مع الأسف، أما إذا كانت خرجت من البلاد بعد هذا التاريخ، فيمكن للحكومة أن تستردها طبقا لأحكام قانون الآثار الصادر عام 1983.

وأوضح أن القانون الصادر عام 1983 ألغى قانونا أقدم صدر عام 1951 كان يتيح الاتجار في الآثار بموجب تصريح من وزارة المعارف، وبموجبه خرجت آلاف القطع الأثرية من مصر وملأت متاحف العالم، لكن أي أثر خرج من مصر بعد صدور قانون 1983 يعد أثرا مهرّبا بطرق غير شرعية ومن حق مصر المطالبة باسترداده.

وأوضح عبد الهادي، في تصريحات لـ “عربي21“، أن هناك العديد من الوسائل، المتعارف عليها في هذا المجال، تتيح التأكد من وقت خروج أي قطعة أثرية من بلدها الأصلي، من بينها التسجيل في السجلات الحكومية، أو سجلات المتاحف العالمية أو حتى صكوك الملكية أو عقود البيع في المزادات العالمية.

وأكد عبد الهادي أن هناك دورا بارزا تقوم به العديد من الجهات المصرية والدولية لإعادة رأس تمثال توت عنخ أمون، وغيرها من القطع الأثرية إلى البلاد، مشيدا في هذا الصدد بالدور الذي تقوم به وزارة الخارجية والسفارة المصرية في لندن ومنظمة اليونسكو.

وأوضح أن هناك تكتلا من تلك الجهات بالإضافة للعديد من الشخصيات الدولية المرموقة والمتخصصين في الخارج، التي تتدخل في الأزمة من أجل منع بيع هذه القطعة المهمة وغيرها من الآثار النادرة.

وأوضح أن هذه الجهود أثمرت من قبل نتائج إيجابية للغاية ونجحت في إعادة مئات القطع، وربما آلاف القطع الأثرية في حالات كثيرة مشابهة لتلك الحالة، متوقعا أن تسفر الجهود المصرية عن وقف بيع رأس توت عنخ أمون في المزاد وإعادته إلى مصر في نهاية المطاف.

وأشار إلى أنه على الرغم من أن مصر نجحت في الفترة الأخيرة في استعادة بعض الآثار المنهوبة، إلا أن المشوار مازال طويلا وصعبا، حيث أعلنت وزارة الآثار في عام 2017 فقدان أكثر من 32 ألف قطعة أثرية على مدار أكثر من 50 عاما مضت.