تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – منصور عطية

لا صوت يعلو في العالم فوق صوت اللقاء المرتقب، الذي تقرر أن يجمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بغريمه الزعيم الكوري الشمالي “كيم جونغ أون”، مايو المقبل في مكان وزمان لم يحددا بعد.

اجتماع يبدو أقل وصف له أنه تاريخي، ويمثل للطرفين فرصة لا تعوض للاتفاق وإنهاء عقود من العداء بين الدولة الشيوعية المنعزلة والقطب الأقوى في العالم سياسيا واقتصاديا وعسكريا، فهل يتم اللقاء؟.

شروط “ترامب” وتعهدات “كيم”

وفي أحدث تعليقات حول اللقاء المرتقب، أعلن “ترامب” أن العمل جار لإتمام “الصفقة” مع كوريا الشمالية، وفي حال نجاحها ستعود بالنفع على العالم بأسره، وغرد على صفحته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”: “هناك عمل جار لإتمام اتفاق مع كوريا الشمالية، وإذا أمكن تحقيقه، سيكون أمرا جيدا للعالم​​، الزمان والمكان سيتم تسميتهما لاحقا”.

وفي وقت سابق، الخميس، أعلن “ترامب” أنه قَبِل عرضَ “كيم”، بشأن اجتماع لمناقشة المشاكل بين البلدين، لكن البيت الأبيض قال إن الرئيس الأمريكي لن يقدم تنازلات لكوريا الشمالية ولن يلتقي زعيمها، ما لم يتخذ إجراءات ملموسة تتطابق مع وعود بيونج يانج.

وقالت المتحدثة الرسمية باسم البيت الأبيض، سارة ساندرز، في مؤتمر صحفي الجمعة: “إن الولايات المتحدة ستواصل اتباع سياسة الضغط القصوى ولن نقدم أي تنازلات، ولن نتقدم طالما لم نر إجراءات ملموسة ومؤكدة من قبل كوريا الشمالية، مستمرون في العمل من موقف القوة”.

كما لفتت إلى أن اللقاء بين “ترامب” و”كيم جونج أون”، لن يجري “حتى اتخاذ كوريا الشمالية خطوات ملموسة”، موضحة أن هذا الأمر سيقيمه مجلس الأمن الدولي، وفي ردها على سؤال حول قبول “ترامب” دعوة “كيم جونج أون” للقائه دون أن يحدد شروطا مسبقة، قالت: “دعنا لا ننسى أن كوريا الشمالية قدمت وعودا”.

وقالت إن كوريا الشمالية “قدمت وعودًا كبيرة بنزع السلاح النووي، ووقف التجارب النووية والصاروخية، وقبول إجراء مناورات عسكرية منتظمة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية”.

هذه التعهدات وجدت صدى لا بأس به لدى “ترامب”، الذي غرد السبت: “لم تجر كوريا الشمالية أية تجربة صاروخية منذ 28 نوفمبر من العام 2017، وتعهدت بعدم تنفيذها خلال لقاءاتنا.. أنا مقتنع بأنهم سيلتزمون بهذا الوعد!”.

وبدا من تغريدات أخرى، أن تلك اللقاءات التي قصدها “ترامب”، كانت تشير إلى لقاءات أجراها الوسيط الكوري الجنوبي حليف الولايات المتحدة، حيث قال: “تحدث كيم جونج أون عن نزع السلاح النووي مع ممثلي كوريا الجنوبية، وليس مجرد تجميد”.

ولعل الجدل القائم عن إمكانية عقد هذا اللقاء المرتقب من عدمه يقود إلى حديث بشأن المكاسب التي يمكن أن يجنيها الطرفان على نحو يدفعهما إلى حدث تاريخي غير مسبوق منذ حرب شبه الجزيرة الكورية في خمسينيات القرن الماضي.

منطقيا، فإن الزعيم الكوري الشمالي يسعى جاهدا لتخفيف العقوبات الاقتصادية التي أرهقت بلاده، حيث تفرض كل من الأمم المتحدة وأمريكا والصين وغيرهم عقوبات على كوريا الشمالية منذ عام 2006، بسبب اختباراتها النووية والصاروخية، كما وضع مجلس الأمن أسماء عدد من الكوريين على القائمة السوداء وعدد من الهيئات، مما يخضعهم لمنع دولي من السفر وتجميد للأصول بسبب دورهم في برامج كوريا الشمالية النووية والمتعلقة بالصواريخ البالستية.

وفي تخفيف تلك القيود الصارمة يمكن لبيونج يانج أن تخرج من عزلتها الدولية الشديدة وتحلق في آفاق الانتعاش الاقتصادي، في حال الوصول مثلا لاتفاق ما يحاكي ما أبرمته إيران مع الدول الكبرى في 2015.

ومن بين المكاسب التي يمكن أن تجنيها كوريا الشمالية من وراء هذا اللقاء وتداعياته، إجهاض الجهود العسكرية الأمريكية على حدودها في كوريا الجنوبية أو بحر الصين الجنوبي، وخلق حالة يعترف فيها العالم بشرعية كوريا الشمالية كدولة نووية، باعتبار ذلك أمرًا واقعًا يجب التعامل معه كما هو.

وبالنسبة لترامب، فإنها أجرأ خطوة تاريخية يتخذها رئيس أمريكي في السياسة الخارجية، ولو نجحت فإنه قد يقدم نفسه باعتباره الرئيس الذي حل مشكلة كوريا الشمالية، المستعصية على الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

كما من شأن الاتفاق مع كوريا الشمالية دليل واضح على نجاح إستراتيجيته القاضية بفرض أقصى درجات الضغوط سياسيا واقتصاديا على بيونج يانج واستمالة الصين.

صفقة “كيم-ترامب”!

ويروج بشدة الحديث عن لعبة يمارسها الزعيم الكوري الشمالي بعدما تمكن بالفعل من امتلاك السلاح النووي القادر على ردع الولايات المتحدة وضرب برها الرئيسي، فهو بذلك قاوم ضغوط العقوبات حتى حقق هدفه، ومن ثم يسعى للجوء إلى التفاوض والسلام لتحقيق هدفه الثاني بالخروج من العزلة وإنعاش الاقتصاد.

هذه اللعبة يمكن أن يكون “ترامب” نفسه جزءًا منها، حيث يعلم جيدا ضرورة الموازنة بين الضغط على بيونج يانج وبين التسليم بقدراتها النووية والخطورة المباشرة على بلاده إذا تهور وأراد أن يحطم ترسانتها النووية القادرة على إصابته في عقر داره.

ولعل المكاسب الكامنة وراء نجاح “ترامب” في تحييد خطر كوريا الشمالية على أمريكا وحلفائها، من شأنها أن تسيل لعابه حتى لو كان في الأمر لعبة هو مشارك فيها.

وهنا تبدو الأحاديث عن تعهدات بيونج يانج وتفاؤل واشنطن بإمكانية تنفيذها، مجرد عبارات دبلوماسية مستهلكة حتى تتم الأمور وفق ما هو مخطط لها، وربما يفسر هذا السيناريو تصريحات “ترامب” بشأن “الصفقة” التي يتم العمل عليها مع كوريا الشمالية وأنها ستفيد العالم بأسره.

ومن يدري، ربما تصل تداعيات الاتفاق المشترك أو تلك الصفقة إلى أن يحصل الزعيمان على جائزة نوبل للسلام تقديرا لإنجازهما.