قال محللون إن السعودية حققت انتصارًا دبلوماسيًا من خلال نجاح عملية تبادل الأسرى في الحرب الروسية الأوكرانية، مما يشير إلى عمق تقارب العلاقات بين ولي العهد السعودي وبين بوتين، وهو أمر لا شك سيسبب قلق متزايد للشركاء الغربيين الذين يسعون لعزل موسكو دوليًا بحجة غزوها لأوكرانيا.

من جهة أخرى، شدد المحللون على أن هذه المبادرة ستساعد -عن قصد أو بغير قصد- محمد بن سلمان في إعادة تأهيل سمعته أمام المجتمع الدولي، والتي تضررت بشدة بعد مقتل جمال خاشقجي في 2018 داخل قنصلية بلاده في إسطنبول.

وكانت روسيا بوساطة محمد بن سلمان قد أطلقت سراح 10 أجانب أسرتهم في أوكرانيا إبان الغزو، بينهم خمسة بريطانيين وأمريكيين.

تزامنت هذه الخطوة مع عملية تبادل أسرى بين روسيا وأكرانيا (215 أوكرانيا مقابل 55 روسيًا)، وهي الخطوة التي يقول عنها المحللون أنها تمت بنجاح بفضل العلاقات الجيدة التي تجمع الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

في تصريحات خاصة، قالت أستاذة العلوم السياسية في معهد بيكر بجامعة رايس في الولايات المتحدة كريستيان أولريتشسن: “إن العلاقات الوطيدة المملكة العربية السعودية وروسيا كانت عنصرًا حاسمًا في إنجاح هذه العملية”، مضيفة “الاستجابة للوساطة السعودية تقول إن محمد بن سلمان يستطيع تقديم نفسه على أنه قادر على لعب دور رجل الدولة الإقليمي بطريقة تتعارض مع الرواية القائلة إن ولي العهد الشاب أمير أرعن ومندفع ومتهور”.

بدأ محمد بن سلمان مسيرته في العمل السياسي معرفًا نفسه بأنه مصلح ومجدد، لكن صورته تضررت بشكل كبير بسبب مقتل جمال خاشقجي على يد عملاء سعوديين قالت التقارير والتحقيقات الدولية إنهم مقربون من الأمير محمد نفسه.

لفتة إنسانية

ردًا على سؤاله إن كان محمد بن سلمان أقدم على هذه الوساطة لتحسين صورته، قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في تصريحات لـBBC إن الدافع الرئيسي وراء ذلك كان “إنسانيًا بحتًا”، نافيًا مزاعم تحسين السمعة، بل قال إنها ادعاءات مثيرة للسخرية.

أما فيما يتعلق بالصراع الروسي الأوكراني نفسه، صرح الأمير فيصل بن فرحان بأن المملكة أرادت تقديم حل تفاوضي، مشيرًا إلى أن الرياض ملتزمة بمحاولة المساعدة في تحقيق هذه النتيجة.

وقال الأمير فيصل إن ولي العهد أجرى محادثات مع بوتين للتوصل إلى صفقة أسرى منذ أبريل/نيسان بعد أن “اطلع” على تفاصيل قضية المواطنين البريطانيين الخمسة بعد لقائه مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك بوريس جونسون في زيارته للمملكة العربية السعودية.

وقال الأمير فيصل لشبكة فوكس نيوز: “استطاع سمو الأمير إقناع الرئيس بوتين بأن هذه لفتة إنسانية تستحق بذل الجهد، وهكذا حققنا هذه النتيجة”.

في سياق متصل، نُقل السجناء المفرج عنهم، من بينهم أسرى من كرواتيا والمغرب والسويد، إلى الرياض على متن طائرة سعودية حيث اصطف المسؤولون لاستقبالهم.

كما قال مسؤولون إن المواطنين الأمريكيين ألكسندر دريك، 39 عامًا، وآندي هوين، 27 عامًا، من المتوقع أن يغادروا المملكة العربية السعودية في غضون أيام.

نمت أهمية المملكة، أكبر مصدر للنفط في العالم، لكل من واشنطن وموسكو في وقت كانت الحرب الروسية في أوكرانيا تزعج أسواق الطاقة العالمية.

وبعد فترة من العزلة نتيجة انتهاكات حقوق الإنسان، شق زعماء العالم طريقًا إلى الرياض للمطالبة بمزيد من إنتاج النفط، لكن المملكة العربية السعودية أبدت استعدادًا ضئيلًا للانضمام إلى جهود عزل روسيا. وعززت تعاونها مع بوتين على مختلف الأصعدة، بخاصة داخل مجموعة منتجي النفط أوبك +.

علاقات “مفيدة” مع روسيا

فشلت زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن في يوليو/تموز في الحصول على وعد من السعوديين بزيادة فورية في إنتاج النفط أو اتخاذ موقف أكثر صرامة ضد بوتين، مما يسلط الضوء على التوترات التي تؤثر على العلاقة بين واشنطن والرياض.

تعليقًا على هذا الوضع، قال المحلل السياسي المقرب من النظام السعودي علي الشهابي إن الوساطة السعودية في إطلاق سراح السجناء “كانت أولى وأهم”.

وأضاف الشهابي: “أعتقد أن المملكة بهذه الوساطة ترسل رسائل إلى الغرب مفادها أن علاقاتها مع روسيا ستعود بالنفع عليهم أيضًا”، متابعًا “أنت بحاجة إلى بعض الدول للحفاظ على العلاقات مع كلا الجانبين”.

وقال دبلوماسي غربي إن صفقة السجناء استغرق إعدادها شهورًا، لكن معظم السلك الدبلوماسي في الخليج سمعوا عنها في المرحلة الأخيرة فقط.

وشكر مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان ووزير الخارجية أنطوني بلينكين ورئيسة الوزراء البريطانية ليز تروس ولي العهد السعودي على دوره.

قالت كريستين ديوان، الباحثة المقيمة البارزة في معهد دول الخليج العربية بواشنطن، إنه من غير المعتاد أن تنشر المملكة العربية السعودية استراتيجية الوساطة الدبلوماسية – بالرغم من أنه أمر مألوف من دول الخليج الأصغر مثل قطر.

وأضافت ديوان “الأمر يشبه التفاعلات الكيميائية التي تبدل خصائص المواد… محمد بن سلمان حول علاقاته مع روسيا التي تعرضت لانتقادات شديدة إلى ذهب.”

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا