تغيير حجم الخط ع ع ع

“أهدرنا الملايين في الترويج لتطبيع زائف”.. بهذا العنوان الصادم والكاشف صدّرت صحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية الأوسع انتشارا في الكيان المُحتل افتتاحيتها اليوم تعليقا على سيل الأخبار التي تصدرت عالميا عن انسحابات الرياضيين العرب من بطولة الألعاب الأولمبية التي تستضيفها العاصمة اليابانية طوكيو هذا العام، وذلك رفضا لملاقاة لاعبين صهاينة.

الصحف الصهيونية اعتبرت أن هذه الانسحابات مثلت ضربة قاصمة لـ”جهود إحلال السلام في المنطقة”، وهي بالطبع تقصد اتفاقيات التطبيع التي وجدت دولة الكيان نفسها محاطة بها منذ الخيانات الصريحة التي قادتها دولة الإمارات العربية المتحدة لتمرير التطبيع خلال حقبة الرئيس الأمريكي اليميني المناصر لإسرائيل دونالد ترامب، والذي تبنى الحملة التي قادها صهره ومستشاره اليهودي المتطرف جاريد كوشنر.

كوشنر، تاجر العقارات الثري الذي اصطف خلف ترامب منذ ترشحه للانتخابات الأمريكية الأولى، قاد حملة شرسة لترويج التطبيع مع الاحتلال، ليجد الاستعداد الكامل وغير المُصدق له هو شخصيا من قِبل النظام الحاكم في الإمارات، التي سرعان ما بدا موقفها لا يتوقف فقط عند حدودها، بل دفعت غيرها من البلاد العربية للهرولة نحو التطبيع، لتجد اتفاقات العار -كما أطلقت عليها الشعوب العربية- مكانها في كل من البحرين والسودان والمغرب.

هذه الخيانة الإماراتية الفجة، دفعت بالاحتلال لرفع سقف طموحه في الانتشار أكثر فأكثر بالمنطقة، مستغلة المال الإماراتي والرغبة الحميمة من نظامها لنشر التطبيع في المنطقة، لتبدأ الأخبار تترى عن توغل صهيوني محتدم في القارة الأرفريقية التي نالت عضوية مراقبة باتحادها بغطاء إثيوبي وضغط إماراتي اقتصادي على دول القارة الفقيرة، وهو الأمر الذي يمثل بلا أدنى شك تهديدا مباشرا لأمن مصر القومي والاستراتيجي، والذي ضربت به الإمارات عرض الحائط رغم تحالفها مع نظام السيسي الانقلابي في مصر.

وفي آسيا، تتحدث وسائل إعلام عالمية عن قرب إعلان تحالف إماراتي إسرائيلي هندي، لمواجهة الصعود الإسلامي بالقارة وحلفه القوي الذي يضم باكستان وتركيا وماليزيا، وهو تحالف سيجعل إسرائيل بلا شك في صدام مباشر مع مسلمي شرق آسيا والأناضول، ومن غير المفاجأة أن الإمارات بالطبع سوف تكون الدرع الضارب ماليا واستراتيجيا في الحلف الإسرائيلي الهندي.

وهكذا كانت الصورة قاتمة تماما في عيون رافضي التطبيع العربي وهم يشاهدون الأخبار تلو الأخرى عن التوغل الصهيوني المتسارع في المنطقة، لتأتي أخبار الانسحابات العربية من البطولة الرياضية الأشهر عالميا بعد بطولة كأس العالم لكرة القدم، والتي يتابعها الملايين حول العالم، بانسحابات متتالية للاعبين العرب رفضا لملاقات نظرائهم الصهاينة الذين يحملون على أقمصتهم علم الاحتلال الصهيوني.

وبدأت قائمة الانسحابات في الصدارة بإعلان لاعب الجودو الجزائري فتحي نورين من دورة ألعاب طوكيو انسحابه من البطولة من أجل تجنب لاعب الجودو الإسرائيلي توهار بتبل، ليصبح في غضون ساعات حديث الإعلام العالمي الذي احتفى بموقفه الراسخ من قضية بلاده، بينما وقف الإعلام الصهيوني غاضبا أمام قرار اللاعب الذي جاء مختلفا تماما عمن سبقه من المنسحبين للسبب نفسه.

وأوغر صدر الإعلام الصهيوني كون المقاطعين في الماضي، كانوا يتظاهرون بتعرضهم للإصابات من أجل تقديم عذر يفترض أنه مقبول لتقاعدهم عن اللعب، لكن اللاعب الجزائري نورين أعلن بكل فخر انسحابه رفضا لملاقاة لاعب صهيوني، وأضاف في مقابلة مع التلفزيون الجزائري: “لا أنوي أن تتسخ يدي بمصافحته”، وهو الأمر الذي عاد وأكده مدرب اللاعب الجزائري، الذي أعلن في تصريحات له، أن الفريق الجزائري لم يكن محظوظاً بما يكفي، لأنه كان “الخصم إسرائيلياً”، مؤكداً أن هذا هو السبب وراء قرار الانسحاب، قائلاً: “لقد اتخذنا القرار الصحيح”.

اللاعب الثاني الذي انسحب من البطولة مسببا صدمة مضاعفة للإعلام الصهيوني كان اللاعب السوداني محمد عبد الرسول الذي انسخب من منافسات الجودو الأولمبية لتجنب ملاقاة الصهيوني بوتبول طاهار في الدور الثالث رغم خضوعه لقياس الوزن قبل المواجهة التي كان من المفترض أن تجمع بينهما في وزن 73 كغم للرجال، وذلك بعد يومين فقط من انسحاب اللاعب الجزائري نورين الذي انسحب من اللعبة نفسها.

الصدمة الكبيرة من الانسحاب السوداني في عيون الإعلام الصهيوني، جاء لكون هذه الخطوة تصطدم بشدة مع الدعاية الصهيونية المستمرة حول انضمام السودان لقائمة الحلفاء المُطبعين، بينما جاء قرار عبد الرسول ليضرب بكل تلك الدعايات الصهيونية عرض الحائط، ويكشف بجلاء عن الموقف السوداني الشعبي الأصيل المتجذر في دعمه للحق الفلسطيني الراسخ، وهو ما شكل صدمة للإعلام العبري الذي عبر عن سخطه الشديد من الموقف الشعبي الذي “يرفض أيادي السلام المدودة من إسرائيل إلى شعوب المنطقة المتشبثة بخصومتها مع إسرائيل”.

وفي محاولة لتنفيس غضبها الجام، اتهمت الصحف الصهيونية اللجنة الأولمبية الدولية المنظمة للبطولة في طوكيو بما أسمته “التساهل” مع اللاعبين العرب المنسحبين من البطولة، أو على حد وصف الإعلام الصهيوني: “اللاعبون الذين يستخدمون المنافسة في البطولة الأوسع رياضيا كمنصة لمقاطعة إسرائيل بشكل علني والتنديد بسمعتها عاليما”، مطالبين اللجنة الأولمبية الدولية بـ”الرد بقسوة” على ما وصفه بهذا “العمل الوقح”.