تغيير حجم الخط ع ع ع

يبدو أن المملكة العربية السعودية ودولة قطر على وشك الوصول إلى حل قد ينهي الخلاف الدبلوماسي الذي عزل الدوحة عن جيرانها منذ 2017، على الرغم من استمرار تواجد الفجوات الواسعة بين البلدين، حيث قامت السعودية الشهر الماضي بدعوة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لحضور القمة الخليجية السنوية والتي أقيمت في الرياض، في محاولة منها لكسر الجمود الذي أدى إلى شق الصف بين دول مجلس التعاون الخليجي، وفي المقابل لم ترفض السعودية المشاركة في بطولة كأس الخليج العربي الرابعة والعشرين والتي استضافتها قطر.

من جهته، شارك المنتخب السعودي في البطولة على الأراضي القطرية، بينما أرسل الشيخ تميم بن حمد رئيس وزرائه لحضور القمة الخليجية بالنيابة عنه، في إشارة واضحة من الدوحة أنها تريد حل الخلاف مع السعودية مع تمسكها برفضها المطالب السعودية لإجراء الصلح، والتي تعلقت بسياسات قطر الداخلية والخارجية والإقليمية، وكان لتلك الموقف دلالة أخرى أيضاً وهي أن تميم أراد التفاوض مع السعودية من موقع قوة.

بدأت الأزمة الخليجية في يونيو/حزيران 2017، عندما قامت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومعهم مصر في خطوة “منسقة” بقطع جميع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، وفرض حصاراً جوياً واقتصادياً عليها، متهمين إياها بدعم الإرهابيين وإقامة علاقات قوية بإيران وتركيا، على حد سواء، وهما المنافسين الإقليميين للرياض.

نفت قطر بشدة هذه الاتهامات، التي صاغتها دول الحوار في قائمة تضم 13 مطالبًا لإنهاء الأزمة، بما في ذلك قطع العلاقات مع إيران، وإغلاق شبكة الجزيرة الإخبارية في الدوحة، وإنهاء الدعم لـ “المنظمات الإرهابية والطائفية والأيديولوجية”، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين والتي تصنفها تلك الدول كمنظمة إرهابية.

مقاطعة قطر لم يكن الهدف تقليص دعم الدوحة للجماعات الإسلامية فحسب، بل أيضًا إعادة توجيه سياسات قطر الخارجية بعيدًا عن البلدان والأحزاب التي تعتبر معادية للمصالح السعودية والإماراتية.

كنتيجة عكسية، دفعت هذه المقاطعة قطر إلى تعميق علاقاتها مع تركيا وإيران، فمنذ عام 2017، زادت الدوحة وأنقرة من الاستثمارات التجارية الثنائية والتبادلات الدبلوماسية رفيعة المستوى وكذلك زاد البلدان من التعاون العسكري فيما بينهم.

من ناحية أخرى عززت إيران صادرات المواد الغذائية إلى قطر، مما ساعد على تخفيف اعتماد الدوحة على جسرها البري مع المملكة العربية السعودية فيما يتعلق بالواردات الزراعية، والذي تأثر بسبب الحصار.

وعلى الرغم من أن الحصار قد قلل من رغبة قطر في دعم الإسلاميين في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا مشاركة قطر في حل النزاعات في شرق إفريقيا وقطاع غزة لم تتأثر بالحصار.

تمكنت قطر بفعالية من التحايل على آثار الحصار من خلال مزيج من الموارد الاقتصادية والقوة الناعمة، وكذلك من خلال تعزيز العلاقات مع الدول العربية الأخرى.

في العام الماضي على سبيل المثال، قدمت إلى الأردن حزمة مساعدات بقيمة 500 مليون دولار لتعزيز اقتصادها المتعثر، كما قامت بتوفير فرص عمل م لـ 10 آلاف أردني في قطر، وقد أتى ذلك الاستثمار آثاره في الصيف الماضي، حيث وافقت الأردن على تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، بعد خفض مستوى العلاقات في البداية في عام 2017.

الموقف التفاوضي لدولة قطر تعزز أيضاً من خلال استجابة وطنية قاسية من سكانها، الذين احتشدوا حول قيادة تميم، وسياساته الاقتصادية القوية، فانتعش الناتج المحلي الإجمالي السنوي  ونما من 1.6 في المائة إلى 2.1 في المائة في عام 2018، ومن المقرر أن يرتفع إلى 3.4 في المائة بحلول عام 2021، من المتوقع كذلك أن تحتفظ الحكومة أيضًا بفائض في الميزانية لعام 2019.

المملكة العربية السعودية، من ناحية أخرى، تجد نفسها الآن في وضع أضعف الآن مما كانت عليه في 2017، حيث تكافح من أجل التصدي للانتقادات الدولية بسبب مجموعة من القضايا، بما في ذلك سجلها المحلي “المسيء” في مجال حقوق الإنسان، وكذلك مقتل الصحافي جمال خاشقجي عام 2018 داخل القنصلية السعودية في اسطنبول، والحرب التي تقودها السعودية في اليمن.

من المرجح أن تعود تلك القضايا إلى دائرة الضوء العام الجاري عام 2020، حيث أصبحت المملكة العربية السعودية أول دولة عربية تتولى الرئاسة الدورية لمجموعة العشرين، وستكون هذه فرصة مهمة لإعادة ضبط خطوات السياسة الخارجية للمملكة وإعادة تحديد القيادة المضطربة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بدءاً من حل الأزمة مع قطر.

إن الولايات المتحدة الأمريكية، الشريك الأمني ​​الأكثر أهمية للمملكة العربية السعودية، تعمل أيضًا على دفع جميع الأطراف المشاركة في النزاع للتغلب على خلافاتهم في محاولة لجعل سياسة الرئيس دونالد ترامب المتمثلة في “الضغط الأقصى” على إيران أكثر فعالية.

موقف ترامب المتغير ساهم في تغيير المشهد بصورة كبيرة، فبعد أن رحب ترامب في البداية بالحصار المفروض على قطر وحتى بدا وكأنه ينسب إليه الفضل في ذلك، أرسلت الولايات المتحدة وفداً إلى منتدى الدوحة السنوي في ديسمبر/كانون الأول 2019، حمل رسالة واضحة ومتسقة بشكل غير معتاد، مفادها: أن الانقسامات بين الحلفاء الأمريكيين في الخليج لا تخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، وأن إدارة ترامب تدعم قطر بالكامل، والتي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.

على صعيد آخر، أظهرت الهجمات الإيرانية الأخيرة على المنشآت النفطية في شرق المملكة العربية السعودية حدود الضمانات الأمنية الأمريكية، مما جعل وحدة مجلس التعاون الخليجي أولوية عليا للسعودية التي لم تجد الولايات المتحدة معها ضد الهجمات الإيرانية.

نتيجة لذلك، فإن لدى الرياض كل الأسباب لبدء المحادثات مع قطر والتوصل إلى اتفاق عاجلاً وليس آجلاً، كما تحرص قطر أيضًا على تطبيع العلاقات مع شركائها في دول مجلس التعاون الخليجي، ولكن بالنظر إلى أنها نجحت في التغلب على العاصفة ووجودها في وضع تفاوضي قوي، فمن المحتمل ألا تفعل ذلك دون التأكد من بعض الضمانات أولاً.

على سبيل المثال، لن تقطع قطر أو تقلل من علاقاتها مع تركيا، لأن هذه العلاقة أثبتت جدواها ويرى القادة القطريون أنها موازنة مهمة لطموحات المملكة العربية السعودية الإقليمية.

من المرجح أيضاً أن تقدم الدوحة ضمانات هادئة بشأن حدود علاقتها بإيران، في حين أن بقية المطالب التي قدمتها دول الحصار عام 2017 قد يتم تعليقها على الرف وتجاهلها.

ومع ذلك، فإن حقيقة أنه من مصلحة الطرفين حل الخلاف لا يعني بالضرورة أنه سيكون سلسًا، حيث تعرف قطر أن المملكة العربية السعودية في عجلة من أمرها، لذلك ستقضي وقتها حتى يتم تلبية مطالبها.

من الجدير بالذكر أنه بعد أيام قليلة من عدم حضور الأمير تميم قمة دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض، حضر بنفسه تجمع لزعماء من جميع أنحاء العالم الإسلامي في كوالالمبور، وهو اجتماع حضره أيضًا زعماء إيران وتركيا، وتجاهله السعودية والإمارات، لتؤكد قطر بموقفها هذا أنها ستسعى إلى حل دبلوماسي للأزمة مع عدم تخليها عن شراكاتها الجديدة، كذلك فهو دلالة على أن قطر لن تعود إلي الدوران داخل المدار السعودي.

بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت ستتمسك بمواءمة سياستها الخارجية مع الخط المتشدد لدولة الإمارات، على الرغم من المخاطر الاقتصادية، فالرياض ليست في وضع جيد للمساومة، بالنظر إلى جهودها لإعادة تأهيل سمعتها العالمية وحاجتها الماسة إلى الاستثمار الأجنبي لتحفيز جدول أعمال ولي العهد الاقتصادي الطموح، ما يعني أنه من المرجح أن يتوصل إلى حلول وسط لم تكن متصورة قبل عامين فقط، حتى لو كان ذلك يعني الانفصال عن الإمارات بشأن عزل قطر والضغط على إيران.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا