تغيير حجم الخط ع ع ع

‏‏تقول حكاية طريفة ترويها الجدات للأطفال إن عقلا عيّر قلبا ذات مرة بأنه لا يملك مقومات التفكير والذكاء، ناعتا إياه بالغبي الذي لا يفرق بين اختلاف الحادثات.. فاستجمع القلب قواه قبل أن يسأل العقل: وأيّ منك يحمل حِسا يشعر أو نبضا يرق أو شغفا يتعلق!؟

‏تلك حكاية كبرى: حرب العقل والقلب وما يدور بينهما من صراع حين اتخاذ قرار.. تنافسية العاطفة والتفكير، الجفوة والوصل، المشاعر والتخطيط، وما بينهما من نزاع يضع الإنسان دوما أمام اختبار لإنسانيته في كل حدث اختياري متكرر.

للوهلة الأولى، يبدو أن الاثنين (العاطفة والعقلانية) يصلحان لأن يكونا طرفي معادلة واحدة، وأن تنحية جانب منهما يخلق انحرافا في المسار، فالعاطفة وحدها تغيّب المنطق، وتلهي الصواب.. وغياب العاطفة يحيل الإنسان جمادا غير قادر على الحس، تاركا إياه كجهاز حاسوب، تقسي القلب، وتخلع عن الإنسان إنسانيته وماهية وجوده.

لكن على الجانب العملي، نجد أن الإنسان دائما ما يغلبه أحدهما عند اتخاذ أي قرار، وأنه قلما يفكر الإنسان بعقلانية وعاطفية معا، لتخرج نتيجته متزنة واعية ومحققة للصواب المنتظر، وأن النزاع بين العاطفة والعقل لا ينتهي في خاطر الإنسان أبدا.

ويزخر التاريخ بقصص كثيرات حول قادة دفعهم الحب أو الكره أو حتى شغف التوسع وطموح الوصول (وكلها عواطف كامنة) إلى الدخول في حروب أو صراعات لا نهائية، بشكل يكاد يجزم لنا أن أصحاب تلك التجارب عاطفيون دون جدال.

لكن سرعان ما يكشف لنا التاريخ كيف أن هؤلاء العاطفيون، أو من توسمنا كونهم عاطفيين، قد خططوا لحروبهم بعقلانية مثيرة للتأمل والإعجاب حينا، والاستغراب والجنونية أحيانا أخرى.. هنا يكون الجانب العقلاني الجاف حاضرا بقوة دون تشويه أو تلويث، رغم أنه صادر عن الشخص نفسه الذي جزمنا قبل لحظات بكونه عاطفيا بلا ريب.

ولعل السمة الأبرز لذلك النزاع الداخلي هو أنه متغير متعدد الأوجه والنتائج، فلا الإنسان يمكن تصنيفه دائما في خانة العاطفي أو العقلاني، والعكس بالعكس. هذا غير الشائع في مسابقات الإنترنت حول سمات الشخصيات العاطفية والعقلانية.

يخالف هذا أيضا ما يتم الترويج له في محاضرات التنمية البشرية وتطوير الذات حول السمات الخاصة بالعقلانيين والعاطفيين وما يلزم كل منهما تغييره لكي يحقق الموازنة بينهما، وهو الأمر الذي تعقد من أجله عشرات المحاضرات التي يغلب عليها الحضور النسائي إيذانا بتأثر أغلبهن بما يتردد حول كونهن عاطفيات على الدوام.

بيد أن العاطفة والعقلانية كلاهما حاضران في خاطر الإنسان، ولكل منهما محفزاته التي تدفع صاحبتها للاستمرار في النزاع ثم الانتصار فيه، فالأم حين تفكر في قرار يتعلق بمصير أولادها، يغلبها الجانب العاطفي مهما حاولت استدعاء العقلانية، يختلف هذا حين تفكر في قرار يتعلق بمواعيد دفع فواتير الكهرباء للمحصل الذي سيزور البيت قريبا… وهكذا.

الإنسان إذن عاطفي وعقلاني في جنباته، والأحداث ومحفزاتها وأطرافها وشخوص أبطالها هي ما تحدد الجانب المنتصر منهما، والساعي لتحقيق التوازن بينهما عليه أن يفهم جيدا كيف تتوغل المحفزات على اختياره، وكيف تتدفعه للانحياز إلى جانب دون الآخر.

 

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.