بينما يُعرف الشيخ منصور بن زايد آل نهيان في الغرب بصفته مالك نادي مانشستر سيتي وأحد رموز “القوة الناعمة” الإماراتية، تكشف تحقيقات صحيفة نيويورك تايمز عن وجه آخر أكثر ظلامًا، يقف خلف دعم انقلابات عسكرية، وتمويل أمراء حرب، وتأجيج صراعات دامية في السودان وليبيا.

فالرجل الذي نادراً ما يظهر علناً، صار يُوصف الآن بـ”مهندس حروب الظل”، وذراع شقيقه محمد بن زايد لتوجيه التدخلات العسكرية في المنطقة، مستخدمًا ثروته الرياضية الهائلة ستارًا لإخفاء نشاطه الإجرامي الذي فاق التصور.

دبلوماسية الدم والطائرات المسيّرة: السودان نموذجاً

بحسب تقرير الصحيفة الأمريكية، فإن منصور بن زايد كان على اتصال دائم بالجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي)، زعيم قوات الدعم السريع السودانية، قبل اندلاع الحرب الأهلية في السودان في أبريل 2023. وقد زاره الأخير مرارًا في أبوظبي، حيث اصطحبه منصور في جولة بمعرض للأسلحة والطائرات المسيّرة. وعندما اشتعلت الحرب، لم تتأخر الإمارات – عبر مؤسسات خيرية تابعة لمنصور – في إنشاء مستشفى ميداني بشرق تشاد، قُدِّم كواجهة إنسانية، لكنه كان في الحقيقة قاعدة لتهريب الأسلحة والطائرات بدون طيار إلى قوات الدعم السريع.

المسؤولون الأمريكيون، الذين رصدوا اتصالات منتظمة بين حميدتي وقادة إماراتيين، بينهم منصور، أكدوا أن الدعم الإماراتي ساعد في ترجيح كفة الصراع لمصلحة الجنرال، رغم تورط قواته في مجازر وعمليات اغتصاب جماعي وإبادة طالت آلاف المدنيين، ضمن أكبر كارثة إنسانية يشهدها العالم اليوم.

هذه التفاصيل دفعت مشرعين أمريكيين للمطالبة بحظر بيع الأسلحة للإمارات، التي وُصفت علنًا بأنها تموّل الإبادة الجماعية في السودان. ومع ذلك، استمر منصور في إخفاء دوره خلف واجهات رياضية وخيرية، بينما اشتعلت أفريقيا بصفقات السلاح الإماراتية السرية.

ليبيا واليمن: تكرار لنفس السيناريو الدموي

لم تكن السودان وحدها ساحة نفوذ منصور. في ليبيا، تشير الصحيفة إلى أنه كان على اتصال دائم بالجنرال خليفة حفتر منذ 2015، يلعب دور “المدير الصامت” للتحالف الإماراتي مع القائد العسكري المثير للجدل. وقد وُثّقت عمليات نقل الأسلحة إلى حفتر، رغم حظر السلاح المفروض دوليًا، وتورط الإمارات بتمويل مرتزقة “فاغنر” الروس خلال معركة طرابلس عام 2020، بحسب البنتاغون.

كما سبق هذا الدور دعمٌ مماثل في اليمن، حيث أرسلت الإمارات قواتها للقتال، وأدارت سجونًا سرية، ودعمت فصائل انفصالية، بحجّة مكافحة “المدّ الإيراني”، لكنها في الواقع كانت تنفّذ سياسة ممنهجة للسيطرة على موانئ اليمن الاستراتيجية.

وبحسب مسؤول أمريكي سابق، فإن منصور تم تكليفه من شقيقه محمد بن زايد بإدارة علاقات الإمارات مع “رجال أقوياء غير مقبولين دوليًا ولكنهم مفيدون”، من حفتر إلى حميدتي، مرورا بعلاقة غامضة بالرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، الذي زار أبوظبي بعد مفاوضات قادها منصور شخصيًا، رغم أنه مطلوب للعدالة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور.

مانشستر سيتي: واجهة رياضية لسلطة دموية

بعيدًا عن ميادين الحرب، كان منصور يقود حملة دعائية ضخمة لإعادة تشكيل صورة الإمارات، عبر الاستثمار في الرياضة والثقافة، بعد صدمة عام 2006 حين رفض الأمريكيون صفقة موانئ بسبب مخاوف أمنية. فقرر آل نهيان بناء وجه ناعم عبر الرياضة، وكانت كرة القدم المفتاح الذهبي.

اشترى منصور نادي مانشستر سيتي عام 2008، وضخ مئات الملايين في صفقات اللاعبين، ليحوّل الفريق من نادٍ متوسط إلى عملاق أوروبي، ثم وسّع ملكيته إلى أندية في ملبورن ويوكوهاما ومومباي. كل ذلك – كما تقول الصحيفة – جزء من استراتيجية إعلامية ناعمة لتعزيز نفوذ الإمارات.

لكن الفضائح لم تتأخر. فالنادي يواجه الآن تحقيقًا في بريطانيا بتهم “خداع مالي واسع”، يُقال إنها تضمنت ضخ أموال إماراتية بطرق غير قانونية للتلاعب بصفقات اللاعبين. ومع أن النادي ينفي، فإن الإدانة قد تعني غرامات ضخمة أو حتى طرد الفريق من الدوري.

ومع هذه الأزمة، تزداد الشكوك في الغرب بشأن استخدام كرة القدم كأداة دبلوماسية للتغطية على التدخلات الدموية للإمارات. فقد وثقت نيويورك تايمز دعوات وجهها مسؤولون إماراتيون عبر النادي لربط قطر بالإرهاب، في جلسات إحاطة خاصة للصحفيين عام 2014، أي أن السياسة كانت حاضرة حتى في مدرجات الكرة.

الختام: إمبراطورية الدمار وراء ستار الاستثمارات

الشيخ منصور بن زايد – الذي بالكاد حضر ثلاث مباريات لفريقه خلال 17 عامًا – لم يكن يومًا مهتماً بكرة القدم بقدر ما كان يستخدمها كغطاء. فهو اليوم نائب رئيس الوزراء، ورئيس لجهات سيادية ضخمة: البنك المركزي، شركة مبادلة (330 مليار دولار)، شركة بترول أبوظبي، وسلطة أبو ظبي الجنائية، وغيرها.

لكن خلف هذه الهالة الاقتصادية والرياضية، يقف رجل تتهمه تقارير أمريكية وغربية بالتورط في إشعال حروب، وتغذية ميليشيات، وتوريد أسلحة، حتى للأطفال المجنّدين، تحت لافتات “العمل الخيري” أو “التنمية”، وكلها تُدار من قصور لا تظهر فيها إلا صور الخيول واليخوت، بينما تُدفن الجثث في تراب أفريقيا.

لقد اقترب زمن المحاسبة – كما تقول الصحيفة – وربما لن يبقى الشيخ منصور طويلاً في الظل. فقضية مانشستر سيتي قد تكون أول بوابة قانونية لتعرية مَن حوّل الرياضة إلى واجهة للدم، والدبلوماسية إلى صفقة سلاح.

اقرأ أيضًا : عقوبات أميركية على السودان بتأثير إماراتي: الجيش متهم باستخدام أسلحة كيميائية