في خطوة أثارت ضجة كبيرة داخل الأوساط الفلسطينية، أعلن ياسر أبو شباب، قائد ما يُعرف بـ”القوات الشعبية” شرقي رفح، والمتهم بالتنسيق المباشر مع الاحتلال الإسرائيلي، عن فتح باب التوظيف أمام جنود وضباط من خلفيات عسكرية، مقابل رواتب مغرية. 

الإعلان، الذي جاء عبر منشور على حسابه في “فيسبوك”، تضمّن تفاصيل مثيرة للجدل، إذ حدّد راتبًا شهريًا يبلغ 3000 شيكل للجندي (نحو 810 دولارات) و5000 شيكل للضابط (نحو 1350 دولاراً)، مع وعود بظروف معيشية تشبه ما كان عليه الحال في غزة قبل عدوان السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

إعلان يثير الريبة: وعود برواتب وأسعار وهمية

بحسب ما نشره أبو شباب، فإن دعوته لا تقتصر على الجنود فقط، بل تشمل أيضًا “ضباط حقوقيين” وأفراد أمن من مختلف الرتب. وحاول إغراء الراغبين في الانضمام بتصوير مناطق سيطرته شرقي رفح وكأنها ملاذ آمن، حيث زعم أن أسعار السلع هناك مطابقة لما كانت عليه في غزة قبل الحرب، أي قبل أن تغرق الأسواق في الفوضى وتضخم الأسعار.

لكن هذه التصريحات بدت لكثيرين أقرب إلى محاولة استقطاب عناصر مدربة من داخل الأجهزة الأمنية الفلسطينية أو حتى من صفوف السلطة، خصوصًا أنه اشترط أن يكون المنتسب “ذو خلفية عسكرية”، ما فُسر بأنه استهداف مباشر لضباط وعناصر سابقين، يسعى لاستقطابهم إلى مشروعه المثير للشبهة.

شخصية مثيرة للجدل: من ادعاء حماية المدنيين إلى تهم الخيانة

لم يكن هذا الإعلان هو الأول الذي يضع اسم أبو شباب في قلب الجدل. فالرجل سبق أن ادّعى أنه أجلى عائلات من مناطق وسط القطاع مثل دير البلح والنصيرات، وكذلك من خانيونس، نحو مناطق سيطرته في رفح، في محاولة لإظهار نفسه كفاعل “إنساني”. لكن سرعان ما ظهرت الاتهامات التي طالت مجموعته بممارسة السطو على المساعدات الإنسانية التي كانت تدخل عبر معبر كرم أبو سالم.

وفي مقابلة مثيرة مع صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية في يوليو الماضي، كشف أبو شباب عن صلة مباشرة بمسؤولين في السلطة الفلسطينية، مشيرًا تحديدًا إلى محمود الهباش، مستشار رئيس السلطة للشؤون الدينية، باعتباره الداعم الأول لمشروعه. وذكر بالحرف أن الهباش تكفل بتأمين حياتهم ونقل المساعدات إليهم، وهو ما أثار موجة من الشكوك بشأن طبيعة الدور الذي تلعبه شخصيات نافذة في رام الله بدعم تشكيلات مسلحة خارج السيطرة الرسمية لغزة.

القضاء في غزة يدخل على الخط: مهلة لتسليم نفسه

أمام هذه الاتهامات المتصاعدة، دخلت وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة على خط المواجهة القانونية مع أبو شباب. ففي مطلع يوليو الجاري، أصدرت المحكمة الثورية قرارًا بإمهاله عشرة أيام لتسليم نفسه، استنادًا إلى قانون العقوبات الفلسطيني لعام 1960 وقانون الإجراءات الثوري لعام 1979.

وبحسب البيان الرسمي، فإن التهم الموجهة إليه ثقيلة وخطيرة:

  1. الخيانة والتخابر مع جهات معادية (المادة 131).
  2. تشكيل عصابة مسلحة (المادة 176).
  3. العصيان المسلح (المادة 168)

وأكدت الداخلية أن عدم امتثاله سيعني محاكمته غيابيًا واعتباره “فارًا من وجه العدالة”، داعية كل من يعلم بمكانه إلى التبليغ عنه، محذّرة من أن التستر عليه يُعد جريمة بحد ذاته.

الدور الإقليمي: الإمارات ومصر في دائرة الاتهام

ورغم أن الإعلان الأخير جاء بصيغة محلية بحتة، إلا أن مراقبين ربطوه بالدعم الإقليمي الموجه لأبو شباب. فقد أشارت تقارير ميدانية إلى أن الإمارات تلعب دورًا محوريًا في تمويل مثل هذه التشكيلات المشبوهة، بهدف ضرب تماسك المجتمع الغزّي وإيجاد بدائل موازية للسلطات القائمة.

كما تُطرح مصر بدورها في واجهة الجدل، نظرًا لكونها المعبر الأساسي للحدود مع رفح، ما يثير تساؤلات حول إمكانية تسهيل تحركات أبو شباب ومجموعته عبر القنوات اللوجستية. واعتبر محللون أن القاهرة وأبوظبي قد يجدان في أبو شباب ورقتهما الخاصة لتكريس نفوذ داخل القطاع، سواء عبر البوابة الإنسانية أو عبر قنوات أمنية.

جدل واسع: بين التخوين والتوظيف السياسي

الإعلان عن وظائف عسكرية في رفح لم يُستقبل ببساطة كإجراء تنظيمي داخلي، بل فجّر جدلاً بين الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي. بعضهم وصف أبو شباب بالخائن الذي يسعى لتأسيس “جيش موازٍ” برعاية إسرائيلية مباشرة، فيما رأى آخرون أن الإعلان ليس إلا محاولة مكشوفة لاستقطاب عناصر السلطة الفلسطينية وإعادة تدويرهم ضمن مشروع سياسي أكبر، قد يُسوق كجزء من ترتيبات ما بعد الحرب.

تتزامن هذه الخطوة مع محاولات إسرائيلية متكررة لإيجاد “شركاء محليين” يمكن أن يشكلوا غطاءً أمنيًا أو إداريًا في غزة، وهو ما يجعل من إعلان أبو شباب ليس مجرد خبر عابر، بل جزءًا من سياق أوسع لإعادة هندسة السلطة والسيطرة على القطاع عبر أدوات جديدة.

خاتمة: إعلان يفضح مشروعًا أكبر

ما قام به ياسر أبو شباب في رفح ليس مجرد إعلان عن وظائف عسكرية براتب مرتفع، بل هو مؤشر خطير على محاولة تفكيك البنية المجتمعية الفلسطينية من الداخل، عبر خلق كيانات مسلحة تتلقى دعمًا خارجيًا وتعمل في تناغم مع الاحتلال. الدعم الإماراتي والمصري المزعوم لهذا المسار يضع علامات استفهام حول حجم التدخل الإقليمي في مستقبل غزة، في وقت تُرك فيه القطاع يواجه المجاعة والدمار دون دعم حقيقي.

الجدل الدائر اليوم حول أبو شباب قد يكون في ظاهره نقاشًا عن رواتب وشروط تجنيد، لكنه في جوهره يكشف عن معركة أعمق تتعلق بمن يحكم غزة وكيف، ومن يملك سلطة القرار في زمن إعادة تشكيل الإقليم.

اقرأ أيضًا : ماكرون يكسر صمته: معركتي دفاعًا عن الشرف والحقيقة