في الجزء الأول من هذه السلسلة، عرضنا كيف ربط تحقيق «فيرسكوير» بين قمع المعارضة داخل الإمارات وسياسة أبو ظبي الخارجية: عائدات نفط تموّل سلطة لا تسمح بالمنافسة السياسية، ودعم لحكام وقوى مسلحة في مصر وتونس والسودان تحت شعار الاستقرار. لكن هذه السياسة ما كانت لتبلغ هذا المدى من دون علاقات وثيقة بدول تملك القدرة على مساءلة الإمارات، وتختار في أحيان كثيرة حماية مصالحها معها.

في هذا الجزء ننتقل إلى بريطانيا. يتتبع التقرير كيف فتحت الاستثمارات والتجارة والتعاون الأمني أبواب السلطة البريطانية أمام أبوظبي، حتى حين ظهرت خلافات بشأن احتجاز مواطنين بريطانيين، والتجسس، والسودان، والضغط الإماراتي لحظر جماعة الإخوان المسلمين. ثم نفحص العلاقات التي نسجتها أبوظبي مع قيادات حزب الإصلاح البريطاني، وما يقوله التقرير عن دور قناة «جي بي نيوز» في هذا التقارب.

استثمارات تشتري القرب من السلطة

تعود الصلات السياسية والأمنية بين بريطانيا والإمارات إلى ما قبل قيام الدولة الإماراتية عام ١٩٧١. لكن تقرير «فيرسكوير» يركز على المرحلة التي أصبح فيها الاستثمار الإماراتي أداة للوصول إلى مؤسسات بريطانية مؤثرة. ففي أعقاب الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨، جعلت حكومة ديفيد كاميرون جذب الأموال الخليجية جزءًا من خطتها الاقتصادية. وفي ٢٠١٣ أنشأت داخل الحكومة وحدة سرية عُرفت باسم «مشروع فالكون»، هدفها تشجيع الاستثمار الإماراتي في قطاعات غير دفاعية. ووفقًا لتحقيق لصحيفة «الغارديان» ينقله التقرير، أتاح المشروع لحكام الإمارات وصولًا مميزًا إلى النخبة السياسية البريطانية، وصفقات عقارية، ومؤسسات أكاديمية وصحية بارزة.

اتسع الحضور الإماراتي بعد ذلك عبر قطاعات يصعب فصلها عن المصالح العامة. تدير شركة الموانئ «دي بي ورلد»، المملوكة لدبي، ميناءين بريطانيين كبيرين في إسكس وساوثهامبتون. وتشارك شركة «مصدر»، ومقرها أبوظبي، في ثلاثة مشروعات كبرى لطاقة الرياح البحرية. كما بحثت حكومات بريطانية متعاقبة مع الإمارات إمكان مساهمتها في تمويل محطة «سايزويل سي» النووية، بعد قرار لندن إنهاء الاستثمار الحكومي الصيني في قطاعها النووي لدواعٍ تتعلق بالأمن القومي.

أما في الرياضة، فتملك شركة الطيران الإماراتية حقوق رعاية واسم ملعب نادي أرسنال، بينما يملك الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الإمارات ونائب رئيس وزرائها، نادي مانشستر سيتي منذ عام ٢٠٠٨. ويرى التقرير أن نجاح النادي منح أبوظبي نفوذًا اجتماعيًا وسياسيًا في مدينة مانشستر، ووفّر لها صورة عامة أبعد ما تكون عن سجلها الحقوقي.

الأرقام تشرح حجم الرهان البريطاني على هذه العلاقة. ففي ٢٠٢١، تعهد صندوق سيادي إماراتي باستثمار ١٠ مليارات جنيه إسترليني في قطاعات بريطانية ذات أولوية. وبلغت التجارة بين البلدين، وفق التقديرات التي يوردها التقرير، نحو ٢٥ مليار جنيه إسترليني في ٢٠٢٥. كما تجاوزت قيمة صادرات السلاح البريطانية إلى الإمارات ١٥ مليون جنيه إسترليني في ٢٠٢٤. وفي أبريل ٢٠٢٦، أعلنت الحكومتان إطارًا لتعزيز التعاون في السياسة الخارجية والدفاع والتجارة والتكنولوجيا، من دون نشر تفاصيل كثيرة عنه. ولدى بريطانيا أيضًا مركز إقليمي لتنسيق نشاطها الدفاعي في دبي منذ ٢٠١٥.

تفسّر هذه المصالح حرص لندن على العلاقة؛ لكنها تثير سؤالًا أصعب: ماذا يحدث حين تستخدم أبوظبي وزنها الاقتصادي للضغط في قضايا سياسية داخل بريطانيا؟

الإخوان المسلمون: ملف ضغط متكرر

يورد التقرير مثالًا مبكرًا يعود إلى ٢٠١٢. فقد هددت الإمارات، بحسب ما ينقله، بتعطيل صفقات سلاح بمليارات الجنيهات، ووقف استثمارات وتعاون استخباراتي، إذا لم تتحرك حكومة كاميرون ضد جماعة الإخوان المسلمين وتحدّ من تغطية هيئة الإذاعة البريطانية لها. وذهبت أبوظبي إلى الزعم بأن الجماعة اخترقت الهيئة، من دون تقديم أدلة تدعم هذا الادعاء.

أعلنت حكومة كاميرون لاحقًا مراجعة رسمية للجماعة. وانتقدت المراجعة الإخوان المسلمين، لكنها لم توصِ بحظرهم. وهكذا لم تحصل أبوظبي على النتيجة التي أرادتها، لكنها نجحت في نقل مطلبها إلى جدول أعمال الحكومة البريطانية.

تجدد الخلاف في مطلع ٢٠٢٦، عندما قيّدت الإمارات تمويل طلابها الراغبين في الدراسة بجامعات بريطانية. ونقلت مصادر إماراتية إلى صحيفة «فايننشال تايمز» أن السبب هو مخاوف مزعومة من «التطرف الإسلامي» داخل الجامعات. يضع تقرير «فيرسكوير» هذه الخطوة في سياق الضغط المستمر على لندن لتبني موقف أبوظبي من الإخوان المسلمين.

ذلك هو الفارق الذي يحاول التقرير كشفه: لم تكن الإمارات تكتفي بإعلان رأيها في جماعة سياسية؛ بل كانت تستخدم ملفات الاستثمار والدفاع والتعليم في علاقتها ببريطانيا للدفع نحو سياسة بريطانية تتوافق مع أولويات حكامها.

مواطنون محتجزون وتجسس… والعلاقة مستمرة

اختُبرت العلاقة كذلك في قضايا تمس مواطنين ومؤسسات بريطانية مباشرة. ففي ٢٠١٨ اعتقلت السلطات الإماراتية الأكاديمي البريطاني ماثيو هيدجز أثناء مغادرته البلاد بعد رحلة بحثية، واتهمته بالتجسس لصالح بريطانيا. حُكم عليه بالسجن المؤبد قبل أن يصدر عفو عنه عقب احتجاج دولي. ويقول هيدجز إنه أُجبر تحت ضغط شديد على توقيع اعتراف، وتعرض لمعاملة قاسية خلال احتجازه. وقد اعتذرت له وزارة الخارجية البريطانية لاحقًا عن إخفاقها في التعامل مع قضيته.

ويعرض التقرير قضية البريطاني ريان كورنيليوس، المحتجز في دبي منذ ٢٠٠٨ على خلفية قضية قرض بقيمة ٥٠١ مليون دولار من بنك دبي الإسلامي. حُكم عليه بالسجن عشر سنوات، ثم مُدّدت عقوبته ٢٠ عامًا إضافية في ٢٠١٨. واعتبر فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي احتجازه تعسفيًا. وفي نوفمبر ٢٠٢٥، وقّع ١٤٦ برلمانيًا بريطانيًا رسالة تطالب بالإفراج عنه.

ثم تأتي وقائع المراقبة الرقمية. فبحسب ما ينقله التقرير عن تحقيق لصحيفة «الغارديان»، ظهر أكثر من ٤٠٠ رقم هاتف بريطاني في بيانات مسربة مرتبطة ببرنامج التجسس «بيغاسوس»، وكان المصدر الرئيسي لاختيار تلك الأرقام، وفق تحليل الصحيفة، الإمارات. ومن بين المستهدفين ماثيو هيدجز، وعضو في مجلس اللوردات، ومحامٍ يمثل الأميرة هيا. كما نسبت مجموعة الأبحاث «سيتيزن لاب» اختراقًا لأنظمة حكومية بريطانية، شمل مقر رئاسة الوزراء، إلى مشغّلين في الإمارات. ويفيد ملخص تقرير «فيرسكوير» كذلك بأن تحقيقًا بثته قناة بريطانية في أغسطس ٢٠٢٦ كشف استعانة الإمارات بمرتزق لمراقبة مواطن بريطاني سرًا على الأراضي البريطانية، مع احتمال وجود مخطط لاغتياله؛ وهي واقعة ينقلها التقرير عن التحقيق التلفزيوني، وليست نتيجة أثبتها بنفسه.

ورغم خطورة هذه الملفات، استمر التعاون السياسي والاقتصادي. هنا يظهر التناقض الذي تقوم عليه زاوية هذا التحقيق: بريطانيا تعرف ما يُثار بشأن سلوك أبوظبي، لكنها تواصل معاملتها شريكًا اقتصاديًا وأمنيًا لا تريد خسارته.

مانشستر سيتي و«تلغراف»: حين تقترب المصالح من القرار العام

في فبراير ٢٠٢٣، وجه الدوري الإنجليزي الممتاز إلى مانشستر سيتي اتهامات تتعلق بـ١١٥ مخالفة لقواعده المالية. ويذكر تقرير «فيرسكوير» أن دبلوماسيين بريطانيين وإماراتيين ناقشوا القضية، وأن مسؤولين إماراتيين أثاروها مجددًا مع الحكومة البريطانية في ٢٠٢٥. ونقل عن مسؤولين بريطانيين خشيتهم من أن يؤثر قرار الدوري في استثمارات أبوظبي الأوسع في بريطانيا. لا يثبت ذلك تدخل الحكومة في قرار الدوري، كما لم يكن قد صدر حكم نهائي في القضية عند نشر التقرير؛ لكنه يكشف وصول ملف نادٍ يملكه مسؤول إماراتي رفيع إلى المحادثات بين الحكومتين.

وفي الإعلام، أثارت محاولة مدعومة من الحكومة الإماراتية لشراء مجموعة صحف «تلغراف» قلقًا واسعًا بشأن استقلال الصحافة البريطانية. وفي مايو ٢٠٢٥، عدّلت الحكومة البريطانية القانون بحيث لا تستطيع الدول الأجنبية امتلاك أكثر من ١٥ في المئة من الصحف البريطانية. هنا وضعت لندن حدًا قانونيًا لطموح استثماري إماراتي، لكن القصة لم تنتهِ عند الصفقة: ستعود «تلغراف» لاحقًا في تصريحات نايجل فاراج، بوصفها مثالًا على تبدل موقفه من أبوظبي.

السودان يضع العلاقة تحت المجهر

بدأ دعم الإمارات لميليشيا الدعم السريع في السودان يثير اعتراضًا متزايدًا داخل البرلمان البريطاني. يستند تقرير «فيرسكوير» إلى أدلة أوردها فريق خبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية بشأن هذا الدعم، مع الإشارة إلى نفي الإمارات علاقتها بالميليشيا.

دعا المتحدث باسم الشؤون الخارجية للحزب الليبرالي الديمقراطي، كالوم ميلر، إلى استدعاء السفير الإماراتي. وطالب النائب المحافظ إيان دنكان سميث بفرض عقوبات على مسؤولين إماراتيين. وفي أواخر ٢٠٢٥، وقّع ٣٣ برلمانيًا، معظمهم من حزب العمال، عريضة تدعو إلى فرض حظر على تصدير السلاح إلى الإمارات. ومع ذلك، يقول التقرير إن الحكومة البريطانية امتنعت عن توجيه انتقاد علني مباشر لأبوظبي. وفي يونيو ٢٠٢٦، قال المحقق في جرائم الحرب ناثانيال ريموند أمام لجنة برلمانية إن لندن قدّمت الحفاظ على علاقتها بالإمارات على منع الفظائع الجماعية في السودان.

كلما زادت الأسئلة داخل الأحزاب البريطانية التقليدية عن دور أبوظبي، ازداد اهتمام الإمارات، بحسب قراءة «فيرسكوير»، بقوة سياسية أخرى تقترب مواقفها من مطالبها: حزب الإصلاح البريطاني.

نايجل فاراج: من التحذير من أبوظبي إلى الإشادة بها

تأسس الحزب باسم حزب بريكست في ٢٠١٨، ثم أصبح حزب الإصلاح البريطاني في ٢٠٢١. وعاد نايجل فاراج إلى قيادته قبل انتخابات ٢٠٢٤. ومع صعود الحزب في استطلاعات الرأي، لم تعد علاقاته الخارجية شأنًا يخص حزبًا هامشيًا؛ بل صارت مرتبطة بقوة تطمح إلى المشاركة في الحكم.

في ديسمبر ٢٠٢٥، تلقى فاراج، بحسب سجل المصالح البرلمانية البريطاني، ضيافة بقيمة إجمالية تبلغ ١٠ آلاف جنيه إسترليني له ولشخص لا يعمل ضمن طاقمه لحضور سباق «فورمولا ١» في أبوظبي: ألف جنيه من حكومة أبوظبي وتسعة آلاف من جهة مرتبطة بالسباق. وزار الإمارات ثانية في يناير ٢٠٢٦، حيث ألقى كلمة في مناسبة خاصة نظمتها قناة «جي بي نيوز»، حضرها سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة ورئيس الجهة الاستثمارية الإعلامية المرتبطة بمحاولة شراء «تلغراف»، وريم الهاشمي، وزيرة دولة للتعاون الدولي. وكان من الحاضرين أيضًا شخصيات من حزب الإصلاح، بينها ليلى كانينغهام وناظم الزهاوي.

خلال المناسبة، قال فاراج إن بريطانيا لديها الكثير لتتعلمه من الإمارات، وانتقد ما وصفه بخوف بلاده من مواجهة «تغلغل» الإخوان المسلمين في الجامعات والمؤسسات العامة. كما انتقد طريقة تعامل بريطانيا مع محاولة شراء «تلغراف»، وانتقاد وزارة الخارجية البريطانية للحكم في الإمارات.

المفارقة أن فاراج نفسه كان قد كتب في ٢٠٢٣ معارضًا استحواذ الإمارات على «تلغراف»، ووصفها آنذاك بأنها ملكية مطلقة ذات سجل حقوقي سيئ، متسائلًا عما إذا كانت الصحيفة ستتمكن من انتقاد قادتها أو شركاتها إذا أصبحت تحت سيطرتها. لا يقدم تقرير «فيرسكوير» تفسيرًا قاطعًا لتغير موقفه؛ لكنه يضع التصريحين جنبًا إلى جنب، ويدعو القارئ إلى مساءلة هذا التحول.

أجرى فاراج أيضًا مقابلة عبر «جي بي نيوز» مع ريم الهاشمي، أشاد خلالها بسياسات الإمارات الضريبية والأمنية وبانخراطها في اتفاقات تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وكان قد تعهد في مؤتمر حزبه في سبتمبر ٢٠٢٥ بحظر الإخوان المسلمين إذا وصل الحزب إلى الحكم. وبعد نجاح انتخابي للحزب في مايو ٢٠٢٦، التقى فاراج وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان خلال زيارة رسمية للأخير إلى بريطانيا. وقالت وكالة الأنباء الإماراتية إن اللقاء تناول العلاقات الاستراتيجية بين البلدين وسبل تعزيزها بما يخدم المصالح المشتركة.

هذه لقاءات ومواقف معلنة، وليست دليلًا على تلقي الحزب تمويلًا إماراتيًا. لكن اجتماع الضيافة السياسية، والوصول إلى مسؤولين رفيعي المستوى، والتوافق في مطلب حظر الإخوان، هو ما يجعلها محور تحقيق «فيرسكوير».

ريتشارد تايس ونيك كاندي وناظم الزهاوي

يقيم ريتشارد تايس، نائب رئيس حزب الإصلاح، جزءًا من وقته في دبي، حيث انتقلت خطيبته الصحفية إيزابيل أوكشوت للعيش. ويقول إن علاقة أسرته بالإمارات تعود إلى عقود؛ فقد شاركت شركة جده في بناء مركز دبي التجاري العالمي في سبعينيات القرن الماضي.

في مقابلة مع صحيفة «ذا ناشيونال» الإماراتية في فبراير ٢٠٢٦، وصف تايس الإخوان المسلمين بأنهم جماعة إرهابية، ودعا إلى تقارب مالي أكبر بين الإمارات وبريطانيا، بما في ذلك إدراجات مشتركة تربط أسواق الإمارات ببورصة لندن. واستخدم موقعه في البرلمان لطرح أسئلة عن قرار الإمارات تصنيف ثماني مؤسسات مقرها بريطانيا على أنها مرتبطة بالإخوان المسلمين. وفي نقاش برلماني عن السودان، استخدم تعبيرات يقول التقرير إنها تتقاطع مع خطاب أبوظبي بشأن دور الإخوان ومواقف الجيش السوداني من وقف إطلاق النار.

أما نيك كاندي، أمين صندوق الحزب، فقد ساعد في ترتيب لقاءات فاراج مع مسؤولين إماراتيين خلال زيارته في يناير ٢٠٢٦. ودخلت شركته «كاندي كابيتال» في مشروع مشترك مع «مدن القابضة» في أكتوبر ٢٠٢٤. ويوضح التقرير صلات إدارة «مدن» بشخصيات مرتبطة بشركة «أدنوك» وبكيانات تملكها حكومة أبوظبي. وقد كتب كاندي بإشادة شديدة عن القيادة الإماراتية، وقدم دبي وأبوظبي وجهتين جذابتين لكبار الأثرياء.

وانضم ناظم الزهاوي، الوزير المحافظ السابق، إلى حزب الإصلاح في يناير ٢٠٢٦. وهو عضو في مجلس أمناء أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية إلى جانب مسؤولين إماراتيين كبار. وتنقل «فيرسكوير» عن «فايننشال تايمز» أنه وثيق الصلة بثلاثة من إخوة محمد بن زايد: عبد الله بن زايد، وطحنون بن زايد، ومنصور بن زايد. كما شغل رئاسة مجلس استشاري لشركة تطوير عقاري فاخرة في الإمارات، وتعود بعض صلاته التجارية بالبلاد إلى افتتاح مكتب لشركة «يوغوف» في دبي عام ٢٠٠٦. ويذكر التقرير أن ابنيه يعملان لدى شركتي «جي ٤٢» و**«مبادلة»**، مع تأكيده أنه لا يطرح ادعاءً بوجود تضارب مصالح أو تعيينهما لغير كفاءتهما.

وتظهر ليلى كانينغهام، مرشحة الحزب لمنصب عمدة لندن، ضمن الأصوات التي تشيد بالنموذج الإماراتي. ففي مقابلة مع «ذا ناشيونال»، امتدحت سياسة دبي تجاه المهاجرين، وانتقدت ما رأته سماحًا بنمو الإسلام السياسي في بريطانيا.

تختلف طبيعة كل علاقة من هذه العلاقات: بعضها لقاء سياسي، وبعضها عمل تجاري أو إقامة أو تصريح علني. وجمعها في صورة واحدة لا يجعلها جميعًا أدلة من النوع نفسه. لكنه يكشف كثافة الصلات بين قيادات حزب يسعى إلى الحكم ودولة لديها مطالب سياسية محددة من بريطانيا.

«جي بي نيوز»: القناة التي جمعت الأطراف

تحتل قناة «جي بي نيوز» موقعًا مهمًا في التقرير؛ فقد نظمت المناسبة التي تحدث فيها فاراج في الإمارات، واستضافت مقابلته مع ريم الهاشمي، وتدفع له، بحسب التقرير، نحو ٣٥٠ ألف جنيه إسترليني سنويًا.

للقناة أيضًا صلات استثمارية بالإمارات. فمن كبار المساهمين فيها مؤسسة «ليغاتوم»، المرتبطة بصندوق استثماري مقره الإمارات، وبول مارشال، مدير صندوق استثماري له مكتب هناك. وقد أشاد مارشال بسياسات أبوظبي الضريبية عقب افتتاح مكتب لصندوقه، الذي بلغت قيمة أصوله ٦٩ مليار دولار، في الإمارة.

يستشهد التقرير بدراسة لمركز رصد الإعلام وجدت أن «جي بي نيوز» استحوذت على نصف الإشارات إلى المسلمين بين القنوات التي شملها التحليل، وأن كثيرًا من هذه التغطية قدّم المسلمين بصورة سلبية. كما يشير إلى أن القناة دفعت تعويضات في ٢٠٢٥ بعد بث ادعاء كاذب للإعلامي الإماراتي أمجد طه بأن مؤسسة «الإغاثة الإسلامية» موّلت منظمات إرهابية.

ويلفت التقرير إلى تقاطع آخر بين القناة وأبوظبي في ملف الوقود الأحفوري: فقد بلغت حيازات مارشال المعلنة في شركات هذا القطاع ٢٫٨ مليار دولار في الربع الأول من ٢٠٢٦، فيما بثت القناة مواد تشكك في علم المناخ وتهاجم سياسات الوصول إلى صافي انبعاثات صفري، وفقًا لما ينقله التقرير عن منصة «ديسموغ». وهذا تقارب في المصالح والخطاب؛ لا يثبت وحده أن الإمارات توجّه سياسة القناة التحريرية.

ما الذي تثبته هذه العلاقات؟

يقول تقرير «فيرسكوير» صراحة إنه لا يوجد دليل على أن الإمارات تموّل حزب الإصلاح البريطاني. وهذه نقطة لا يصح تجاوزها. ما يوثقه هو شبكة من اللقاءات والضيافة والمصالح التجارية والعلاقات الإعلامية، تتزامن مع تبني شخصيات بارزة في الحزب مطالب سياسية تسعى إليها أبوظبي منذ سنوات، وعلى رأسها حظر الإخوان المسلمين.

أما على مستوى الحكومات البريطانية، فالصورة أشد إزعاجًا: استثمارات كبيرة وتعاون دفاعي مستمر، في مقابل اتهامات بالضغط السياسي والتجسس وسوء معاملة مواطنين بريطانيين ودعم ميليشيا متهمة بفظائع في السودان. وضعت لندن حدًا لمحاولة السيطرة على «تلغراف»، لكن معظم العلاقة ظل قائمًا. لذلك لا تكفي الإشارة إلى حجم التجارة لتفسير موقف بريطانيا؛ بل ينبغي سؤال حكوماتها لماذا بقيت مساءلة أبوظبي أضعف من قدرتها على تعميق التعاون معها.

وفي التحقيق الثالث والأخير، نخرج من بريطانيا لنفحص ما إذا كانت علاقات أبوظبي بحزب الإصلاح حالة منفردة أم جزءًا من نمط أوسع. سنتتبع الأسماء والجهات التي يوردها تقرير «فيرسكوير» في فرنسا والولايات المتحدة وعالم المنصات الرقمية، ثم نعود إلى السؤال الذي تنتهي عنده السلسلة: كيف يمكن حماية القرار الديمقراطي عندما تتشابك الأموال والعلاقات السياسية والحملات الإعلامية العابرة للحدود؟