في الوقت الذي يُسفك فيه الدم الفلسطيني يوميًا على يد الاحتلال الإسرائيلي، وبينما تُحاصر غزة وتُقتحم نابلس وتُجرف جنين، لا تزال القيادة الفلسطينية الرسمية تمارس دور “الوسيط الحيادي” لا المقاوم الوطني.
في قلب هذا المشهد، يقف محمود عباس (أبو مازن)، رئيس السلطة الفلسطينية، رمز “الشرعية الدبلوماسية” التي تحوّلت ـ في نظر المعارضة ـ إلى أداة خنوع وغطاء سياسي لحماية مصالح الاحتلال، مقابل امتيازات نخبوية ووجود وظيفي هش.
فلماذا يُتهم أبو مازن بالخيانة؟ ولماذا يتصاعد الغضب ضده من داخل البيت الفلسطيني ذاته؟
التنسيق الأمني.. اليد الفلسطينية التي تحمي الاحتلال
أكثر ما أثار استياء الفلسطينيين من سياسة عباس هو إصراره على التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، والذي وصفه في خطاب شهير بأنه “مقدّس”.
هذا التنسيق ـ الذي يُفترض أنه لفرض النظام ـ تحول إلى أداة قمع تُستَخدم ضد المقاومين.
عمليات اعتقال تمت في الضفة الغربية بناءً على معلومات نقلتها السلطة للاحتلال، وتكررت حالات اعتقال الشبان مرتين، الأولى في سجون السلطة، والثانية في سجون الاحتلال.
تُتهم الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة بأنها صارت “خط الدفاع الأول” عن الجيش الإسرائيلي في المدن الفلسطينية، تحت غطاء “فرض القانون”.
قمع المقاومة.. حرب على من يواجه الاحتلال
السلطة في عهد أبو مازن شنّت حملة شرسة ضد الفصائل المقاومة، خصوصًا في الضفة الغربية، شباب من الجهاد الإسلامي، وحماس، وكتائب شهداء الأقصى، وحتى مستقلين، وجدوا أنفسهم مطاردين، مُعتقلين، أو ملاحَقين بسبب أنشطتهم ضد الاحتلال.
في جنين، وفي نابلس، وحتى في الخليل، تتحدث المعارضة عن عشرات القصص التي تسلّمت فيها السلطة مقاومين للاحتلال، أو أخفقت في حمايتهم، أو تركتهم يواجهون مصيرهم دون دعم.
عباس ضد الانتفاضة.. لا سلاح في وجه الاحتلال
بينما تتصاعد نداءات الانتفاضة والمقاومة الشعبية والمسلحة، يخرج أبو مازن ليقول صراحة: “أنا ضد الكفاح المسلح”، في تجاهل تام للحق المشروع الذي تكفله المواثيق الدولية للشعوب تحت الاحتلال.
تصريحاته العلنية تنسجم دائمًا مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، وتُناقض تمامًا المزاج الشعبي الفلسطيني الذي يرى في المقاومة خيارًا وجوديًا وليس تكتيكيًا.
تغييب الشرعية.. أبو مازن رئيس مدى الحياة
منذ عام 2006، لم تجر أي انتخابات تشريعية أو رئاسية في الأراضي الفلسطينية.
أبو مازن يُدير المشهد السياسي الفلسطيني بمراسيم رئاسية، وقد حلّ المجلس التشريعي، ورفض مرارًا دعوات إجراء انتخابات شاملة.
المعارضة ترى أن غياب الانتخابات ليس صدفة، بل نهج مقصود للاحتفاظ بالحكم وقمع البدائل.
المصالحة الوطنية.. كلمة بلا مضمون
رغم توقيع عشرات الاتفاقات مع حماس والفصائل في القاهرة والدوحة وغيرها، إلا أن عباس أفشل كل محاولات المصالحة، برفضه تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو دمج الأجهزة الأمنية، أو التنازل عن بعض صلاحياته.
في كل مرة كانت تظهر فيها بوادر اتفاق، كان يتدخل لنسفها تحت ذرائع واهية، ما جعل الانقسام واقعًا مستدامًا يخدم الاحتلال.
من رام الله إلى جنازة بيريز.. وقاحة دبلوماسية
في عام 2016، وقف محمود عباس بين زعماء الاحتلال في جنازة شمعون بيريز، أحد أبرز مجرمي النكبة ومهندسي الاجتياح اللبناني والمجازر في قانا وجنين.
حضوره اعتُبر “إهانة” وطنية و”صفعة” لأسر الشهداء والمعتقلين، وأكدت المعارضة أنه يغازل الاحتلال دوليًا بينما يخذل شعبه داخليًا.
رهان خاسر على مفاوضات وهمية
أكثر من ربع قرن من المفاوضات العقيمة مع إسرائيل، لم ينتج عنها إلا مزيدًا من الاستيطان والتهويد وتهشيم الحلم الفلسطيني.
عباس، الذي كان من أبرز مهندسي اتفاق أوسلو، لا يزال يؤمن بأن “الدبلوماسية والشرعية الدولية” قادرة على وقف الجرافات، في حين يرى الفلسطينيون يوميًا كيف تُهدم بيوتهم وتُحاصر مدنهم وسط صمت دولي مدوّ.
صمت مدوٍّ تجاه العدوان على غزة والقدس
في كل عدوان على غزة، يُصدم الفلسطينيون من غياب تام لمواقف قوية من عباس.
لا زيارات تضامن، لا بيانات حقيقية، لا خطوات سياسية، حتى في ذروة معارك “سيف القدس” و”الفيضان الأخير”، كان موقف عباس باهتًا، ولم يُمثّل تطلعات الشارع الفلسطيني، بل بدا وكأنه يخجل من مقاومة شعبه.
أبو مازن.. من تمثيل القضية إلى تصفيتها
ترى المعارضة الفلسطينية، ومعها قطاعات واسعة من الشعب، أن محمود عباس انتهت صلاحيته الوطنية منذ زمن.
ما يمارسه اليوم ليس “حكمًا وطنيًا” بل إدارة أمنية في ظل الاحتلال، تحمي مصالح النخبة السياسية وتُجهض أي مشروع تحرري حقيقي.
في نظرهم، لم تعد القضية تحتاج إلى خطاب دبلوماسي ناعم، بل إلى قيادة تؤمن بأن الاحتلال لا يُقاوَم بالمفاوضات، بل يُهزَم بالصمود.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يذل أعوانه: “إسرائيل” تمنع طائرة عباس وتحرج ملك الأردن