لم تمضِ ساعات على انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من مناطق عدة في قطاع غزة، حتى بدأت أجهزة وزارة الداخلية الفلسطينية انتشارًا واسعًا في شوارع ومدن القطاع، في مشهدٍ حمل رمزيةً مزدوجة: عودة الحياة إلى المناطق التي أنهكها العدوان، وتأكيد أن غزة ما زالت قادرة على النهوض رغم الدمار والحصار.

انتشار سريع ورسالة طمأنة للسكان

صباح السبت، بدت شوارع غزة الرئيسية والأسواق الشعبية في مشاهد بثتها وسائل إعلام محلية، وقد امتلأت بعناصر الأمن الفلسطيني بزيّهم الرسمي وهم ينتشرون في نقاط التفتيش وعلى مفترقات الطرق، ما أعاد إلى الأذهان مشاهد الأمن والنظام التي غابت لأكثر من عامين تحت وطأة الحرب الإسرائيلية.

وقالت وكالة الأناضول في تقرير مصوّر من داخل القطاع إنّ الانتشار جاء بتنسيق مباشر من وزارة الداخلية التي بدأت منذ مساء الجمعة تنفيذ خطة أمنية شاملة في المناطق التي انسحب منها جيش الاحتلال تطبيقًا لاتفاق وقف إطلاق النار الأخير.

ونقلت الوكالة عن أحد عناصر الأمن قوله إنّ الهدف من هذا الانتشار السريع هو “إشعار الفلسطينيين بالأمان من جديد، والتأكيد أنّ لا أحد فوق القانون بعد الآن”، مضيفًا أنّ المرحلة القادمة ستشهد “حملة لضبط الفوضى التي خلّفها الاحتلال ومحاسبة كل من استغل ظروف الحرب للإضرار بالمواطنين أو ممتلكاتهم”.

استعادة النظام بعد عامين من الفوضى والحصار

وزارة الداخلية في غزة أوضحت في بيان رسمي أنها بدأت إعادة انتشار أجهزتها الأمنية في جميع محافظات القطاع، مؤكدة أن خطتها تهدف إلى “استعادة النظام العام ومعالجة آثار الفوضى التي سعى الاحتلال إلى نشرها خلال عامين من العدوان والحصار”.

وأضاف البيان أنّ “الأجهزة ستعمل على حماية المواطنين والممتلكات العامة والخاصة، وملاحقة كل من تعامل مع الاحتلال أو ارتكب جرائم خلال فترة الحرب”، مشيرًا إلى أن المرحلة الأولى من الانتشار تشمل المدن الكبرى، على أن تتوسع لاحقًا لتشمل المخيمات والمناطق الحدودية.

ويأتي هذا الانتشار في وقتٍ ما زالت فيه آثار الدمار ماثلة في الأحياء المهدّمة، حيث يعيش آلاف الفلسطينيين في مراكز إيواء مؤقتة بعد تدمير منازلهم. ورغم ذلك، شهدت الشوارع الرئيسية حراكًا ملحوظًا للمواطنين الذين استقبلوا عناصر الأمن بالترحيب، في مشهدٍ يوحي بأنّ سكان غزة يتشبّثون بالحياة مهما اشتد الحصار.

المقاومة باقية رغم محاولات الإنهاء

ورغم محاولات الاحتلال المتكررة لتصوير اتفاق وقف إطلاق النار كـ”نهاية للمقاومة”، فإنّ التطورات الميدانية في غزة تشير إلى عكس ذلك. فحركة حماس، التي خاضت الحرب على مدار عامين، لم تُبدِ أي ضعف في خطابها أو مواقفها، بل شدّدت على أنّ سلاحها “خارج النقاش”، وأنّ نزع المقاومة لن يكون جزءًا من أي اتفاق سياسي.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن سرعة عودة المؤسسات الأمنية التابعة للحكومة في غزة للعمل الميداني تمثل جزءًا من “استراتيجية الصمود”، التي تقوم على إعادة تثبيت السلطة الميدانية في مواجهة محاولات الاحتلال ترك فراغ أمني وفوضى داخلية تمهيدًا لفرض وصاية خارجية على القطاع.

ويقول المحلل السياسي محمود مرداوي إنّ “الاحتلال راهن على انهيار بنية المقاومة والمؤسسات المدنية في غزة، لكنه فوجئ بقدرة الحركة على إعادة التنظيم فورًا بعد الانسحاب، ما يعكس متانة الجهاز الأمني والهيكلي داخل القطاع”. ويضيف: “الرسالة واضحة: لا يمكن لأي اتفاق أن يفرض واقعًا جديدًا بدون موافقة المقاومة، فهي ما زالت الفاعل الأقوى على الأرض”.

غزة تُعيد ترتيب أوراقها

ومع بدء الانتشار الأمني، تعمل فرق تابعة لوزارة الأشغال والدفاع المدني على إزالة الركام وفتح الطرق المغلقة منذ شهور، في حين تستعد البلديات لعودة الخدمات تدريجيًا. وبحسب تقارير محلية، بدأت محطات المياه والكهرباء العمل في بعض الأحياء التي كانت خارج الخدمة بسبب القصف، فيما أعيد افتتاح عدد من المدارس والمستشفيات الميدانية.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات السريعة تهدف إلى تثبيت الاستقرار الميداني قبل الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار، التي من المتوقع أن تشهد مشاركة عربية ودولية واسعة بإشراف قطر وتركيا ومصر.

لكنّ الغزيين يدركون أن إعادة الإعمار لن تكون مجرد مسألة هندسية، بل معركة سياسية أيضًا، إذ يسعى الاحتلال — بحسب مراقبين — إلى ربط أي تمويل بشروط تمسّ جوهر المقاومة. ومع ذلك، تشير المؤشرات إلى أن قيادة غزة ماضية في إدارة شؤون القطاع بنفسها، رافضة أي وصاية أجنبية أو إدارة بديلة.

المرحلة القادمة: ما بعد الحرب

مع استقرار الأوضاع الأمنية نسبيًا، يبدو أن القطاع يدخل مرحلة جديدة من “إدارة ما بعد الحرب”، تجمع بين الأمن والخدمات والمقاومة السياسية. فالمشهد اليوم — عناصر أمن تنتشر في الشوارع، وورشات تعمل على إزالة الأنقاض، وقيادات تتحدث عن “إعادة بناء الإنسان قبل الحجر” — يلخص جوهر الصمود الفلسطيني.

لقد حاول الاحتلال على مدار عامين كسر إرادة المقاومة وتجويع السكان ودفعهم للاستسلام، لكنه يواجه الآن واقعًا مغايرًا: مقاومة لم تُهزم، وشعب ينهض من تحت الركام، وأجهزة أمنية تعيد الحياة إلى مدنه المدمرة بثقةٍ وهدوء.

في المحصلة، فإنّ انتشار وزارة الداخلية في غزة لا يمثل فقط خطوة أمنية بل إعلانًا سياسيًا صريحًا بأنّ “غزة لم تسقط”، وأنّ من كان يراهن على نهايتها سيُدرك قريبًا أن المقاومة فيها لا تُقهر، وأنها — رغم الحصار والدمار — ما زالت قادرة على إدارة أرضها وحماية شعبها، بينما يخرج الاحتلال مثقلاً بفشل سياسي وعسكري غير مسبوق.

اقرأ أيضًا : تلاعب الاحتلال وواشنطن يُهدد “اتفاق غزة”.. انعدام الثقة وعقبة نزع سلاح المقاومة