يواصل أحمد فؤاد الخطيب أداء دورٍ وظيفي في تسويق مشروع تهجير سكان غزة وتصفية المقاومة تحت غطاء الإغاثة وإعادة الإعمار وذلك عبر استخدام الواجهات البحثية والإعلامية لتسويق مشاريع سياسية وأمنية تستهدف قطاع غزة تحت غطاء “الإغاثة” و“إعادة الإعمار” و“حماية المدنيين”. فبدلاً من التعامل مع الكارثة الإنسانية في غزة باعتبارها نتيجة مباشرة لحرب إبادة وحصار وتجويع وتدمير ممنهج ارتكبه الاحتلال، يحاول الخطيب إعادة صياغة المشهد بطريقة تخدم الرواية الإسرائيلية، عبر تحميل المقاومة مسؤولية معاناة السكان، والدفع نحو ترتيبات ميدانية تؤدي عملياً إلى تفريغ مناطق واسعة من غزة من سكانها، وفصل المدنيين عن بيئتهم الوطنية والسياسية والاجتماعية، ثم فرض واقع أمني جديد تحت رقابة دولية وإسرائيلية مباشرة.
أحمد فؤاد الخطيب فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية، ويقدّم نفسه كباحث ومحلل سياسي يعمل من داخل دوائر بحثية وإعلامية غربية، من بينها موقعه كزميل أول في المجلس الأطلسي بواشنطن، كما يقود مبادرة باسم Realign for Palestine، وينشط في منصات وصحف غربية وعبرية، حيث يطرح خطاباً يهاجم المقاومة الفلسطينية ويروّج لترتيبات سياسية وأمنية بديلة في غزة تحت عناوين “السلام” و“إعادة الإعمار” و“التعافي”.
ويبرز الخطيب في هذا السياق باعتباره أحد الأصوات الممولة من الإمارات، خاصة لعلاقته الوثيقة بعبدالله بن زايد، التي تسوّق لما يسمى نقل المدنيين إلى مناطق جديدة جنوب القطاع، وتحديداً خلف ما يسمى “الخط الأصفر”، بزعم توفير مساكن وخدمات صحية وتعليمية وأمنية أفضل للنازحين. غير أن هذا الطرح لا يمكن عزله عن السياق السياسي والعسكري الذي يتحرك داخله؛ فهو لا يتحدث عن حق الفلسطينيين في العودة إلى مدنهم وأحيائهم المدمرة، ولا عن وقف جرائم الاحتلال، ولا عن رفع الحصار، ولا عن محاسبة المسؤولين عن الإبادة، بل يقدّم إعادة توزيع السكان داخل غزة كمدخل لـ“إضعاف المقاومة” ونزع قدرة المقاومة على الحركة، بما يحوّل المدنيين أنفسهم إلى أداة في مشروع أمني هدفه النهائي تصفية المقاومة وإعادة هندسة القطاع ديموغرافياً وسياسياً.
وفي منشوره الأخير على منصة “إكس”، حاول الخطيب تبرئة نفسه من الاتهامات الموجهة إليه، لكنه في الواقع أعاد تأكيد جوهر الدور الذي يُنتقد بسببه. فقد قدّم نفسه باعتباره هدفاً لحملة من حركة حماس بعد أن وصفته أطراف محسوبة عليها بأنه “شخصية مشبوهة” واتهمته بتسويق مشاريع صهيونية لتصفية المقاومة وتهجير سكان غزة. وبدلاً من أن ينفي مضمون المشروع الذي يروّج له، دافع عنه صراحة، مؤكداً أن الأزمة بدأت بسبب دعوته إلى إنشاء أماكن إقامة جديدة للنازحين قرب رفح خلف “الخط الأصفر”، وبسبب قوله إن المدنيين يجب ألا يبقوا مع المقاتلين إذا كان هناك أمل في “إزالة الإرهابيين” وإعادة إعمار غزة.
هذه العبارات وحدها تكشف طبيعة المشروع الذي يدافع عنه الخطيب. فهو لا يتحدث عن حماية المدنيين من الاحتلال، بل عن نقلهم بعيداً عن مناطق تعتبرها إسرائيل أو القوى المتحالفة معها “مناطق حمراء”، ثم إخضاعهم لترتيبات أمنية جديدة تشرف عليها قوة استقرار دولية وشرطة جديدة في غزة. وفي نصه، يقول بوضوح إن خلق “واقع جديد” خلف الخط الأصفر، مع سكن وصحة وتعليم وأمن تحت إشراف قوة دولية وشرطة جديدة، هو “الاستراتيجية الوحيدة” التي ستضعف أي صورة من صور المقاومة. بهذا المعنى، لا تكون الخطة إنسانية كما يحاول تصويرها، بل خطة أمنية تستخدم الاحتياجات الإنسانية للمدنيين كغطاء لإعادة تشكيل غزة بما يخدم هدفاً سياسياً واضحاً: ضرب المقاومة ونزع حاضنتها الشعبية.
ودافع في منشوره عن الإمارات وقيادتها وهاجم من ينتقد دورها، معتبراً أن استهدافه ترافق مع هجوم على الإمارات بسبب مزاعم تمويله وارتباطه بمؤسسات إعلامية وسياسية قريبة منها. هذا الدفاع لا ينفي الشبهات المحيطة بالدور الإماراتي، بل يعزز القرائن حول طبيعة تقاطع خطابه مع الأجندة الإماراتية المعلنة وغير المعلنة في غزة، خصوصاً أن أبوظبي تحاول منذ سنوات تقديم نفسها كفاعل “إنساني” و“إغاثي” بينما تتحرك سياسياً في مسارات تخدم التطبيع وتصفية القضية الفلسطينية وإعادة ترتيب المنطقة بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية.
الأخطر أن الخطيب أنهى منشوره بلغة تصعيدية صريحة، قائلاً إن ما يثير حماس هو بالضبط ما يجب على العالم فعله “بأقصى قدر ودون تردد”، داعياً العالم العربي والمجتمع الدولي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجلس السلام وإسرائيل والأمم المتحدة إلى تبني هذه الاستراتيجية. هنا ينتقل الخطاب من مجرد رأي سياسي إلى دعوة مفتوحة لتحالف دولي وإسرائيلي يفرض واقعاً جديداً في غزة تحت شعار الإعمار والاستقرار. وحين يضع إسرائيل ضمن الجهات التي يجب أن تتحرك لتنفيذ هذه الخطة، فإنه يكشف بوضوح أن مشروعه لا ينطلق من موقع وطني فلسطيني مستقل، بل من تصور يتقاطع مباشرة مع مصالح الاحتلال الأمنية والسياسية.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن هذا الخطاب يأتي ضمن منظومة أوسع تسعى إلى تسويق مشاريع إيواء مؤقتة في جنوب غزة باعتبارها حلاً إنسانياً، بينما تحمل في جوهرها مخاطر التهجير القسري، وتثبيت النزوح، وفصل السكان عن مناطقهم الأصلية، وفتح الباب أمام واقع ديموغرافي جديد تفرضه نتائج التدمير العسكري الإسرائيلي. فالخيام والمساكن المؤقتة التي تُقدَّم باسم “التعافي” قد تتحول إلى أداة لتثبيت الإبعاد، خصوصاً إذا اقترنت بترتيبات أمنية تمنع الفلسطينيين من العودة إلى مناطقهم أو تجعل العودة مشروطة بنزع المقاومة وقبول إدارة سياسية بديلة مفروضة من الخارج.
إن خطورة دور الخطيب لا تكمن فقط في مهاجمته للمقاومة أو في دفاعه عن الإمارات، بل في محاولته تغليف مشروع أمني استئصالي بلغة بحثية وإنسانية. فهو يستخدم مفردات مثل “التعافي” و“إعادة الإعمار” و“حماية المدنيين”، بينما يدعو عملياً إلى تفكيك العلاقة بين السكان ومناطقهم، ونقلهم إلى فضاءات خاضعة لترتيبات أمنية جديدة، ثم تقديم ذلك كحل عقلاني للأزمة. هذا النوع من الخطاب هو بالضبط ما يحتاجه الاحتلال وحلفاؤه: صوت فلسطيني يبرر المخطط من الداخل، ويعيد صياغة التهجير باعتباره إنقاذاً، ويحوّل المقاومة من حركة تحرر تواجه الاحتلال إلى عقبة أمام الغذاء والسكن والأمن.
ولا يمكن فصل ذلك عن الدور الإماراتي المتصاعد في دعم مسارات التطبيع وخدمة المشاريع الإسرائيلية في المنطقة. فالإمارات لم تعد مجرد دولة مطبّعة، بل تحولت إلى منصة سياسية وإعلامية ومالية لتسويق رؤى تخدم الاحتلال، سواء عبر علاقاتها العلنية مع إسرائيل، أو عبر تمويل المبادرات التي تُطرح باسم “السلام” و“الاستقرار”، أو عبر دعم أصوات ومنصات تهاجم المقاومة وتدفع باتجاه إدارة فلسطينية منزوعة الإرادة والسيادة. ومن هذا المنظور، يصبح الخطيب جزءاً من مشهد أوسع، لا مجرد فرد يطرح رأياً مثيراً للجدل.
ويحاول هذا الخطاب تصوير الفلسطينيين في غزة ككتلة بشرية تحتاج إلى إدارة خارجية، لا كشعب صاحب أرض وحق سياسي. كما يحاول إقناعهم بأن الخلاص من الموت والجوع والدمار يمر عبر القبول بمناطق بديلة، وترتيبات أمنية مفروضة، وقوى شرطة جديدة، وإدارة دولية، وتعاون مباشر أو غير مباشر مع الاحتلال. وهذا هو جوهر الخطر: تحويل الكارثة التي صنعها الاحتلال إلى فرصة لإعادة صياغة غزة وفق شروط الاحتلال نفسه.
إن ما يطرحه أحمد الخطيب ليس مشروعاً للتعافي، بل محاولة لتسويق التهجير بلغة ناعمة. وليس دفاعه عن “الخط الأصفر” سوى دفاع عن هندسة ميدانية تهدف إلى إبعاد السكان عن مناطقهم، وإضعاف المقاومة، وفرض واقع أمني جديد يخدم إسرائيل. أما دفاعه عن الإمارات وإنكاره للتمويل فلا يغيران من حقيقة أن خطابه يتحرك داخل المسار نفسه الذي تريده أبوظبي وتل أبيب: غزة بلا مقاومة، سكان تحت إدارة بديلة، وإغاثة مشروطة بالاستسلام السياسي.
ويبقى هذا المشروع، مهما جرى تغليفه بمفردات إنسانية، حلقة جديدة في محاولات تصفية القضية الفلسطينية. فالتهجير لا يصبح إنقاذاً لأنه يُقدَّم باسم السكن، والتطبيع لا يصبح سلاماً لأنه يُغلّف بلغة الاستقرار، وخدمة أجندة الاحتلال لا تصبح بحثاً سياسياً لأنها تصدر عن شخص يحمل اسماً فلسطينياً. ما يجري هو محاولة لبيع المشروع الإسرائيلي بلسان عربي وأموال إماراتية، في لحظة تُستخدم فيها معاناة غزة لإجبار الفلسطينيين على قبول ما عجز الاحتلال عن فرضه بالقوة وحدها.