ظهور أحمد الشرع، الذي كان لأكثر من عقد من الزمان يُلقب بأبي محمد الجولاني، على منصة الأمم المتحدة يمثل لحظة مفصلية في مسارٍ طويل من الصراع والتحول. هذا الظهور لا يقتصر على بُعد بروتوكولي أو دبلوماسي؛ بل يحمل حمولة رمزية وسياسية كبيرة: الرجل الذي صنَّفته حكومات ودوائر أمنية في الماضي كقائد فصيل مسلح صار اليوم يواجه مهمة إبراز نفسه كرجل دولة قادر على إدارة شؤون بلد مفكك، وإقناع المجتمع الدولي بأنه ليس مجرد قائد ميداني، بل شريك محتمل في إدارة مرحلة ما بعد الصراع.
مواجهة الشرع في نيويورك تضم أبعادًا متراكبة، أمامه مهمة رسائلها مزدوجة: أولًا، طمأنة الأطراف الدولية حول قدرته على ضبط العناصر الأكثر تشددًا داخل تركيبه، واحتواء أي دلالات عن تصعيد طائفي أو انتقامية قد يؤدي إلى رجوع البلاد إلى دوامة عنف جديدة. ثانيًا، المحافظة على هيبته وقاعدته المحلية التي حملته إلى المشهد السياسي، والتي لا تقبل بتحولات سريعة أو تراجعات تُفسَّر خيانةً للمبادئ أو للتحركات الميدانية السابقة.
الخطاب العلني للشرع جاء مصوّبًا نحو التعاطف مع معاناة شعبه والرغبة في كرامة عادلة، واستخدم لغة تؤطّر تجربته السابقة بمنطق الضغط والانتفاضة على الظلم، محاولةً بذلك بناء سردية تحويلية تبرر المرور من السلاح إلى السياسة. مثل هذا المناخ الخطابي يهدف إلى اختزال المقاومة في سياقها الإنساني والسياسي، لكن الرسائل المطروحة في نيويورك تواجه اختبارين عمليين: اختبار الثقة الدولية، واختبار الإدارة المحلية.
على المستوى الدولي، موقع الشرع الجديد جعله محط تفاهمٍ واقعي لدى بعض الفاعلين. مسؤولون أميركيون يعترفون ضمنًا بأن لا بديل واقعيًا عن شخصيته لجهة منع انزلاق سوريا إلى حرب أهلية شاملة مجددًا. هذا الاعتراف الواقعي لا يعني قبولًا غير مشروطًا؛ فواشنطن وحلفاؤها يضعون سقفًا من المطالب والتكهّنات: مراقبة التصريحات بشأن إسرائيل، الضغط على السلوك الطائفي والانتهاكات، والتمسّك بحدود التعاون الأمني بما لا ينعكس بتقوية ميليشيات متطرفة. الطلبات الدولية تبدو عملية: تفاهمات متدرجة، تقييمات لسلوك اليد الحاكمة داخليًا، وربط أي ترسُّخ دولي بخطوات قابلة للتحقق.
اللقاءات المكثفة للشرع في نيويورك، من مقاعد المواجهة إلى محادثات «المائدة المستديرة» مع قيادات عسكرية وسياسية سابقة مثل ديفيد بيتريوس، تعبّر عن سعي واع نحو الانتقال من لغة القتال إلى منطق الدولة. تبادل التحية والضحكات مع خصوم سابقين ليس تقنينًا لمحبة شخصية فحسب، بل مؤشر على رغبة في ترجمة التسوية السياسية إلى ممارسات عملية: تبادل معلومات، ضمانات أمنية، وربما آليات لإعادة دمج عناصر مسلحة. مع ذلك، تظل مسألة التحقق من النوايا مهمة: التحول من مقاتل إلى زعيم دولة يحتاج مؤسساتيةً إلى مصداقية تضمن حقوقًا وحريات وإدانات لأي ممارسات تجاوزت القانون.
داخليًا، الشرعية المحلية هي المعادلة الأصعب. أحمد الشرع لم يصبح رأس سلطة من فراغ؛ قوة الشارع والبنية التنظيمية التي يمثلها تمنحه نفوذاً حقيقياً. لكن هذا النفوذ قائمٌ على مزيج من الولاء والخشية واحترام المصالح المحلية، وكل خطوة تُفسَّر على أنها تنازلية أو استجداء شرعية خارجية قد تُضعف موقعه أمام قواعده. إدارة هذا التوازن تتطلب منه سياسات داخلية حذرة: إجراءات حقيقية ضد الانتهاكات الطائفية، ضمانات لإصلاح أجهزة الأمن المحلية، وفتح قنوات للحوار مع مكونات اجتماعية أخرى دون أن يبدو ذلك خضوعًا للضغوط الخارجية.
كما أن قضية العقوبات الأميركية والتجارية تشكّل قيدًا عمليًا. رفع بعض العقوبات أو تعديلها كان واردًا لدى إدارة سابقة، لكن تشديد بعض القوانين، مثل قانون قيصر، يتطلب مسارات تشريعية قد تطول. طلب الشرع تخفيف العقوبات يواجه سؤالًا عمليًا: هل تُضبط عملية رفع العقوبات بشروط واضحة لحماية المدنيين، وتشجيع عمليات إعادة الإعمار؟ أم ستتحول تخفيفات جزئية إلى غطاء يسمح بعودة انتهاكات دون مساءلة؟ هنا تبدو المهمة دبلوماسية: إقناع الكونغرس بإطار رقابي يُربط المساعدات والتسهيلات بتقدم ملموس في مجالات حقوق الإنسان ومكافحة الإفلات من العقاب.
على الجانب الإقليمي، مواقف الشرع من إسرائيل والنزاعات المحيطة حسّاسة للغاية؛ نبرةً محسوبة قد تتيح له نافذة دبلوماسية مع بعض العواصم، لكن تصريحات تذكّر بالخوف من سياسات إسرائيل الإقليمية تعكس قيودًا سياسية داخلية تحول دون تقاطع تام مع مسارات التطبيع. قراءة المشهد تشير إلى أن الشرع يسعى إلى الحفاظ على هامش من المرونة الدبلوماسية: لا رهان على تقارب معلن مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه فتح قنوات للتفاوض مع الفاعلين الإقليميين حول ضمانات أمنية ومناطق نفوذ.
من زاوية أخرى، ما عرضه الشرع في نيويورك يفتح نقاشًا أوسع حول جدوى وشروط «التحول السياسي» في مناطق ما بعد النزاع. تجربة تحويل قادة مسلحين إلى فاعلين سياسيين حاضنة للمخاطر: إمكانية احتفاظهم بأسلحة وفضاء نفوذ مستقل، وإمكانية عودة قواعدهم إلى الشارع في حال لم تُلبَّ مطالبهم الميدانية أو السياسية. لذا، أي مقاربة دولية بناءة يجب أن تتضمن آليات إعادة بناء دولة فعلية: تسريح وإعادة تأهيل مسلحين، عدالة انتقالية، ومشروعات تنموية تستجيب لاحتياجات السكان.
ختامًا، ظهور أحمد الشرع على المسرح الدولي لا يصنع واقعًا جديدًا بمفرده، لكنه يقدّم نافذة عملية لفهم التحوّلات الجارية في سوريا. الاختبار الحقيقي سيقاس بقدرة الشرع على ترجمة الشعارات إلى سياسات مؤسساتية قابلة للقياس، وبقدرة المجتمع الدولي على تقديم حوافز مشروطة تفضي إلى حماية المدنيين وإعادة بناء الدولة. المشهد اليوم يطرح أسئلة أساسية: هل سنشهد شراكة دولية تراعي المساءلة والحقوق وتدعم استقرارًا مستدامًا؟ أم أن مسار التطبيع الدولي مع قادة سابقين للمقاومة سيعيد إنتاج دوائر الإفلات من العقاب ويؤجل الإصلاح؟ الإجابة على هذه الأسئلة تعتمد على مزيج من الإرادة المحلية والرقابة الدولية والمهارات السياسية في إدارة التحول من سلاح إلى سلطة.