أثارت شركة «أديداس» الألمانية جدلاً بعد استعانتها بجندي إسرائيلي سابق للترويج لإطلاق خدمة جديدة في الأراضي المحتلة تستهدف مبتوري الأطراف والأشخاص الذين يحتاجون إلى حذاء واحد فقط، في وقت يعيش فيه قطاع غزة أزمة غير مسبوقة في أعداد المصابين بحالات البتر، ولا سيما بين الأطفال.
وأطلقت الشركة خدمة «فردة حذاء واحدة»، التي تتيح للأشخاص ذوي الإعاقة أو من فقدوا أحد أطرافهم شراء فردة واحدة من بعض منتجاتها بدلاً من الاضطرار إلى شراء زوج كامل، على أن يدفع المستفيد نصف سعر الزوج.
واختارت «أديداس» للترويج للخدمة الجندي الإسرائيلي السابق شاليف بيتون، الذي خدم في الكتيبة 931 التابعة للواء «ناحال» في جيش الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يفقد ساقه اليسرى خلال خدمته العسكرية.
وأصيب بيتون بصاروخ مضاد للدبابات أُطلق من قطاع غزة خلال معركة «سيف القدس» في مايو/أيار 2021، التي شهدت عدواناً إسرائيلياً واسعاً على القطاع ومواجهة عسكرية استمرت 11 يوماً.
وبعد إصابته وبتر ساقه، اتجه بيتون إلى الرياضة، وأصبح لاحقاً من الشخصيات التي تقدم تجربتها في التعامل مع الإصابة وفقدان الطرف، قبل اختياره وجهاً للترويج للخدمة الجديدة التي تقدمها الشركة الألمانية.
وتبدو فكرة بيع فردة حذاء منفردة في حد ذاتها موجهة لمعالجة مشكلة عملية يواجهها مبتورو الأطراف، إلا أن اختيار جندي إسرائيلي سابق تحديداً لتقديم الحملة يكتسب دلالة شديدة الحساسية بسبب السياق الذي أُطلقت فيه الخدمة، بعد سنوات من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وما خلفته من آلاف حالات البتر بين الفلسطينيين.
وتزداد المفارقة حدة مع الأرقام المتعلقة بالأطفال في غزة، إذ حذرت جهات أممية من الحجم الاستثنائي للإصابات التي أدت إلى فقدان الأطراف، وسط انهيار واسع في القطاع الصحي وصعوبات كبيرة في الحصول على الأطراف الصناعية وخدمات التأهيل والعلاج الطبيعي.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل أكثر من خمسة آلاف حالة بتر في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينما وصفت الأمم المتحدة غزة بأنها تضم أكبر تجمع من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث.
ولا تعكس أرقام البتر وحدها حجم الأزمة، إذ يحتاج المصابون بعد فقدان أطرافهم إلى عمليات جراحية متكررة وعلاج وتأهيل طويل الأمد وأطراف صناعية تتغير مع نمو الأطفال، فضلاً عن الدعم النفسي والاجتماعي، في بيئة تضررت فيها المستشفيات ومراكز التأهيل بصورة واسعة.
ومن هنا يضع توقيت الحملة واختيار وجهها «أديداس» أمام تساؤلات تتجاوز المنتج نفسه؛ فالشركة تقدم خدمة مخصصة لمبتوري الأطراف داخل الأراضي المحتلة من خلال جندي سابق فقد ساقه خلال مواجهة مع الفلسطينيين، بينما يعيش على بعد عشرات الكيلومترات آلاف الفلسطينيين الذين فقدوا أطرافهم خلال الحرب الإسرائيلية على غزة.
وتحمل القضية حساسية إضافية بالنظر إلى تاريخ «أديداس» الحديث مع الملف الفلسطيني، إذ واجهت الشركة في عام 2024 انتقادات واسعة عقب حملة إعلانية مرتبطة بإعادة إطلاق حذاء «SL72» المستوحى من أولمبياد ميونيخ 1972، بعدما اختارت عارضة الأزياء الأميركية من أصول فلسطينية بيلا حديد ضمن الحملة.
وأقدمت الشركة حينها على تعديل حملتها والاعتذار عن أي صلة غير مقصودة بالأحداث المأساوية المرتبطة بأولمبياد ميونيخ، قبل أن تتعرض بدورها لانتقادات من مؤيدين للفلسطينيين بسبب طريقة تعاملها مع مشاركة حديد.
أما الحملة الجديدة، فتفتح نقاشاً مختلفاً يتعلق بمعايير اختيار الشخصيات المستخدمة في الإعلانات التجارية داخل سياق حرب خلفت أعداداً هائلة من ذوي الإعاقة ومبتوري الأطراف.
وفي المقابل، لا يعني اختيار بيتون للحملة في حد ذاته أن «أديداس» تستهدف الفلسطينيين أو تتبنى موقفاً من الحرب الحالية، ولا تثبت المعلومات المتاحة وجود صلة بين خدمته العسكرية السابقة وبين قرار اختياره سوى ملاءمة تجربته الشخصية لطبيعة الخدمة. لكن السياق والتوقيت والرمزية التي يحملها الاختيار هي التي تجعل الحملة عرضة للانتقاد.
وتبرز المفارقة بصورة أكبر عند وضع الهدف المعلن للخدمة، وهو تسهيل حياة الأشخاص الذين فقدوا أطرافهم، مقابل الواقع الإنساني في غزة، حيث أصبح البتر أحد أكثر الآثار الدائمة للحرب وضوحاً، وخاصة بالنسبة للأطفال.
وبذلك يتحول إطلاق خدمة تبدو في ظاهرها مبادرة تجارية واجتماعية موجهة لذوي الإعاقة إلى قضية ذات أبعاد سياسية وأخلاقية؛ ليس بسبب فكرة بيع «فردة حذاء واحدة»، وإنما بسبب اختيار جندي إسرائيلي سابق وجهاً لها في اللحظة التي يعيش فيها آلاف الفلسطينيين واقع البتر والإعاقة الناتج عن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.